ورقة الخمسمائة ليرة«أم الطربوش » التي حملت كنوز أوغاريت إلى جيوب السوريين.

«أم الطربوش»
ورقة الخمسمئة ليرة التي حملت كنوز أوغاريت إلى جيوب السوريين
” من رأس عاجي عمره ثلاثة آلاف عام إلى إلهة مجنّحة وطبق من الذهب وأبجدية من الطين حكاية ورقة نقدية تحوّلت إلى معرض مصغّر للحضارة السورية القديمة “

▪️ خمسمئة ليرة تختصر ثلاثة آلاف عام: في جيب تاجر، أو بين أصابع موظف يتقاضى راتبه، كانت تمرّ ورقة نقدية تحمل على سطحها ما يتجاوز قيمتها المالية بكثير. إنها ورقة الخمسمئة ليرة السورية التي عرفها الناس باسم «أم الطربوش»، وسمّوها أيضاً «الملحفة» لضخامة حجمها. ظهر تصميمها عام 1958، وتوالت إصداراتها خلال العقود التالية، ومنها إصدار عام 1979 الظاهر في الصور. لم تكن زخارفها مجرد محاولة لتجميل النقد، بل اختياراً فنياً يستحضر آثار أوغاريت ويضع شواهد الحضارة السورية القديمة في قلب الحياة اليومية.
▪️ وجه غامض من عاج أوغاريت: على يمين الورقة يظهر وجه إنساني مهيب، تعلو رأسه زينة مرتفعة تشبه الطربوش، ومنها ولدت التسمية الشعبية التي رافقت العملة طويلاً. لكن خلف هذا اللقب البسيط تقف قطعة أثرية استثنائية؛ رأس منحوت من العاج يمثل أميراً أو أميرة من أوغاريت، يعود على الأرجح إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، اكتُشف في القصر الملكي برأس شمرا شمال اللاذقية، ويُحفظ في المتحف الوطني بدمشق. يبلغ ارتفاعه نحو خمسة عشر سنتيمتراً، ويكشف بتفاصيله الدقيقة عن براعة نحاتي الساحل السوري في تشكيل العاج وتزيينه. أما الرواية التي تنسب الوجه إلى الإله الفينيقي «ملقارت».
▪️ امرأة مجنّحة تُرضع طفلين… أسرار السلطة والخصب: في منتصف الورقة مشهد يصعب المرور عليه دون تأمل؛ امرأة بأجنحة ممدودة وقرنين، تضم طفلين إلى صدرها وترضعهما في صورة تجمع الأمومة بالهيبة الإلهية. استُلهم الرسم من لوحة عاجية كانت تزيّن سريراً ملكياً في قصر أوغاريت، وكُشفت ضمن آثار القصر عام 1952. وترجّح دراسات أثرية متخصصة أنها تمثل الإلهة «عنات»، مع تأثيرات مصرية واضحة، ولا سيما رموز الإلهة حتحور. ولا يزال تفسير هوية الطفلين محل نقاش، إذ تربط بعض القراءات المشهد بفكرة الحماية الإلهية واستمرار السلالة الملكية.
▪️ طبق ذهبي يروي حكايات الملوك والصيادين: على الوجه الآخر للورقة تتصدر الزخارف صورة طبق ذهبي أوغاريتي يعود إلى نحو 1400–1300 قبل الميلاد، عُثر عليه قرب معبد بعل، ويُحفظ في المتحف الوطني بحلب. يبلغ قطره نحو سبعة عشر سنتيمتراً، ويزن قرابة 179 غراماً، وتنتظم على سطحه دوائر من المشاهد التي تتقاطع فيها الغزلان والثيران والأسود والكائنات المجنّحة مع صور الصيد والصراع. تتجلى في تفاصيله مهارة الصائغ السوري القديم، إلى جانب تأثيرات فنية مصرية وإيجية تعكس اتساع العلاقات الثقافية والتجارية لأوغاريت. ولم يكن اختيار الطبق على الورقة اعتباطياً؛ فقد تحوّل أثر صغير من الذهب إلى صورة متداولة بين ملايين الأيدي.
▪️ حين خرجت الأبجدية من تراب رأس شمرا: إلى جانب الطبق الذهبي يظهر رقيم بالكتابة المسمارية الأوغاريتية، كأن مصممي الورقة أرادوا الجمع بين الفن والكلمة في مشهد واحد. بدأت الحكاية الأثرية الحديثة عام 1928، عندما كشف فلاح سوري أثناء حراثة أرضه قرب المينا البيضا عن مدفن قديم، لتبدأ في العام التالي حفريات عالم الآثار الفرنسي كلود شيفر. ومن تحت التراب ظهرت قصور ومعابد وأرشيفات طينية، كشفت عن مدينة ازدهرت فيها التجارة والدبلوماسية والآداب. وبين مكتشفاتها برزت الأبجدية الأوغاريتية المؤلفة من نحو ثلاثين علامة مسمارية، وهي من أقدم النظم الأبجدية المعروفة. لم تكن أوغاريت مجرد مدينة ساحلية مزدهرة، بل مركزاً ثقافياً ترك نصوصاً أدبية ودينية وإدارية أسهمت في فهم تاريخ الكتابة والمجتمعات السورية القديمة.
▪️ من قاعات المتاحف إلى أيدي الناس… حكاية وطن على ورقة: جمعت «أم الطربوش» آثاراً موزعة بين متاحف دمشق وحلب ومكتشفات رأس شمرا، وأعادت تقديمها ضمن تصميم نقدي واحد، بما يحمله ذلك من دلالة على حضور التراث في صورة الدولة السورية الحديثة. وتشير شهادات منشورة إلى مساهمة الفنان والمؤرخ الدكتور عفيف بهنسي في تصميم أوراق نقدية سورية، فيما لا تزال نسبة التصميم الأصلي لهذه الفئة إليه وإلى الدكتور عدنان عيطة بحاجة إلى وثيقة مستقلة. ومع خروج الورقة من التداول، انتقلت من الأسواق والمحافظ إلى مجموعات هواة الاقتناء، وتبدلت قيمتها من نقد يُنفق إلى أثر يُحتفظ به. واليوم، حين يتأمل سوري تلك الورقة القديمة، لا يرى خمسمئة ليرة فحسب، بل يرى رأساً من العاج وذهباً من أوغاريت وحروفاً من الطين، ويجد نفسه أمام سؤال يتجاوز المال: كيف استطاعت ورقة واحدة أن تحمل كل هذا التاريخ..؟
……………………………….
المصادر والمراجع:

  • الفهارس النقدية التاريخية لفئة 500 ليرة سورية، وإصداراتها وتصاميمها.Numista.
  • صفحة الدليل الشامل للنقد السوري
  • مصرف سوريا المركزي
  • تحرير حسان سعد

#سوريات_Souriat
رابط المقال في موقع سوريات

أخر المقالات

منكم وإليكم