هناك علاقة الفة تنشأ بين الممثل والمتابع عبر الشاشة.

ثمة ممثلون نُعجب بهم، وثمة ممثلون نحبهم. الفارق بين الحالين ليس في مقدار الموهبة، بل في نوع العلاقة التي تنعقد بيننا وبينهم على الشاشة. الإعجاب يبقى في مكانه، أما الحب فيتسلل إلى ذلك المستوى الذي نشعر فيه أن الممثل يعرف شيئًا عنا نحن، لا عن شخصيته فحسب. ويليام دوفو من ذلك النوع الثاني، النادر. ولعل فيلمه الأخير “شهرة متأخرة” يفسّر أخيرًا لمَ هو كذلك.سبعون عامًا، وأكثر من مئة وخمسين فيلمًا، وأربعة ترشيحات للأوسكار. ومع ذلك يقف اليوم في “شهرة متأخرة” كما لو أنه عثر على ينبوع تجدّد لشبابه التمثيلي، في فيلم صُنع على مقاس موهبته.الصبي الذي جاء من أبلتونوُلد ويليام جيمس دوفو في الثاني والعشرين من تموز/يوليو عام 1955، في أبلتون، ولاية ويسكونسن، مدينة صغيرة من مدن مصانع الورق في الغرب الأوسط الأميركي. أتى من أسرة كبيرة، أبٌ جراح وأمٌ ممرضة، وقد قال لاحقًا إن شقيقاته الخمس هن من ربّينه، لأن والديه كانا يعملان كلاهما ولا يراهما إلا قليلًا. في المدرسة الثانوية التصق به لقب “ويليم”، الصيغة الهولندية لاسمه، فاحتفظ به وصار أكثر ألفة له من اسمه الحقيقي.درس المسرح في جامعة ويسكونسن في ميلووكي 18 شهرًا ثم غادر، لا إلى هوليوود، بل إلى فرقة تجريبية اسمها “مسرح إكس”. هنا بالضبط تبدأ الحكاية التي ستفسّر كل شيء لاحقًا. الرجل الذي سيلعب غوبلن سبايدرمان وفان غوغ ويسوع الناصري لم يخرج من مدرسة التمثيل السينمائي، بل خرج من الطليعة المسرحية، من تكنيك الجسد لا من جاذبية الوجه، من التمرين الجماعي لا من اللقطات السينمائية القريبة.في عام 1977، وبعد مزاولة طويلة الأمد للتمثيل على مسارح أوروبا، وفي أمستردام تحديدًا، وصل إلى نيويورك، وصار عضوًا مؤسسًا في “مجموعة ووستر”، الفرقة التي حملت اسم شارع ووستر في سوهو. بقي فيها ربع قرن ونيّف، يبتكر ويؤدي في كل أعمالها. ووستر اسم شارع في مانهاتن، سنعود إليه ليشرح كثيرًا من المفارقات.نحن لا نحب ويليام دوفو لأنه ممثل عظيم لم يطلب قبول الصناعة له، بل لأنه بنى مسيرة كاملة من دون أن يعتذر مرة واحدة عمّن يكون، ولأنه ظل يعود إلى الخشبة كلما ضاق بضوء الكاميرات وأموال الاستوديوهات المتدفقةوجه تمرد على وجوه فتيان الشاشة الفضيةفي عام 1984، حين لعب زعيم عصابة فوق دراجات نارية في “شوارع من نار”، كتبت الناقدة جانيت ماسلن في “نيويورك تايمز” أن له “وجهًا شريرًا على نحو مثالي”. بقيت العبارة تلاحقه 35 عامًا، وبقي يرفضها. قال في حوار متأخر إن وصف وجهه بالشرير لم يكن توصيفًا بل عجزًا عن التوصيف، إذ لم يجدوا لوجهه وصفًا ملائمًا فعلًا. لكن الذي حدث أن هذا الوجه غير القابل للتصنيف صار، مع الوقت، أثمن ما في السينما المعاصرة. الإيطاليون الذين عيّنوه لاحقًا مديرًا لبينالي المسرح في البندقية كتبوا في تقديمهم له عبارة دقيقة: “المخرجون الكبار يحبون توازنه الجسدي، ووجهه المحفور، وجسده المتوتر العصبي”.أوروبا التي تبنّتهيُقال إن دوفو ممثل أوروبي أكثر منه أميركيًا. هذا صحيح تمامًا، وبعيدًا عن المسرح، تراكمت قائمة أعماله السينمائية حتى انبسطت على خريطة كاملة للمشهد السينمائي: من لارس فون تريير في “ماندرلاي” و”المسيح الدجال” و”نيمفومانياك”، وآبل فيرارا في “بازوليني” و”توماسو” و”سيبيريا”، ويوليان شنابل في “عند بوابة الأبدية”، حتى يورغوس لانثيموس في “أشياء مسكينة” و”أنواع من اللطف”. الأوروبيون رأوا فيه ما لم تره هوليوود: أنه ليس ممثل شخصيات، بل ممثل حالات. وأنه يستطيع أن يحمل فيلمًا بأكمله من دون أن يفعل شيئًا سوى أن يكون موجودًا فيه.دوفو و”شهرة متأخرة”يصلح “شهرة متأخرة” ليكون التلخيص الأكثر اكتمالًا لتجربة هذا العملاق، فالتعاون الأنضج حصل مع كنت جونز الذي كان ناقدًا سينمائيًا قبل أن يكون مخرجًا. أدار مهرجان نيويورك السينمائي بين 2013 و2019، وصنع الوثائقي “هيتشكوك تروفو”، ثم فيلمه الروائي الأول “ديان” عام 2018. أما “شهرة متأخرة” فمأخوذ عن رواية قصيرة (نوفيلا) كتبها آرثر شنيتسلر عام 1895 ولم تُنشر إلا بعد موته بزمن طويل، وقد نقلتها السيناريست سامي بيرش من فيينا القرن التاسع عشر إلى سوهو المعاصرة. عُرض الفيلم أول مرة في قسم آفاق في مهرجان البندقية في آب/أغسطس 2025، ثم في مهرجان نيويورك، ووصل إلى الصالات الأميركية في السابع من آب/أغسطس 2026.”إد ساكسبرغر”، الذي يلعبه دوفو، نشر ديوانًا واحدًا اسمه “تجاوزنا نقطة البداية” عام 1979، ونال بضع مراجعات لطيفة، ثم لا شيء. منذ ذلك الحين وهو يعمل في مكتب بريد في مانهاتن، تمر السنوات، أربعون عامًا تقريبًا، دون أن يدري أحد من أصدقائه أنه كتب شعرًا يومًا.ثم يستوقفه في الشارع شاب في العشرينات اسمه مايرز ليخبره أن ديوانه المنسي تحفة، ويدعوه إلى جماعة يسمي أفرادها أنفسهم “جمعية الحماسة”. هنا تبدأ اللعبة الكبرى للفيلم. الشبان يسألون إد عن تشارلز بوكوفسكي، لأنه هو أيضًا عمل في “مكتب بريد”، وعن ألن غينسبرغ و”عواء”. يستدعون جيل “البيت” كما لو أنه زيّ يُرتدى، مطالبين “الشاعر المنسي” بأن يكون شاهدًا على عصر لم يكن في مركزه قط. حتى ينكسر الوهم.الفيلم ممتع بطعم مرارة مقبولة، وكسرة قلب تُحتمل. هو صورة لكل من قارب الفنون واكتوى بنار انتظار النجاح المفرقع الذي لم يأتِ ولن يأتي إلا لقلة. إن تركت روحك لتتشرب كل سُمّية الحقيقة التي فيه، قد تقول إنه فيلم قاسٍ، لكن ما ينقذ الفيلم من تلك القسوة أن المخرج يعرف هؤلاء الشبان من الداخل. قال في حوار حديث إن فكرة الذهاب إلى فنان منسي وإخباره بأنه عبقري وأنه لم ينل حقه هي بالضبط ما فعله تيار كامل من النقد السينمائي الذي خرج منه هو نفسه.شهرة متأخرة وأوماج معهود لنيويوركيبقى الشيء الأجمل في هذا الفيلم أن سوهو التي يمشي فيها “إد ساكسبرغر” لا تحضر خلفية كسولة، بل هي الشخصية الثالثة للحكاية. فالحي نفسه لم يتغير كثيرًا عن السبعينيات: الأرصفة الحجرية، والواجهات الحديدية، والأروقة الضيقة كلها في مكانها. ما تغيّر أن كل ما جعلها سوهو اختفى.يقول جونز إنه يجد الحي مسكونًا بالأشباح، وإن مقر “مجموعة ووستر” و”أرشيف الأفلام” كانا هناك، ثم زال ذلك فجأة وبقي طيفه. حتى إنه صوّر مشاهد الحانة والصالة الداخلية في نيوجيرسي، لأن نيويورك التي يحتاجها الفيلم لم تعد موجودة في نيويورك.وهنا تكتمل الدائرة. “إد ساكسبرغر” وصل إلى المدينة في منتصف السبعينيات. وويليام دوفو وصل إلى المدينة في منتصف السبعينيات. كلاهما دخل مشهدًا فنيًا في وسط مانهاتن حين كان الإيجار رخيصًا والمخاطرة عالية والاحتمالات مفتوحة. دوفو أسّس فرقة حملت اسم شارع في سوهو واستمر معها ربع قرن ونيّف. أما الآخر فنشر ديوانًا وتوقف.في حب ويليام دوفونحن لا نحب ويليام دوفو لأنه ممثل عظيم لم يطلب قبول الصناعة له، بل لأنه بنى مسيرة كاملة من دون أن يعتذر مرة واحدة عمّن يكون، ولأنه ظل يعود إلى الخشبة كلما ضاق بضوء الكاميرات وأموال الاستوديوهات المتدفقة. ولأنه، في هذا الفيلم الناعم الذي يشبه القصيدة، يحمل على كتفيه مدينة كاملة لم تعد موجودة إلا في ذكرياته عنها.

#عبير اسبر#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم