المبدع: حسني سبح.. الطبيب الذي جعل العربية لغةً للطب ..حين حمل الطبيب السوري مشرط العلم بيد، وقلم التعريب باليد الأخرى.- إعداد: فريد ظفور.

حسني سبح.. الطبيب الذي جعل العربية لغةً للطب

حين حمل الطبيب السوري مشرط العلم بيد، وقلم التعريب باليد الأخرى

إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت

مقدمة: عندما تصبح اللغة جزءاً من صناعة المعرفة

ليست اللغة مجرد وسيلة نتحدث بها عن العلم، بل هي إحدى الأدوات التي نصنع بها العلم وننقله إلى الأجيال. وحين تكون المصطلحات الطبية قادرة على أن تولد داخل اللغة الوطنية، يصبح الطب أكثر قرباً من الطالب والطبيب والمجتمع، وتصبح المعرفة جزءاً من الثقافة العامة لا حكراً على لغة أجنبية.

ومن هذه الرؤية برز في سورية خلال القرن العشرين اسم الطبيب والعالم واللغوي الدكتور حسني بن يحيى سبح (1900–1986)، أحد أبرز رواد تعريب العلوم الطبية، والرجل الذي جمع في شخصيته بين الطبيب والأستاذ الجامعي والباحث والمصطلحي ورجل المؤسسة العلمية.

لم يكن حسني سبح طبيباً يمارس مهنته فحسب؛ بل كان يؤمن بأن الطب العربي لا يكتمل إلا حين يستطيع الطبيب العربي أن يدرس علومه ويبحث ويكتب ويعلّم بلغته. ولذلك كرّس جانباً كبيراً من حياته لصياغة المصطلحات الطبية وتعريبها وتوحيدها، حتى غدا اسمه واحداً من العلامات البارزة في تاريخ التعريب العلمي في سورية والعالم العربي.

من دمشق بدأت الحكاية

وُلد حسني بن يحيى سبح في دمشق سنة 1900، ونشأ في بيئة تعليمية كانت اللغة التركية حاضرة بقوة في التعليم خلال أواخر العهد العثماني. غير أن حياته الدراسية شهدت مبكراً علاقة خاصة باللغة العربية، وأسهم معلمه الأمير عارف الشهابي في تعميق هذه الصلة وإثارة اهتمامه بلغة الضاد.

وفي عام 1913 تقدم إلى مسابقة دخول المكتب الطبي العثماني، وكان من أصغر الطلاب الذين التحقوا بدراسة الطب. ومع انتقال الدراسة إلى بيروت خلال الحرب العالمية الأولى، تابع تحصيله الطبي، ثم عاد إلى دمشق وتخرج سنة 1919 في الدفعة الأولى من خريجي الطب في سورية.

كانت تلك السنوات المبكرة شاهدة على تكوّن شخصيته العلمية؛ فقد وجد نفسه أمام سؤال لم يكن طبياً فقط:

كيف يمكن أن يتعلم الطبيب العربي أحدث علوم الطب، وأن يفكر فيها ويعلّمها بلغته؟

وسيصبح هذا السؤال لاحقاً أحد أهم محاور حياته.

طبيب في زمن التحولات الكبرى

لم يكن حسني سبح بعيداً عن الأحداث الوطنية التي عصفت بسورية في مطلع القرن العشرين. وتذكر المصادر أنه شارك في النشاط الطبي خلال معركة ميسلون، وأنه عاين جثمان وزير الحربية السوري يوسف العظمة بعد استشهاده سنة 1920، ووصف إصابته بشظية أصابت الطحال.

وهنا تظهر شخصية الطبيب الذي لم يكن العلم بالنسبة إليه منفصلاً عن الإنسان والوطن.

فالطب عند حسني سبح لم يكن مجرد تشخيص للمرض، وإنما مسؤولية أخلاقية وعلمية واجتماعية.

إلى أوروبا… ثم العودة إلى دمشق

تابع سبح مسيرته العلمية خارج سورية، فسافر إلى فرنسا وسويسرا، وحصل على الدكتوراه في الطب من جامعة لوزان سنة 1925، وكانت أطروحته حول نمو الغشاء المشيمي في الإنسان، وقد نشرت باللغة الفرنسية.

كما أتقن عدداً من اللغات، منها التركية والفرنسية والألمانية والإنكليزية، الأمر الذي منحه قدرة استثنائية على الاطلاع على الإنتاج العلمي العالمي ومقارنته بالمصطلح العربي.

وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات تجربته:

لم يكن تعريب الطب عنده رفضاً للعلم الأجنبي، بل كان وسيلة لنقل العلم العالمي إلى البيئة العربية بلغة قادرة على استيعابه.

من قاعة الدرس إلى قيادة الجامعة

عاد حسني سبح إلى دمشق، وبدأ مسيرته الأكاديمية والطبية في المعهد الطبي، وتدرج في المناصب العلمية حتى أصبح أستاذاً للأمراض الباطنية، ثم عميداً للكلية سنة 1938. وبعد ذلك تولى رئاسة الجامعة السورية، التي أصبحت لاحقاً جامعة دمشق، في أوائل الأربعينيات.

وكانت رؤيته للتعليم الطبي تقوم على الجمع بين المعرفة النظرية والممارسة السريرية، مع التأكيد على الدقة العلمية في فحص المريض والتشخيص.

وهكذا أصبح الطبيب الذي يهتم بالمريض، والأستاذ الذي يهتم بالطالب، والمفكر الذي يهتم بلغة العلم، شخصاً واحداً.

حسني سبح وتعريب العلوم الطبية

لكن الإنجاز الذي جعل اسمه حاضراً بقوة في تاريخ الثقافة العلمية العربية كان مشروع تعريب الطب والمصطلحات الطبية.

كان يرى أن امتلاك الطبيب العربي للغة العلم جزء من امتلاكه أدوات المعرفة نفسها. لذلك اشتغل على المصطلحات الطبية، وشارك في صياغتها ومراجعتها وتوحيدها، وترك عدداً كبيراً من الكتب والمراجع والأبحاث في هذا المجال.

وتذكر المصادر الرسمية لمجمع اللغة العربية بالقاهرة أن من مؤلفاته وأعماله:

  • معجم الألفاظ والمصطلحات الفنية لأمراض الجملة العصبية.
  • معجم الألفاظ والمصطلحات الفنية للأمراض الأنثانية والطفيلية.
  • معجم الألفاظ والمصطلحات الفنية لأمراض جهاز التنفس.
  • موجز مبادئ علم الأمراض.
  • مبحث الأعراض والتشخيص.
  • فلسفة الطب.
  • علم الأمراض الباطنية في سبعة أجزاء.
  • موجز علم الأمراض الباطنية في جزأين.
  • موجز أمراض الجملة العصبية.
  • أمراض الغدد الصم والتغذية والتسممات.
  • نظرة في معجم المصطلحات الطبية.

كما شارك في تأليف المعجم الطبي الموحد.

ولم يكن نشاطه في التعريب عابراً؛ فله بحث منشور بعنوان «تعريب علوم الطب» سنة 1986، كما تناول في أبحاثه قضية توحيد المصطلح الطبي ودخول المصطلحات العلمية في حيز الاستعمال.

وتكشف سجلات مجمع اللغة العربية أن له إنتاجاً مجمعياً واسعاً؛ فقد نشر خلال عضويته عشرات الأبحاث والتقارير والتعقيبات المتعلقة بالمصطلحات والمعجمات الطبية.

في رحاب مجمع اللغة العربية

كان طبيعياً أن يجد هذا الطبيب اللغوي مكانه في المؤسسة التي حملت على عاتقها حماية العربية وتطويرها.

انتُخب حسني سبح عضواً عاملاً في المجمع العلمي العربي بدمشق سنة 1946، ثم تولى رئاسة مجمع اللغة العربية بدمشق سنة 1968، واستمر في رئاسته حتى وفاته سنة 1986. كما أصبح عضواً مراسلاً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1968، وارتبط بنشاط علمي ومجمعي عربي واسع.

وفي هذه المرحلة لم يعد حسني سبح مجرد طبيب يدافع عن العربية، بل أصبح أحد رجالها العلميين الذين يعملون على تطويرها من داخل المختبر والجامعة والمجمع.

لقد كان يرى أن اللغة الحية ليست اللغة التي تحفظ الماضي فقط، بل اللغة التي تستطيع أن تستقبل المستقبل.

المواساة… الطب بوصفه عملاً اجتماعياً

امتد اهتمامه إلى العمل الاجتماعي. فقد ساهم في تأسيس جمعية المواساة التي ارتبط بها مشروع مستشفى المواساة في دمشق، وانتُخب رئيساً للجمعية وظل في هذا الموقع حتى عام 1975 بحسب المصادر التي تناولت سيرته.

وهنا تكتمل صورة الرجل:

طبيب في المستشفى، أستاذ في الجامعة، لغوي في المجمع، وباحث في المصطلح، وفاعل في المجتمع.

إنها شخصية يصعب اختصارها في لقب واحد.

بين الطب واللغة… مدرسة فكرية

ربما كان أعظم ما تركه حسني سبح هو أنه جعل العلاقة بين الطب واللغة قضية ثقافية وحضارية.

فالطبيب يحتاج إلى المصطلح الدقيق، والباحث يحتاج إلى لغة واضحة، والطالب يحتاج إلى لغة يفهم بها ما يتعلمه، والمجتمع يحتاج إلى أن تصل إليه المعرفة الصحية بلغة مفهومة.

ومن هنا جاءت قيمة مشروعه.

لقد تعامل مع المصطلح الطبي كما يتعامل المصور المحترف مع الصورة:
اختيار، وضبط، وإزالة للالتباس، ووصول إلى المعنى بأقل قدر ممكن من التشويش.

وفي هذه النقطة تحديداً تلتقي فلسفة التعريب مع فلسفة الصورة؛ فكلاهما يبحث عن الوضوح، وعن القدرة على إيصال المعنى.

إرث يتجاوز زمن صاحبه

توفي الدكتور حسني سبح في دمشق سنة 1986، بعد حياة امتدت لنحو ثمانية عقود، ترك خلالها أثراً في الطب والتعليم واللغة والمجتمع.

ولم يكن رحيله نهاية مشروعه؛ فقد بقيت كتبه ومصطلحاته وأبحاثه شاهدة على مرحلة كان فيها عدد من علماء سورية يؤمنون بأن بناء الدولة الحديثة لا يكون بالسياسة والاقتصاد وحدهما، بل ببناء الجامعة والمستشفى والمختبر واللغة العلمية أيضاً.

وقد وصفت الموسوعة العربية حسني سبح بأنه طبيب ولغوي ومعرّب للعلوم الطبية، فيما توثق مؤسسات المجامع العربية نشاطه في المصطلحات الطبية وتعريب علوم الطب.

خاتمة: حين تصبح اللغة وطناً للعلم

في تاريخ سورية رجال كثيرون خدموا الطب، وآخرون خدموا اللغة، وغيرهم خدموا الجامعة والمجتمع؛ لكن حسني سبح كان من أولئك الذين جمعوا هذه الطرق في طريق واحد.

كان طبيباً يرى الإنسان قبل المرض، وأستاذاً يرى الطالب قبل الشهادة، ولغوياً يرى في العربية أكثر من لغة أدب؛ يراها لغة علم قادرة على أن تحمل المصطلح، وتستوعب الاكتشاف، وتفتح أبواب المستقبل.

ولذلك فإن الحديث عن حسني سبح ليس مجرد استعادة لسيرة طبيب سوري من القرن العشرين، بل هو استعادة لفكرة أكبر:

أن الأمة التي تمتلك لغة علمية قادرة على استيعاب المعرفة، تمتلك إحدى أهم أدوات استقلالها الحضاري.

لقد أمسك حسني سبح بمشرط الطبيب، لكنه أمسك أيضاً بقلم اللغوي؛ وبين المشرط والقلم بنى جسراً امتد من قاعة التشريح إلى قاعة الجامعة، ومن سرير المريض إلى صفحات المعجم، ومن الطب إلى اللغة، ومن المعرفة إلى الهوية.

وهكذا بقي اسمه واحداً من الأسماء السورية التي تقول للأجيال الجديدة إن العلم لا وطن له، لكن طريقة فهمه وتعليمه ونقله إلى الناس يمكن أن تكون جزءاً من هوية الوطن.

..***&***

الدكتور:حسني سبح ..صاحب الفضل في تعريب العلوم الطبية في سورية

الدكتور :حسني سبح
سورية… هي البلد الوحيد في العالم والوطن العربي، التي تدرس العلوم الطبية باللغة العربية.
وصاحب الفضل في تعريب العلوم الطبية في سورية هو “حسني سبح”
حسني سبح مواليد 1900م في دمشق وتوفي عام 1986 م، طبيب سوري ورائد تعريب العلوم الطبية، لا نبالغ إن قلنا إن هذا النابغة كان من أجلّ أبناء الشام، ومن أعظم من خدموا اللغة العربية، بما أسهم فيه من تعريب المصطلحات الطبية التي يستخدمها العلماء والأطباء اليوم.

كما كانت له نشاطات اجتماعية ووطنية، فهو من عاين جثمان وزير الحربية #يوسف_العظمة بعد استشهاده في معركة ميسلون، وأكد إصابته بشظية مزقت طحاله.

أصبح رئيساً للجامعة السورية عام 1943، وساهم في تأسيس جمعية المواساة التي أسست #مشفى_المواساة وانتخب رئيساً لها حتى عام 1975.
نتيجة لجهوده اللغوية ومشاركاته العلمية، انتخب عضواً عاملاً في المجمع العلمي العربي #مجمع_اللغة_العربية بدمشق عام 1946 ثم رئيساً له عام 1968 واستمر يرأسه حتى وافاه الأجل في دمشق عام 1986

أخر المقالات

منكم وإليكم