الاستاذ علي الراعي، يكتب عن تجربة التشكيلية رؤى اسماعيل.

سيارات رؤى إسماعيل..
الطفولة كطريقة أخرى لرؤية العالم

علي الرّاعي
قليلةٌ هي الأعمال الفنية التي حاولت الخروج عن النسق المتماثل في المشهد التشكيلي السوري، تجربة الفنانة رؤى إسماعيل حاولت مثل هذا الخروج وذلك بالشواغل التي لونت بها لوحتها، فقد اختارت موضوعاً كان شبه رئيسي، أو الشخصية الأساس في لوحتها، وربما لم تحد عنه إلا قليلاً، حتى في تلك الانعطافة، فهي بقيت في مناخاته اللونية والخطية والتكوينية، وحتى في مقاربة الزخرفة التي وسمت مختلف أعمالها.

سيارات رؤى
وأما ماهية تلك الشخصية التي اشتغلت عليها الفنانة فكانت السيارات، لكنها ليست أي سيارات، بل هي سيارات ألعاب الأطفال، وحتى رسوماتهم للسيارات، سيارات لا شأن لها بمعايير القياسات الواقعية والمنظور، وإنما تلك السيارات الطافحة بالمشاعر الإنسانية، التي تنوس بين فرح طفولي، ومحنة سيارة أكلها الصدأ في مقبرة سيارات عتيقة، أحيلت على التقاعد منذ زمن بعيد، ومفارقة إسماعيل أنها استطاعت أن تجعل من هذا الموضوع، على بساطته الظاهرية، عالماً بصرياً واسعاً تتقاطع داخله الطفولة مع الذاكرة، واللعب مع الزمن، والبهجة مع الخراب، والآلة مع الإنسان.
فسيارات رؤى إسماعيل خرجت في جانب كبير منها من ذاكرة الطفولة، من ألعاب الأطفال ورسوماتهم الأولى، تلك التي يرسمها الطفل كما يتخيلها: كبيرة العجلات، واسعة المقصورة، غريبة النوافذ، حرة الخطوط، ومحمّلة بذلك القدر الهائل من البراءة الذي يجعل الأشياء أكثر صدقاً من صورتها الواقعية.

السيارة اللعبة
فالسيارة عند رؤى إسماعيل تبدو في اللحظة الأولى لعبة، لكنها سرعان ما تتجاوز وظيفتها بوصفها لعبة لتتحول إلى كائن بصري وإنساني.
في أحد أعمال هذه التجربة، على سبيل المثال، تذهب الفنانة بالسيارة إلى أقصى درجات الاختزال الطفولي، سيارات كثيرة تتوزع على سطح أصفر دافئ، بعضها مرسوم بخطوط رقيقة تكاد تشبه رسوم الأطفال، وبعضها الآخر ملون بكتل واضحة من الأزرق والأحمر والأبيض والأصفر، لا تبدو السيارات ملتزمة بمقياس واحد، ولا بفضاء واقعي محدد، سيارة صغيرة تقف إلى جوار أخرى ضخمة، وأخرى تظهر وكأنها مقطوعة من لعبة، فيما تتجاور جميعها ضمن سطح واحد أقرب إلى دفتر رسم طفولي كبير، الأمر الذي يأتي كجزء من منطق اللوحة، فتبدو السيارة وكأنها استعادت حقها في أن تكون كما تراها الذاكرة، لا كما تفرضها الحقيقة البصرية.
ومن هنا أيضاً تأتي أهمية الخط الذي يتحول إلى لغة قائمة بذاتها، فهو أحياناً واضح ومباشر، وأحياناً متردد أو متداخل، وفي بعض الأعمال يتحول إلى شبكة كثيفة من المسارات التي تجعل السيارة جزءاً من نسيج زخرفي أكبر، وكأن الفنانة لا تريد للخط أن يحاصر الشكل، بل أن يفتح له إمكانات إضافية.

فسيفساء سيارات
وفي أعمال أخرى، تتخلى إسماعيل عن البهجة اللونية الصريحة لتذهب نحو تركيب أكثر صرامة، في إحدى اللوحات يتحول السطح إلى شبكة من المستطيلات والمربعات والأشكال الهندسية، وتتوزع داخلها السيارات وأجزاؤها، بل تكاد السيارة نفسها تتحول إلى علامة هندسية، الأسود والأبيض والذهبي/الأصفر يشكلون ثلاثية لونية قوية، تجعل العين تتحرك بين المساحات كما لو أنها أمام فسيفساء حديثة.
هنا نكتشف أن الفنانة لم تكن ترسم السيارات وحسب، وإنما كانت تشتغل على تفكيكها وإعادة بنائها، فالسيارة التي كانت في اللوحات الأولى كائناً واضحاً يمكن التعرف إليه، تصبح في هذا المنحى أجزاءً وخطوطاً ومساحات ودوائر، أي أنها تنتقل من كونها موضوعاً إلى كونها مفردة تشكيلية.
وهذا التحوّل مهم في قراءة التجربة، لأنه يؤكد أن رؤى إسماعيل لا تقع أسيرة الموضوع، فالسيارات هي المدخل، لكنها ليست النهاية، الموضوع يقودها إلى اللون، واللون يقودها إلى الخط، والخط يقودها إلى التكوين.
ومن المفارقات الجمالية أيضاً تلك التي تظهر في الأعمال التي تبدو فيها السيارات وكأنها خرجت من مقبرة للسيارات القديمة، هنا تتبدل اللغة، تصبح العربات أكثر خشونة، وتظهر آثار الصدأ والتآكل، وتتداخل الألوان الترابية مع الأحمر والبني والأسود والرمادي. بعض السيارات يبدو عتيقاً، وبعضها متراصاً فوق بعضه، وكأن الزمن لم يعد مجرد خلفية للوحة، بل أصبح مادة من موادها، وهنا تكتسب السيارة معنى آخر، فالسيارة التي كانت لعبة طفل، رمزاً للحركة والرحلة والمغامرة، تصبح شيئاً مستهلكاً أكل الزمن أجزاءه، وبين الصورتين مسافة عمر كامل.
كأن الفنانة تستعيد السيارة من طفولة بعيدة ثم تدفعها فجأة إلى الشيخوخة، وبين الطفولة والشيخوخة تتشكل حكاية الإنسان نفسه.

تكوينات مكتظة
وفي لوحة أخرى، نرى السيارات وقد تحولت إلى مشهد أكثر قرباً من المدينة، شوارع، مبانٍ، ساحة، تمثال، مركبات عسكرية ومدنية، وسيارات مختلفة الأحجام والوظائف.
هنا تتسع التجربة من السيارة بوصفها لعبة إلى السيارة بوصفها جزءاً من المشهد الاجتماعي والسياسي والمديني، لكن الفنانة لا تتخلى عن أسلوبها، فما زال التكوين مكتظاً، وما زالت السيارات تتقارب حتى تكاد تتزاحم داخل مساحة واحدة، إنها المدينة حين تُرى من خلال مركباتها، ورغم تعدد العناصر يبقى ثمة إيقاع داخلي يجعل العين تنتقل من سيارة إلى أخرى، كما لو أنها تتحرك داخل شارع طويل.
وتكرار السيارات الذي يُقارب الزخرفة هو جزء من بنية اللوحة العميقة، فالسيارات تتكرر، والعجلات تتكرر، والنوافذ تتكرر، والخطوط تتكرر، حتى يصبح التكرار نفسه موسيقا بصرية، وكأن الفنانة لا تريد للسيارة أن تظهر مرة واحدة فقط، تريدها أن تتكاثر مثل ذكرى لا تكف عن العودة، لهذا يمكن القول إن تجربة رؤى إسماعيل تقوم على مفارقة أساسية: أن ترسم آلة بوصفها كائناً عاطفياً، فالسيارة هنا تحمل شيئاً من ملامح الإنسان. لها هيئة، وحركة، وحضور، بل أحياناً مزاج.

طفولة مستمرة
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنها لا تتعامل مع الطفولة باعتبارها زمناً انتهى، بل باعتبارها طريقة أخرى لرؤية العالم، فالطفل الذي يرسم سيارة لا يعرف قوانين المنظور، لكنه يعرف كيف يمنح الأشياء مشاعرها.
ورؤى إسماعيل، في جانب مهم من تجربتها، تبدو وكأنها عادت إلى ذلك الطفل، أخذت منه السيارة، ثم أعادت رسمها للكبار، أكبر قليلاً من الواقع، وأكثر زخرفة، وأكثر ازدحاماً، وأشد حمولة بالذاكرة.

فينيقيا التشكيلية #مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم