كتب الأستاذ: د.عبدالرزاق كيلو..إضاءة نقدية :نبوءة لانتظار الغد ..للشاعرة السورية: لبنى ياسين. العدد الثاني من مجلة واحة الإبداع عدد 20 سبتمبر 2026م.

صدر الآن في موعده النصف شهري– بمشيئة الله تعالى – عن :مؤسسة النيل والفرات للطبع والنشر والتوزيع
العدد الثاني من مجلة واحة الإبداع عدد 20 سبتمبر 2026
مع تقدير واحترام أسرة التحرير… و مقالنا إضاءة نقدية حول العدد الثاني من مجلة واحة الإبداع عدد 20 سبتمبر 2026 الأديبة السورية الكبيرة لبنى ياسين
إضاءة نقدية……………………. نبوءة لانتظار الغد
للشاعرة السورية لبنى ياسين
إنها تكتب الشعر بوعي و إحساس يكاد يكون عميقا بتجنبها البيان الهش و السطحي الذي يقتل الذائقة الفنية و لا يحرك إلا فقاعات من الاستجابة الرخيصة التي تنطفىء سريعا و إننا ندعو شاعراتنا العرب لخلق حالة جديدة من الوعي الأدبي يتبدى من خلالها حماسهم و إخلاصهم في نشر الوعي القومي و في نشر الأدب الملتزم رغم الإمكانيات المحدودة لرفد الوعي الوطني و القومي و لا أزال أذكر في الأيام السالفة عندما كانت مناهجنا العلمية في التحصيل الدراسي منذ التعليم الابتدائي حتى الاعدادي و الثانوي تفرز مقدارا حسنا عن الوعي القومي و العربي
إزاء وطننا السليب بمشكاتين مشكاة الاستعمار و مشكاة الساسة الذي لا يعرفون إلا تثبيت مكانتهم و نصب المكائد و تطوير الكذب الإعلامي و الصدى الرجعي لشراء عواطف الناس و جرهم نحو أسواق النخاسة السياسية بتوازي مع قدرة الاستعمار و مكائده التي لا تكف عن خلق فجوات معيشية داخل الوطن للإنسان العربي و من هذا المنطلق تخط أديبتنا الكبيرة قصيدتها النثرية هذه عاكسة أفكارا تجريدية كلاسيكية دانفة المقصد القومي و الوطني بحلة بيانية جديدة متأثرة ببعدها عن وطنها المنسوج داخل أوردتها و هذه نزعة عند الإنسان العربي عموما المثقف و المخلص في مشاعره الوطنية يعز عليه شمس الوطن و هو يعيش في أرض المهجر و يغلب عليه وعيه القومي مهما كان ينعم من لذة العيش في أرض المهجر التي تمنحه فرصة الظهور الفني و الأدبي و يسمو شعوره القومي فوق كل شعور و تستجيب عواطفه الإنسانية لكل ما هو مأخوذ منه فيتحرك منه طاقات كامنة لتخلق عنده خيالا خصبا يتوازى مع البراء من الخائنين و المتغطرسين و يلوذ بمستوى عرض مصاف للحقيقة و الشاعرة لبنى تقف على مستوى جاد بالنزعة القومية و الوطنية بهذه القصيدة المشتعلة بشجون الغضب و لوعة الأسى و المشاعر الأمينة الصادقة و هي فنانة محترفة بالرسم الكلاسيكي و حازت على عدة جوائز عالمية نظرا لنزعتها الإنسانية العميقة الإحساس لما يواجهه المنسحقين في العالم من مأساة إنسانية و من أجل إزالة غبار الشر الذي تحركه رياح الطامعين و المستغلين و يحاولون تحجيم دور الإنسان و إلغاء دوره الطبيعي في بناء الحضارة في وطنه تستخدم الرمز المباشر و الدلالات المتعددة تحفيزا للذاكرة الوطنية بأمواج مرئية تلامس الأعماق المتخفية في داخل النفس للتعويض عن الحساسة الباطنية المتخثرة و يحركها هذا السيل الهائل من كتل الظلام تنادي بانبثاق شعري
رجاج و يقظة بيانية تحرك لنا غابة أشجاننا القابعة في طرق وعرة في دخيلة النفس …نبوءة لانتظار الغد….:
وقال لي:
اسرقي من الماء دهشته
عندما تجرحه أشرعة الرحيل
وو وخذي شهوة الصوت للسفر
وأنين الريح، وهي تمشط شعر الليل
اخدشي مرايا الوقت بأظافر الحنين
واقطعي أصابع الانتظار
صيري غجرية
لا تبالي على أي تراب يجلجل خلخالها
واعبثي بسرة الضوء
ولا تكترثي بما سوف يكون

قال لي
لا تبحثي عن وطن
فالأرض تقتل أولادها
لتكن الغيمة بيتك
والسماء وطنك
ستظللك أينما رحلت
ومهما طال بك الغياب

قال لي
لا تقرئي كتب التاريخ
إنه محض كذبات وقحة
زرعها المخاتلون في صدر الورق
فاسود وجهه
أي شرف في أن ننحت من التاريخ صنما
ونطوف حوله كالزاهدين؟!

قال لي
علقي الحقيقة على حافة الوقت
واتركيها تغتسل بدموع النادمين
والدراويش، والثكالى، والأيتام
وكل مساكين الأرض
نصف القلب نبض
ونصفه سنبلة
والسنابل لا تموت.
العنوان يحمل في طياته أسى و شجون على ما يلاقيه الإنسان العربي في وطنه من عذاب و ألم وصلت لحد اللوعة فلا يزال ينتظر و ينتظر شمس الحرية لتأخذ بيده إلى بر الأمان الذي يراه مفقودا فهل الغد المنتظر يحمل مضمونا إنسانيا الشاعرة أبقت الغد أفقا مفتوحا أمام شهوة الترجي إليه فربما يحمل بين ثناياه قميص يوسف يلقى على وجه يعقوب و تدخل الشاعرة قصديتها على حد القول و الخطاب بما يترصد بين الذكر و الأنثى من العلاقة الجوهرية بين الفن و الصدق أن تأخذ من الماء دهشته عندما يجرح من أشرعة الرحيل …. و هذه صورة فنية عارمة الذكاء الفني و استعارة ترسخت فيها القياسات الجمالية و كأن الماء بات حزينا مندهشا مكلوما ينطق بفحوى الدهشة مما يتحمله الإنسان تحت رواق وطنه الذي لا يحن عليه و لا يحرك ساكنا إزاء ما يعاني منه المرء من عذابات تظل عالقة في حياته
فأشرعة الرحيل جرحت دهشة الماء من الرحيل عن الوطن بحثا عن المأمن و هذا تكنيك شعري يخلق فينا حقيقة الدهشة و السؤال أمام سيل من الأسئلة المحكمة التردد بين شفاهنا و قلوبنا التي بقيت حزينة بعد انقلاب الزمن فينا يتاجرون بألامنا على حساب العمالة للأجنبي المحتل و هنا يتحول خطاب الشاعرة إلى عنفوان مواجهة بين الأنثى و واقعها لتكشف ظاهرة الافتعال و التصنع بعد أن خاب ظنها مستخدمة صورا فنية تعبر عن فرز الغث من السمين و لتطلعنا على الجوانب الاجتماعية و النفسية المنعكسة سلبا دا خل حساسية الأنثى صوت شهوة السفر بناء محكم الرمز و الدلالة عن حالة الانهيار ربما التي تعاني منها الأم و الزوجة و الأخت و كل أنثى داخل قفص الحياة المرخية بصدودها و هتونها فشهوة السفر استراتيجية تعويضية عن شهوات الأنثى غزيزة الوفاض و متعة الإبهام المركز ذكاء اجتماعي من الشاعرة عبرت فيه عن غضب الأنثى بأنين الريح و تمشيط شعر الليل و خدش المرايا بأصابع الحنين و قطع أصابع الانتظار و صيرورتها غجرية و العبث بسرة الضوء … كلها مسجات لها ارتفاق. نفسي مع صدى الحياة البارقة بألامها فماذا تبقى لها من الحياة في وطنها غير أن تصبح غجرية مناهضة لحلكة الواقع الذي يرسمونه كذبا و تزويرها على أنه عصر الكرامة و استرداد الحقوق و الحرية التي تشبه إلى حد بعيد حرية الغجرية التي لا تبالي بما سوف يكون وفقت الشاعرة بهذا المستوى الفني فماذا تبقى للأنثى التي أضاعت الخيط و العصفور سوى التمرد على الضوء و الواقع و جلجلة خلخالها فوق الأتربة البيضاء و السوداء و الصفراء… في المقطع الثاني توسع الشاعرة بنا دائرة التلقي و تبتعد عن الغرائبية المقطعة و البعد
عن البلاغة الفارغة في النثر الشعري لتأتي على ذكر الوطن صراحة و تأتي عن
كلماتها نابعة من رحم الواقع المملوء بتهاويل مفزعة في وطن يقتل أولاده و القتل لم يكن اعتياديا و لهذا لم تبح الشاعرة في توسيع المعنى لأنه متجذر الانطباع و ساريا في الذهن قتل المعيشة الجائفة أبشع أنواع القتل يعيش المرء بموجبها وفق غريزة حب البقاء لا التمتع بسريان دواعي الكمال الحياتي و لهذا
لأن الإنسان من طبيعته كراهية العيش بين جدران خانقة في أسر طويل المجال يجعل من الغيوم بيته و من السماء وطنه الذي ينتمي إلى الله خالقه لا لزيد و لا لعبيد فالشاعرة تكسر حاجز المكان و الزمان لتعطي للقصيدة وشمها الإنساني المستشرف لأفق الحياة الإنسانية التي لا يسودها الفقر و الجهل و التخلف و ظلام الظلم في ثوب التلاعب بالعواطف المكتسبة لأنها تلاحق الإنسان في مجتمعه و هى غير مكتملة التفاصيل و مهما طال الزمن بنا في مجتمعنا تبقى ظلال الإيمان بالله و هنا تخرج بنا الشاعرة عن التراتبية إشاعة للمعاني و الفكر في خيال المتلقي لامتلاك الشاعرة طاقة البيان العفوية الخلاقة المبدعة و كأنها تدعو المتلقي ليشاركها في الدلالة و الرمز بأسلوب العصف الذهني… ستظللك أينما رحلت و مهما طال بك الغياب… لمن جعل السماء وطنه فهي تحقق هدفية القصيدة و منحاها الأخلاقي و الوجداني بعفوية منسكبة في ينبوع الحكمة . و في المقطع الثالث تدخلنا إلى مؤشرات الحزن و الخراب و إلى سبب اعتراء المرء في وطنه العربي طبعا و هي الأصنام المصنوعة في أروقة العدو لرسم زمن قد يطول قرحه للأجفان و شيب للرؤوس يكتوي بنار يقودها حفنة من الجلادين الذين لم يحسنوا قراءة الواقع و تعاملوا معه بروحي هولاكو و جحافله الكاسحة
قال لي
لا تقرئي كتب التاريخ
إنه محض كذبات وقحة
زرعها المخاتلون في صدر الورق
فاسود وجهه
أي شرف في أن ننحت من التاريخ صنما
ونطوف حوله كالزاهدين؟!
يبقى التاريخ … ينحت لنا الأصنام بتراب أرصفة الخديعة لله و للشعب و للوطن… في المقطع الرابع تبدو قدرة الشاعرة في صياغة أسلوب منفرد يتوهج فيه الوصف و الادهاش في سلم الجملة الشعرية البسيطة التي تعزز الهدف من القصيدة و رسم خطوط الاتصال في بنية الشعر و هي تعلق الحقيقة بدموع النادمين و ما أجمل قولها:
نصف القلب نبض
ونصفه سنبلة
والسنابل لا تموت.
و السنبلة رسم شعري يسهم في توحد سياق القصيدة بأبعاد غنية مكتنزة الإيحاء و التعبير اللغوي الثر لإنجاز شرط الإبداع
فمرحى لبنى رسمت لنا واقع معاشنا الذي تباعد في الزمن ثم ربطيه بالشكل الأتي … نبوءة لانتظار الغد و أنت تبحثين عن واقع وطني جديد رغم العتمة التي تكتفه و حتما أن قلوبنا نصفها سنابل و السنابل لا تموت

د. عبدالرزاق كيلو
صدر الآن في موعده النصف شهري– بمشيئة الله تعالى – عن :مؤسسة النيل والفرات للطبع والنشر والتوزيع

أخر المقالات

منكم وإليكم