( الغناء التراثي النسوي وأثره في الحفاظ على الذاكرة والموروث الثقافي )
بقلم الكاتبه المغربية :د / أمينة المهدي
غُيبت المرأة لفترة زمنية طويلة عن كتابة التاريخ، ولم تجد وسيلة لتدوين الأحداث إلا من خلال أغنياتها التراثية وحكايات وقصص الجدات. كانت وثيقة حية تتحدث عن النزاعات، والحروب، وحركات المقاومة، وعن الازمات الاقتصادية والصحية، تكمّل بذلك الثغرات التي سكت عنها المؤرخون. وحين نَصِفُ الأغاني التراثية النسائية بأنها موروث ثقافي إنساني ذو أهمية استثنائية في الذاكرة الجماعية، فنحن لا نتحدث فقط عن نغمات وإيقاعات، بل عن ديوان وأرشيف شفاهي بديل وسجل مجتمعي وتاريخي متكامل، رابط لا ينكسر بين الغناء وصون الذاكرة، صيغ بنون النسوة عبر العالم.
إن نساء أهل المغرب أيضا كباقي نساء العالم، كن الحافظات الأكبر للذاكرة الشفوية، سواء من خلال الغناء والحكاية وطقوس الأفراح والمواسم، ونقل أخبار المجتمع وتخليد الأحداث التاريخية والأخبار الاجتماعية. فالأغنية التراثية رافقت المرأة في كل محطات حياتها، وهي عصب وأساس الطقوس العائلية والمجتمعية، في الأعراس والولادات والختان والحرف التقليدية والحصاد، حيث تردد أهازيج تحفظ القيم والعادات. والمرأة الحرفية، والبدوية، والريفية سواء في غزل الصوف، أو نسج الزرابي أو طحن الحبوب أو جني الفاكهة، لا تفارق الغناء. فهو لها بمثابة مساحات آمنة للدعم النفسي، وتبادل الخبرات، والتفريغ عن الهموم اليومية.
فهناك أغاني نسائية تراثية بالأمازيغية الريفية، والأطلسية، والسوسية؛ وهناك التراث الغنائي النسائي بالعربية الفصحى والدارجة المغربية من أندلسي وغرناطي، والذي يتجلى في “الصنعة” والمدايح النسائية و”المقاصد”، وهناك التراث الصحراوي الحساني: نمط شعري غنائي نسائي خاص جداً. ولم تقتصر الأغاني النسائية المغربية على الجانب الدنيوي، حيث كانت المرأة رائدة في تأسيس التصوف النسائي، والترنم بأشعار المتصوفة الكبار، من خلال “الحضرة” الشفشاونية، والصويرية، والسرغينية؛ وأخيرا، هناك التراث الحضري والسهلي بالشاوية، ودكالة، والحوز، حيث تنفجر “العيطة” بقوة التعبير. وانصهار هذه الحضارات المتعددة من أمازيغية وعربية وأندلسية وإفريقية انصهارا تكامليا، خلقت موروثا ثقافيا متجانسا، وهوية واحدة وحدت هذه الفسيفساء وهي خاصية وميزة فريدة للمغرب.
ختاما، إن نساء المغرب كنّ ولازلن، يحفظن ويحافظن على الذاكرة الشفوية. فالأغاني التراثية النسائية ليست مجرد “فولكلور” جامد للاستهلاك السياحي أو المناسباتي، بل هي مؤسسة ثقافية حية، تنقل القيم والهوية واللغة والمواقف الأخلاقية من جيل إلى جيل. وإلى يومنا هذا ما تزال تشكل النبع الأول الذي يستلهم منه المبدعون الشباب لتجديد الموسيقى المغربية المعاصرة.


