الحضور السوري بالإمارات،سبق قيام الإتحاد في 2 ك1- 1971م،وتطور معه من التعليم والصحافة والمهن إلى الطب والهندسة والتجارة والثقافة والفنون وريادة الأعمال

الحضور السوري في الإمارات لم يبدأ مع قيام الاتحاد في 2 ديسمبر/كانون الأول 1971، بل سبقه، ثم تطور معه من التعليم والصحافة والمهن إلى الطب والهندسة والتجارة والثقافة والفنون وريادة الأعمال.
ومن المهم منذ البداية التمييز بين دور الدولة الإماراتية في بناء نهضتها وبين مساهمات الجاليات العربية، ومنها السوريون؛ فالإماراتيون هم أصحاب المشروع الوطني وصانعو القرار، بينما شارك السوريون وغيرهم من الكفاءات العربية والأجنبية في بناء مؤسسات وقطاعات عديدة ضمن هذا المشروع. وتؤكد المصادر الإماراتية أن تأسيس الاتحاد تم في 1971، وأن التنمية الحديثة تسارعت مع عوائد النفط وبناء المدارس والمساكن والمستشفيات والطرق.

السوريون في الإمارات… من روّاد التعليم إلى شركاء في صناعة النهضة الخليجية
حكاية كفاءات سورية حملت المعرفة من دمشق وحلب وحمص وسائر المدن السورية إلى الإمارات والخليج والعالم
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: حكاية بدأت قبل الاتحاد
حين نكتب تاريخ الإمارات الحديثة، فإننا لا نكتب فقط عن النفط والعمارة والأبراج والموانئ والطيران والتكنولوجيا، بل نكتب أيضاً عن الإنسان الذي حمل المعرفة والخبرة والحرفة إلى أرض كانت تنتقل بسرعة هائلة من مجتمع تقليدي إلى دولة حديثة.
وفي هذه الرحلة الطويلة، كان للسوريين حضور لافت.
فالسوري الذي وصل إلى الخليج لم يحمل معه حقيبة سفر فقط؛ حمل كتاباً، ومهنة، وشهادة، وخبرة مدرس، أو طبيب، أو مهندس، أو صحفي، أو تاجر، أو فنان، أو حرفي.
وكانت العلاقات السورية–الإماراتية أقدم من قيام دولة الاتحاد نفسها. وقد كانت سورية من أوائل الدول التي اعترفت بقيام دولة الإمارات في 2 ديسمبر 1971، ثم قام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بزيارة دمشق في مارس 1972، في بداية مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين.

ومن هنا يمكن قراءة الوجود السوري في الإمارات باعتباره جزءاً من قصة عربية أوسع: قصة انتقال المعرفة والكفاءات بين المشرق والخليج.
أولاً: السوريون قبل قيام دولة الإمارات
من الخطأ أن تبدأ قصة السوريين في الإمارات من عام 1971 فقط.
فقد بدأت حركة العرب، ومنهم السوريون، نحو إمارات الساحل والخليج قبل الاتحاد، خصوصاً مع بدايات توسع التجارة والتعليم والإدارة والأعمال في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.
وكانت الإمارات آنذاك تعيش مرحلة انتقالية شديدة الأهمية؛ فقد بدأ البحث عن النفط في المنطقة، وازدادت الحركة التجارية، وبدأت المدارس الحديثة والخدمات الصحية والمؤسسات الحكومية تتوسع تدريجياً.
وتشير الدراسات الإماراتية إلى أن مرحلة ما قبل الاتحاد شهدت تطوراً تدريجياً من التعليم التقليدي والكتاتيب إلى المدارس النظامية، فيما كان التعليم الحديث لا يزال محدوداً مقارنة بما أصبحت عليه الدولة بعد الاتحاد.

وهنا ظهر دور الكفاءات العربية، ومن بينها السورية، في سد الحاجة إلى المعلمين والمدرسين والإداريين وأصحاب الاختصاصات.
ثانياً: المعلم السوري… أحد أهم أبواب النهضة
إذا أردنا تحديد قطاع كان فيه التأثير السوري عميقاً وطويل الأمد، فإن التعليم يأتي في المقدمة.
فالسوريون القادمون من بيئة تعليمية وثقافية عريقة، ومن مدن مثل دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية وغيرها، عملوا في المدارس والمعاهد والمؤسسات التعليمية، وأسهموا في نقل الخبرة التدريسية الحديثة.
وهذا الدور لم يكن مجرد تدريس للطلاب.
فالمعلم في مرحلة تأسيس الدولة كان يشارك بصورة غير مباشرة في تكوين الإنسان الذي سيقود الدولة لاحقاً.
لقد علّم السوريون:
اللغة العربية.
الأدب والشعر.
التاريخ والجغرافيا.
العلوم والرياضيات.
اللغات الأجنبية.
التربية والفنون.
الإدارة المدرسية.
المناهج وطرائق التدريس.
وتكمن أهمية ذلك في أن الإمارات بعد الاتحاد وضعت التعليم في مقدمة أولوياتها؛ وتشير المصادر الإماراتية إلى أن الانطلاقة الحقيقية للتعليم الحديث اتسعت بعد تأسيس الاتحاد سنة 1971 وإنشاء المؤسسات والوزارات الاتحادية المسؤولة عن التعليم.

وهنا ينبغي ألا ننسى أن المعلم العربي كان من العناصر البشرية التي ساعدت في تشغيل هذه المنظومة التعليمية المتنامية.
ثالثاً: الطب والصحة
القطاع الثاني الذي ترك فيه السوريون حضوراً مهماً هو الطب والصيدلة والتمريض والخدمات الصحية.
فمع توسع الإمارات، لم تعد الخدمات الصحية القديمة كافية لمجتمع يتزايد سكانه وتتوسع مدنه بسرعة.
وكان لا بد من أطباء واختصاصيين من مختلف الدول، وكان السوريون جزءاً من هذه المنظومة.
ويمكن رؤية مساهمتهم في:
الطب البشري – طب الأسنان – الصيدلة – المختبرات – الإدارة الصحية – التخصصات الطبية الدقيقة.
وهذا الدور استمر من مرحلة تأسيس المؤسسات الصحية الأولى وصولاً إلى المستشفيات الحديثة والقطاع الطبي الخاص والجامعات الطبية والمراكز التخصصية.
والتحول الصحي الإماراتي نفسه كان هائلاً؛ فالدراسات التاريخية عن القطاع الصحي توثق انتقال الإمارات من الخدمات المحدودة في مرحلة الإمارات المتصالحة إلى منظومة صحية حديثة بعد قيام الاتحاد.

رابعاً: المهندس السوري… من المخطط إلى البناء
ربما يكون من أجمل أبواب دراسة الوجود السوري في الإمارات الهندسة والعمارة.
فالسوريون دخلوا في قطاعات:
الهندسة المدنية.
الهندسة المعمارية.
الكهرباء.
الميكانيك.
التخطيط العمراني.
المقاولات.
الاستشارات الهندسية.
إدارة المشاريع.
ومن أشهر الأمثلة التي تستحق التوثيق المعماري المهندس والمعماري السوري يوسف عبدلكي، الذي ارتبط اسمه بتصميم جامع الشيخ زايد الكبير في أبوظبي، ضمن فريق هندسي دولي كبير.
وتؤكد مصادر فنية وبحثية أن تصميم الجامع تم بالتعاون مع المهندس السوري يوسف عبدلكي، وأن المشروع شاركت فيه عشرات الشركات وآلاف العاملين من جنسيات متعددة.

وهنا يصبح حضور السوري في العمارة الإماراتية أكثر من مجرد وظيفة هندسية؛ إنه مساهمة في صياغة صورة بصرية أصبحت واحدة من أشهر صور الإمارات في العالم.
خامساً: برج الساعة في ديرة… شاهد معماري على الحضور السوري المبكر
ومن العلامات التي تستحق التوقف عندها برج الساعة في ديرة بدبي.
فالمعماري السوري زكي/زيكي حمصي ارتبط بتصميم البرج الذي أصبح واحداً من أشهر رموز دبي القديمة.
وتشير مصادر توثيقية إلى أن زيكي حمصي كان مهندساً ومعمارياً سورياً انتقل إلى دبي في ستينيات القرن العشرين، وعمل شريكاً في مكتب هندسي، وارتبط اسمه بتصميم برج الساعة. كما يوثق موقع Google Arts & Culture التابع لهيئة دبي للثقافة والفنون تصميم البرج باسم Otto Bullard وZiki Homsi.

وهذه قصة بالغة الدلالة:
قبل ناطحات السحاب، كان هناك مهندس عربي يشارك في رسم علامات المدينة الحديثة.
سادساً: التجارة والأعمال
لم يقتصر السوريون على الوظائف التعليمية والطبية والهندسية.
بل دخلوا بقوة في:
التجارة، الصناعة، المقاولات، المواد الغذائية، المطاعم، الأزياء، العقارات، الخدمات، الإعلام، التكنولوجيا، التسويق، والاستيراد والتصدير.
ومع مرور الزمن، تحول قسم من السوريين من موظفين إلى أصحاب شركات ورجال أعمال ومستثمرين ورواد أعمال.
وتشير مصادر عن الجالية السورية في الإمارات إلى حضور سوري في قطاعات الإعلام والعقارات وتقنية المعلومات والتجارة والمطاعم وغيرها، مع وجود واسع في القطاعين العام والخاص.

ومن الأسماء التي ارتبطت بعالم الأعمال في الإمارات غسان عبود، وكذلك رونالدو مشحور، أحد مؤسسي سوق دوت كوم، قبل استحواذ أمازون عليها، إلى جانب رجال أعمال سوريين آخرين حققوا حضوراً إقليمياً ودولياً.

وهنا يتحول السوري من صاحب مهنة إلى صانع مؤسسة وفرص عمل واستثمار.
سابعاً: الصحافة والإعلام والثقافة
هناك جانب آخر لا يحظى دائماً بالتوثيق الكافي: الإعلام والثقافة.
فالسوريون، بحكم ارتباط سورية تاريخياً بالصحافة والطباعة والنشر والمسرح والفنون، دخلوا إلى قطاع الإعلام الخليجي في مراحل مختلفة.
وكان بينهم:
صحفيون.
كتاب.
محررون.
مصورون.
مخرجون.
فنانون.
مصممون.
إعلاميون.
خبراء في الإعلان والعلاقات العامة.
وهذا الحضور أسهم في تطور اللغة الصحفية العربية، وفي صناعة المحتوى الثقافي والفني والإعلاني في الخليج.
ولأن الإمارات تحولت إلى مركز إعلامي وثقافي إقليمي، توسعت فرص هذا القطاع بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة.
ثامناً: الفنون والدراما والموسيقى
الفن السوري كان حاضراً بقوة في الخليج.
فالفنان السوري لم يكن مجرد مقيم يعمل في الإمارات، بل أصبح في حالات كثيرة جزءاً من المشهد الثقافي العربي الذي تتشكل ملامحه من دبي وأبوظبي والشارقة.
ويمكن الحديث عن:
الدراما التلفزيونية.
المسرح.
الموسيقى.
الغناء.
الفنون التشكيلية.
التصوير الفوتوغرافي.
الإخراج.
التصميم.
الإنتاج الفني.
وهذا الدور أصبح أكثر وضوحاً مع تحول الإمارات إلى مركز عربي للإنتاج الإعلامي والفني واستضافة المهرجانات والمعارض والفعاليات الثقافية.
تاسعاً: السوريون وريادة الأعمال في الإمارات الحديثة
بعد الألفية الجديدة دخلت الجالية السورية مرحلة مختلفة.
لم يعد الحضور مقتصراً على الطبيب والمدرس والمهندس والموظف.
ظهر رائد الأعمال السوري.
جيل جديد دخل في:
التكنولوجيا – التجارة الإلكترونية – البرمجيات – التسويق الرقمي – الخدمات المالية – المطاعم – الشركات الناشئة – الإعلام الرقمي – التجارة الدولية.
وهذا مهم جداً لأن اقتصاد الإمارات نفسه انتقل من اقتصاد يعتمد بصورة أساسية على النفط إلى اقتصاد شديد التنوع.
وبالتالي وجد السوريون أنفسهم أمام مساحة جديدة من الفرص.
عاشراً: ماذا حدث بعد 2011؟
أحدثت الحرب السورية منذ 2011 تحولاً كبيراً في خريطة الاغتراب السوري.
فانتقل إلى دول الخليج عدد كبير من السوريين، بينهم أصحاب مهن وكفاءات ورجال أعمال وأطباء ومهندسون ومدرسون وفنانون.
وتشير دراسات عن الكفاءات السورية في الخليج إلى أن أعداد السوريين في دول الخليج ارتفعت بصورة كبيرة خلال سنوات الصراع، مع وجود نسبة مهمة من أصحاب المهن العليا والاختصاصيين والفنيين.

وفي الإمارات تحديداً، وجد كثير من السوريين بيئة اقتصادية ومهنية جديدة، وأعادوا بناء حياتهم ومشروعاتهم.
وفي 2025 وثقت وكالة الأنباء السورية «سانا» كتاباً بعنوان «المغتربون السوريون في الإمارات» تناول مسيرة نحو عشرين شخصية سورية في مجالات الطب والهندسة والأعمال والمحاماة والفكر والثقافة والرياضة، وهو ما يعكس اتساع مجالات الحضور السوري في الدولة.

الحضور السوري في الخليج… قصة أكبر من الإمارات
إذا خرجنا من الإمارات إلى الخليج كله، سنكتشف أن القصة أوسع.
فالكفاءات السورية عملت في:
السعودية
في التعليم والطب والهندسة والإعلام والتجارة والمقاولات.
الكويت
وكان للمدرسين والأطباء والمثقفين السوريين حضور معروف في بناء المؤسسات التعليمية والثقافية.
قطر
في التعليم والطب والهندسة والإعلام والاقتصاد والرياضة.
البحرين
في التعليم والصحة والإدارة والتجارة.
سلطنة عُمان
في التعليم والطب والهندسة والمهن المتخصصة.
الإمارات
في جميع هذه المجالات تقريباً، إضافة إلى الإعلام والفنون وريادة الأعمال والتكنولوجيا.
ولهذا يمكن النظر إلى السوريين في الخليج بوصفهم جزءاً من شبكة عربية لتبادل الخبرات بين المشرق والخليج.
لماذا كان السوريون مؤهلين لهذا الدور؟
هناك عوامل تاريخية مهمة.
سورية كانت تمتلك قبل موجات الهجرة الخليجية الحديثة:
مدارس وجامعات – تقاليد صحفية – مهن حرفية – تجارة عريقة – طب – هندسة – فنون – مسرح – موسيقى – أدب – زراعة وصناعات غذائية.
كما أن مدناً سورية مثل دمشق وحلب كانت مراكز تجارية وثقافية قديمة مرتبطة بشبكات واسعة تمتد إلى العراق والخليج ومصر وبلاد الشام وتركيا وأوروبا.
ولهذا وصل السوري إلى الخليج وفي يده رأس مال غير مالي: رأس مال المعرفة والخبرة.
السوريون في العالم… من الخليج إلى القارات الخمس
ولا تتوقف القصة عند الإمارات.
فالانتشار السوري العالمي صنع حضوراً كبيراً في:
الأمريكيتين – أوروبا – أستراليا – أفريقيا – الخليج – العراق – الأردن – لبنان – تركيا.
وقد ظهر السوريون في مجالات متعددة:
الطب.
الهندسة.
التجارة.
الصناعة.
التعليم.
البحث العلمي.
الفن.
الأدب.
الصحافة.
التكنولوجيا.
الطيران.
الاقتصاد.
القانون.
وفي بعض الدول تحولت عائلات سورية مهاجرة إلى مؤسسات اقتصادية وثقافية كبيرة.
ولهذا يمكن القول إن الشتات السوري لم يكن مجرد حركة هجرة؛ كان أيضاً حركة انتقال للمعرفة والخبرة ورأس المال والثقافة.
الإمارات والسوريون… علاقة إنسانية تتجاوز الاقتصاد
الأهم في هذه القصة أن العلاقة لم تكن اقتصادية فقط.
فالسوريون وجدوا في الإمارات وطناً للعمل والاستقرار، والإمارات استفادت من طاقات بشرية عربية ساهمت في قطاعات مختلفة.
وفي المقابل حافظ السوريون على لغتهم وثقافتهم ومطبخهم وفنونهم وذاكرتهم.
وفي السنوات الأخيرة ظهر هذا الحضور الثقافي بصورة واضحة في الفعاليات العامة.
ففي نوفمبر 2025 شارك أكثر من 25 ألف شخص في فعالية كبيرة في دبي احتفاءً بالتراث والثقافة السورية، بحضور الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، في مشهد يعكس حجم الحضور الاجتماعي والثقافي للجالية السورية في الإمارات.

من التعليم إلى الذكاء الاصطناعي
وإذا أردنا أن نرسم خطاً زمنياً للحضور السوري في الإمارات، يمكن اختصاره هكذا:
الخمسينيات والستينيات:
المعلم – الطبيب – المهندس – التاجر.
1971–1980:
المشاركة في بناء المؤسسات الاتحادية والمدارس والمستشفيات والقطاع الخاص.
1980–2000:
اتساع الشركات والمقاولات والتعليم الخاص والطب والإعلام والفنون.
2000–2010:
الإعلام الفضائي – الإنترنت – التكنولوجيا – الشركات الكبرى – العقارات – التجارة الدولية.
2011–2020:
وصول موجات جديدة من السوريين، وبينهم رجال أعمال وكفاءات وأصحاب مشاريع.
2020–2026:
الانتقال إلى الاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا، والشركات الناشئة، والذكاء الاصطناعي، والإعلام الرقمي، والتجارة الإلكترونية، إلى جانب استمرار الحضور في الطب والتعليم والهندسة والثقافة.
وهكذا لم يعد السؤال: ماذا قدم السوريون للإمارات؟
بل أصبح السؤال الأوسع:
كيف تحولت الخبرة السورية إلى جزء من حركة التنمية العربية الحديثة؟
صورة لا تكتمل من دون السوري
الإمارات التي نراها اليوم ليست نتيجة عامل واحد.
إنها حصيلة رؤية القيادة الإماراتية، وطاقات المجتمع الإماراتي، وعمل ملايين البشر من جنسيات مختلفة شاركوا في بناء اقتصادها ومؤسساتها ومدنها.
وفي هذه اللوحة المتعددة الألوان، كان للسوريين لونهم الخاص.
لون يبدأ من المدرسة، ويمر عبر المستشفى والمكتب الهندسي والمطبعة والصحيفة والمسرح والمتجر والمصنع والشركة، ثم يصل إلى الجامعة والمختبر وشركة التكنولوجيا والمنصة الرقمية.
وهذا هو المعنى الحقيقي للهجرة حين تتحول من مجرد بحث عن فرصة إلى تبادل حضاري للخبرة.
خاتمة: السوري… حين يحمل الوطن في مهنته
ربما تختصر قصة السوريين في الإمارات جملة واحدة:
لم يحمل السوري وطنه في حقيبة سفر؛ حمله في علمه ومهنته وذاكرته وإتقانه للعمل.
كان المعلم يحمل معه ثقافة المدرسة.
وكان الطبيب يحمل رسالة إنسانية.
وكان المهندس يرسم ملامح مدينة جديدة.
وكان التاجر يبني جسوراً بين الأسواق.
وكان الصحفي يحمل اللغة.
وكان الفنان يحمل الذاكرة والجمال.
وكان رائد الأعمال يحمل فكرة المستقبل.
ومن هنا فإن دراسة السوريين في الإمارات ليست دراسة لجالية عربية فحسب، وإنما هي جزء من تاريخ بناء الخليج الحديث؛ تاريخ تشاركت فيه إرادة أهل الخليج مع خبرات عربية وعالمية متعددة.
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن بعض السوريين الذين وصلوا إلى الإمارات في زمن كانت فيه المدن لا تزال ترسم خطوطها الأولى، شهدوا بأعينهم انتقال المكان من الخور والسوق والبيوت المتواضعة إلى المدينة العالمية والمطار والميناء والجامعة والبرج والمتحف والمركز الثقافي.
لقد تغيرت الإمارات.
وتغير السوريون معها.
لكن بقيت الحقيقة الأجمل:
حين تتلاقى الأرض التي تمتلك الرؤية مع الإنسان الذي يمتلك المعرفة، تولد النهضة.
ملاحظة توثيقية مهمة
بعض الأرقام المتداولة عن أعداد السوريين في الإمارات تختلف باختلاف السنة وتعريف «السوريين» بين المقيمين وحاملي الجنسية وأبناء الجالية؛ لذلك فضّلت عدم تثبيت رقم حالي غير موثق رسمياً. وتورد بعض المراجع تقديراً يقارب 242 ألف سوري في الإمارات عام 2015، مع تركّز أساسي في أبوظبي ودبي والشارقة.

كما أن بعض الأسماء والإنجازات التي تُنسب إلى السوريين في الإنترنت تحتاج إلى تدقيق أرشيفي مستقل قبل تحويلها إلى «حقائق تاريخية» نهائية؛ لذلك اعتمدت هنا على الأمثلة التي أمكن توثيقها بدرجة معقولة، مثل يوسف عبدلكي وزيكي حمصي.

*إعداد: فريد ظفور
*مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم