نقدم لكم ..بالمنفى الأبدى..حوار إيطالي مع نوري الجرّاح.. شاعر «فتيان دمشقيون في نزهة»


المنفى الأبدى
حوار إيطالي مع نوري الجرّاح، شاعر «فتيان دمشقيون في نزهة»
8 يوليو 2026 —
فلوريانا سورانّا تحاور نوري الجرّاح، شاعر «فتيان دمشقيون في نزهة».
Intervista a Nouri Al Jarrah, autore di “Ragazzi di Damasco”
Floriana Soranna intervista Nouri Al Jarrah, autore di Ragazzi di Damasco.

*تظهر سوريا ودمشق في أنحاء المجموعة الشعرية بوصفهما فضاءين أسطوريين. بأيّ طرائق أعادت المأساة السورية المعاصرة تعريف علاقتك بالتاريخ القديم وبأساطير البحر الأبيض المتوسط؟
*دعيني أجيبك من خلال جانب من السيرة الشخصية، بعد خروجي من بيروت سنة 1983 على إثر الحرب الاسرائيلية المدمرة على لبنان والفلسطينيين، وهو الخروج الثاني من الديار الناطقة بالعربية بعد خروجي من دمشق، سوف يقيّض لي أن أقيم في الشطر اليوناني من جزيرة قبرص، وسوف يولد لي ابن في تلك الجزيرة، ويصبح لديّ جيران وأصدقاء، أحدهم سيحمل اسم أوديسيوس وكان سائق تاكسي. لن تزيد إقامتي القبرصية عن سنتين، لكنها ستترك أثراً لا يمكن العبور عنه في حواسي وأفكاري وصولا إلى أشعاري التي كتبتها في نيقوسيا ولارنكا وليمسوس، وكذلك في بافوس حيث ولدت من زبد أمواج بحرها جميلة الجميلات أفروديت. هناك غطّستُ قدميّ في ماء حمّامها، وجلست بين سياح شغوفين بفكرة الحب.

الطريف في الأمر أنني عندما حللت في شمال لندن للإقامة هناك كانت أولى العائلات التي استقبلتني عندها هي أسرة يونانية مهاجرة، فكان قدري المتوسطي يلاحقني إلى ما وراء بحر الظلمات، ويحملني على الدوام إلى أساطيري الأثيرة.

هناك في شمال لندن سوف أكتب قصيدتي “رسائل أوديسيوس” وقد توطّن لدي شعور بأنني الشخص نفسه الذي سأله ملك جزيرة كورفو: من أنت؟ فكان جوابه “أنا لا أحد”. كنت أنا أيضاً لا أحد في لند. أوديسيوس قصيدتي سوف لن يصل إلى دمشق أبداً. سيرسل الرسائل إلى نفسه في إيثاكاً من مملكة بعيدة، وسيموت في الباخرة ولن يرى إيثاكا مرة أخرى، فهو المنفيّ الأبدي جغرافياً ووجودياً، والمسافر التائه الذي لن يقيّض له أن يعود إلى مسقط الرأس.

وعلى الرغم من أن هذه القصيدة كتبت أواخر الثمانينات لتعبر عن تجربتي الفلسطينية، فهي تترجم قدر السوري الهائم اليوم على وجهه في بحار العالم، أما وقد جاز هذا السوري/الفلسطيني المتوسط إلى بحر الظلمات. فهو المتوسطي السوري الفلسطيني بقدر معاصر ربما هو أقسى من قدره اليوناني في ملحمة هوميروس.

أخلص مما رويت، إلى أن الشعر لا يتنفس ولا يحيا إلا في الرموز والاستعارات، وكثير منها يتحدر من عالم الأساطير. والشعر لا يعترف بالأزمنة، فالبعد والقرب يتباريان في معترك القصيدة. لا جدران ولا حواجز بين ما نسمّيه الماضي أو الحاضر أو المستقبل، هناك فقط المسافات والعلامات في كينونة متصلة مشعة بالجمال. والشعر يجمح كحصان كوني فوق الحواجز والحدود والتواريخ، الشعر كائن عصري وعابر للزمن. وهذا التوصيف للشعر يملكه جناحي الأسطورة، وقدراتها المذهلة.

ولحظة القصيدة هي لحظة كيانية، لكونها لحظة اتصال استثنائي للكائن المنصت إلى وجوده عبر الصّور والرموز وموسيقى الكون والكلمات، ثمّة حدث يفتح الزمن الصغير للشاعر على الزمن الكبير للكون، الزمن كله ملعب الشاعر، والكوكب، بجباله وبحاره وأنهاره وصحاراه وبلغاته وهوياته، بآلهته وأبطاله وضحاياه، وبإنسانه هذا الكائن الفريد المولع بالجمال هو ورشة عمل الشاعر وكينونته العابرة للزمن.

فتوة الشعر وفتنته
*يضع عنوان المجموعة «i ragazzi» (الفتيان/الأولاد) في مركزه. ما الدلالة التي تكتسبها هذه الفتوة المبتورة أو المُزاحة في سياق سوريا اليوم؟ وكيف تتعايش حيوية هذا الجيل ونضارته مع ثقل أرض تمتد جذورها آلاف السنين؟
*بالنسبة إلى الشق الأول من السؤال، لطالما كان للفتية في شعري حضور مائز، ربما لاعتقاد مبكر بنضارة الفتوة، وقدرتها على خوض المواجهات، وتحدي المجتمعات الأبوية، من باب دفع مغامرة الانتماء إلى المستقبل أبعد فأبعد. يمكنني أن اشير هنا على سبيل المثال إلى النموذج التيليماخي الذي نحت له صورة أيقونية متمردة على الأب والأم والرواية الأوديسية كما قرت في النص الهوميري لأضاهي بهذه الأيقونة أيقونتي الفتية، أوديسيوس وبنلوبي، أو على الأقل ليكون للابن صوت بوصفه المعبر عن المستقبل. نجد هذا في قصيدتي “أحزان تيليماخوس”، القصيدة تعبر عن تمرد الأجيال الجديدة على الجيل القديم، والجماليات الشعرية الجديدة على الجماليات الكلاسيكية، والنظرة الحديثة للعالم، على النظرة البطريياركية للحاضر والماضي، وللتراث الأدبي على نحو خاص.

ثم، يمكن النظر إلى هذه الطاقة الشابة المعبرة على التطلعات المستقبلية بوصفها محرك التاريخ، لنتذكر أن الذين أشعلوا الثورة على الطاغية وكانوا في طليعة الانتفاضة السورية الباسلة التي اندلعت في مطلع العام 2011، كانوا أساساً من فئات الشباب والفتيان، ظهروا في المقدمة بصدور عارية، متحدين خوفهم من الموت، بأصوات تصدح بالأناشيد، لاجل الحرية والكرامة.

وتلقوا بصدور عارية الرصاص. الفتيان في شعري لهم منذ أعمالي المبكرة حضورٌ مائز، بوصفهم اليفاعة، والبكورة، والطاقة الخلاقة وشجاعة الاقدام، وإذا كان الشعر يتخلق في الحاضر ليعيش في المستقبل فإن الفتية في العالم يأتون من المستقبل، ليغيروا وجه الحاضر، ويكونوا القصيدة. يهدون العالم أنشودة مبهجة تارة، وتارة أخرى مرثية للألم.

الفتيان الدمشقيون، إذن، هم القصيدة وقد تألقت بمصائرهم وتلألأت بأسمائهم. إنهم عشرات آلاف الشهداء الذين لم يبالوا ببذل أرواحهم لأجل وردة الحرية. وهم اليفاعة التي هي القصيدة، وهم السؤال الذي هو أفق القصيدة. إنهم النضارة التي هي الجمال الأبدي. متطرفون في الحب، جامحون في الثورة على الاستبداد، خلاقون في كتابة أقدارهم، ومؤلمون في الذكريات. مدين لهؤلاء ما حييت وقصيدتي مدينة لجمالهم الفاتن.

*تتخلل العمل بأسره ثنائية واضحة، وتأرجح دائم بين هنا وهناك، وبين الشاهد والهارب. بعد سنوات طويلة قضيتها بعيدًا عن وطنك، هل أصبح المنفى عدسة تشوّه الذاكرة، أم على العكس، الأداة الوحيدة الواضحة لفهم الحاضر وتأويله؟
*من الصعب عليّ، هنا، اجتراح معجزة توصيف جامع لوضع الشاعر المنفيّ، وعمله في القصيدة، سيما وأن الشاعر هو الابن الطبيعي للمنفى الوجودي. فهو منفي من العالم ومقيم في اللغة. لغته وطنه المجازي. والشاعر في رحلة منفاه سارق نار معلّق أبداً في شق بين عالمين هما شقا أخدود.

الشاعر في المنفى حكاية لا يمكن أن تؤسر في لغة واحدة. أو منظور واحد. إنها حكاية وجودية كتبت لتروى وقائعها المروّعة بكل لغات الفن.
ها نحن إذن في المنفى المزدوج. أنت منفيّ في لغتك ولغتك منفية من قاموسها وجغرافيتها الأولى، أنت مقيم في قصيدتك وقصيدتك تقيم وتتنفس هواء جغرافية لها قاموسها ولغتها التي لا تقرأ لغتك.

جحيمان على أرض واحدة وفي نص واحد. والشاعر سارق النار المعلق في اغتراب أبدي متعدد الأوجه، لا تسع فيضه لغة واحدة ولا تأسره كلمات، فهو فيض في نص كوني الملامح متعدد اللغات.

إذن ما من وجود مستقل عن وجود الشاعر اسمه المنفى ولا شيء عابراً، أيضاً اسمه الوطن. يولد الشاعر في جهة من الكوكب. وقد ينتقل ليقيم في مكان آخر ينتسب إليه اختياراً أو قسراً. وفي كلتا الحالتين، وحتى في غيرهما من حالات الولادة والسكنى فإن وطن الشاعر، هو الكوكب كله قبل أن تتقاسمه الحدود ، ومواطنوه هم جميع البشر قبل أن تأسرهم تلك الحدود. بهذا المعنى، الشاعر مواطن كوني. وهويته تتفوق على كل الهويات.

في المنفى، عندما تتجلى القصائد للشعراء في خيالات أقرب إلى الكوابيس والهواجس منها إلى بستان الألوان الضاحكة في وجود ضاحك. إذّاك نحن ننفذ مع الشعر من قشرة الوجود إلى لبّه، نحو الأعمق من الكينونة.

جارح ويائس وحزين بالضرورة شعر الشاعر في العالم. وما قصائد الشعراء المنفيين، التي يمكن للمستقبل أن يعتدّ بها، إلا نداءات يائسة، صرخات أناس في عالم يغرق. والشعر، إذّاك، هو صوت الحقيقة الذي اغتيل في الإنسان.

وفي عالم المنفى تزور الأمكنة الأولى شعراءَها المبرحين شوقا إلى شمس طفولاتهم، المرهقين من ألم النفي والخيانة والجريمة، فهل بقي للشاعر إلا أن يُضاء بالكوابيس؟
في المنفى تولد الرغبات العميقة في حب العالم، حب الاختلاف، من دون أن ينزع هذا الحب العصب الأول، جاذبية المكان الأول، بل يجعل هذا العصب يتوهج، إنما بصفته جذوة في كينونة تتفوق، هذه المرة، بإنسانيتها الشاسعة على العصبيات والألوان والأعراق. وهو ما يضاعف من قوة الانتماء إلى الحرية وشراسته، مرّة بصفتها اليتم الكامل ومرة بصفتها أرض الاختيار.
ما من شهود على عذابات الشعراء، التي هي خلاصة عذابات العالم، أبلغ من قصائدهم المسافرة في أوراقهم الغائمة.
هو ذا ما يجعل الشاعر الكائن الأكثر تمرداً في الأرض، والأكثر دفاعاً عن الجمال.
في قصيدته تتحول البلدة الصغيرة التي ولد فيها الشاعر إلى عاصمة للعالم، ويتحول العالم/المنفى إلى ناحية صغيرة في أرض الحواس.

*كثيرًا ما تبدو هوية الشاعر في هذه المجموعة وكأنها تمتزج بهوية الضحايا أو الشخصيات التاريخية التي يستحضرها. هل توجد مسؤولية جماعية للذاكرة ينبغي للشاعر أن يحملها عندما يمرّ وطنه بكارثة؟
*منذ فجر القصيدة العربية، قبل أكثر من 15 قرنا، قدمت التجربة الشعرية الشاعر بوصفه صوت أصوات، عبر عن ذلك شاعر (هو عروة بن الورد : 520 -600) بقوله: “أقسم جسمي في جسوم كثيرة”، وبالتالي فإن الشاعر في التقاليد الشعرية العربية هو غالبا ما يكون المتكلم باسم الجماعة الإنسانية والمعبر عن أفكارها، وتصوراتها، ومعتقداتها، وأحوالها، ومصالحها، وتطلعاتها. ولكنه يمكن أن يكون متمرداً وخارجاً عليها أيضا.

في العصور الحديثة، انتقل الشاعر من موقع المعبر عن الجماعة في مواجهة أعدائها الخارجيين، إلى موقع المعبر عن التمرد الاجتماعي على أنظمة الطغيان، وبالتالي صوت المطالبين بالتغيير لأجل حرية الإنسان وكرامته.

من هنا فإن هوية الشاعر انتقلت من الانتماء الكلاسيكي إلى عصبة ترتبط برابط الدم، إلى رابطة أوسع هي الانتماء إلى الفكرة، وبالتالي إلى أفق إنساني رحب.
في محاضرة لي عن الشعر اعتبرت أن الشاعر يولد مراراً، في كل قصيدة له مولد، وهويته المشتقة من ماهيته المتماهية مع أوجه الجمال والحق في العالم تجعلها منفتحة لتستقبل الهويات الأخرى، الشاعر صوت أصوات والمعبر بالضرورة- حتى وهو ينطق قصيدته خصوصياته، ويومياته وأحلام يقظته- عن الوجدان الجماعي للناس.

وبالتالي فإن موضوعات قصيدته، بكل ما تذخر به، من وجوه وأقنعة تاريخية وأسطورية قديمة ومعاصرة، أنطقت بصوته أو بأصوات أخرى، إنما تعبر عن أعمق ما تعتمل به دواخله. الشاعر حارس الروح الجماعية للامة، وهو في الوقت نفسيه، وبالضرورة صوت نفسه.

في أزمنة الكوارث الكبرى التي تتسبب به الحروب والمظالم السلطوية، يقتضي الموقف الأخلاقي من الشاعر الشاعر لا أن يكون فقط لسان الضحية، ولكن قلبها الخافق أيضاً.

*تنطلق كتابتك صراحةً من رؤية هارب يفرّ من الطغيان. ما دور الشعر عندما يكون الواقع التاريخي مثقلًا إلى هذا الحد بالخراب والدمار؟ وهل تستطيع اللغة الشعرية أن تعيد، على المستوى الرمزي، بناء ما محته الجيوش والعنف على أرض الواقع؟
*ليس في وسع القصيدة أن تعيد الرصاصة إلى فوهة البندقية، ولا أن ترد الموت عن الضحية، لكن القصيدة تعطي الضحية صوتاً، ليسمع العالم ذلك الصوت. وظيفة الشاعر في أزمنة الطغيان أن يكون شاهداً متكلما، أن لا يتردد ولا يخرس، أن يكتب الجمال ويصنع الأمل. على أن السؤال الجوهري بالنسبة إلى الشاعر، هو أولاً وأخيراً: بأيّ لغة أكتب القصيدة أمام هول الجريمة؟ فالامتحان الأخطر للشاعر في زمن المأساة هو في مدى قدرته على خوض نزال شرس ومرير مع لغته وطرائقه الفنية لأجل اجتراح لغة يمكن لبلاغتها الانتصار على بلاغة المأساة.

*لو طُلب منك تحديد خيط واحد يربط بين أقسام هذه المجموعة المختلفة، فما الأثر أو الشعور الأعمق الذي تودّ أن يبقى لدى القارئ الإيطالي الذي يقترب من عملك اليوم
*في الشعر، لا يوجد خيط واحد يمكن عزله عن بقية الخيوط إن في نسيج القصيدة، أو في علاقات القصائد في ما بينها عندما تجتمع في كتاب، إنما في “فتيان دمشقيون في نزهة” يمكن النظر إلى حضور دمشق ومرئيات المخيلة عنها بوصفها فردوس القصيدة المفقود، وبالتالي البؤرة التي تنعقد من حولها الأشياء.

ما يفسر ذلك أنني أقيم في مدينة في الغرب، وعندما أسافر أسافر في كل مكان، ولكن لم يحدث أن حزمت حقيبتي مرة خلال أربعة عقود ونيف من الإقامة في المنفى لأسافر إلى ذلك المكان المحرم علي، مسقط الرأس وملعب الطفولة دمشق، إنها فردوسي المفقود، وهذا على الأرجح ما يفسر إلحاح حضورها في قصائدي ودواويني، وجاذبية ذلك بالنسبة إلى القصيدة. في تسعينيات القرن الماضي بلغ حضورها ذروته في كتابي “طريق دمشق”، وهي تعود في ديواني الأخير لتحتل البؤرة كلها، بؤرة الصورة وبؤرة الدلالة، ولكن ما يميز حضورها، في قصائد هذين الكتابين أنها مدينة تقيم في المسافة، حتى ما تعود تنفصل عن الطريق التي لا توصل إليها، وتبقى تتلألأ على تلك الطريق كسراب خادع.

ولو عبرنا عن هذا الخيط المائز في سجادة القصيدة، فإن دمشق التي هي أقدم عاصمة في العالم، ولطالما تغنى بها الشعراء، هي عاصمة أرواح جميع السوريين والقبلة الحضارية لأهل الشرق، لها في “مثنوي معنوي” وغيره من أعمال رومي حضور لا يضاهى. إنها بالنسبة إليه مدينة الأبدية، كذلك هو الحال بالنسبة إلى مئات الشخصيات الأدبية والفكرية والعلمية عبر القرون في علاقتهم بدمشق، واحدٌ علمٌ من هؤلاء هو محيي الدين بن عربي. وعندما يتكلم هو وغيره من الأسماء الأيقونية، أو يحضرون في شعري إنما تحضر معهم تلك المعاني والأفكار والقيم والصور والخيالات المرتبطة بهم والمرتبطة بدمشق، ومن ثم بالجغرافيا الحضارية الأوسع لسوريا التي طالما كانت قبلة الغزاة، تلألأت منائرها لعيونهم أيضاً، وتبادلوا والطغاة المحليين مهمة تدميرها مرارا، ولكن في كل مرة كانت تنهض من جديد. في قصيدتي تتقاطع الازمنة والصور والوقائع المأساوية لتنتج الدلالة الجمالية للقصيدة، والفكرية للمدينة.

جرح حياتي أنني لعقود أربعة أقيم بعيدا عن دمشق، من دون كبير أمل في العودة، تجاربي تشكّلت بعيداً عن مسقط الرأس، ولا بد أن شعري الذي كتبته في المدن التي عشت فيها اختزن صوراً حلمية هي خيالات جمال غائم هب عليّ من فردوس الطفولة المفقود. إنما لا نزوع نوستالجيا في شعري، إلا وهو مقيد بشروط الفن، فن الشعر، لا ميوعة عاطفية على هذا الميل، ففي يقيني أنني ابن الكوكب كله، وما الألم في قصيدتي سوى شقيق البهجة، وإذ يظهر الفتيان السوريون في مصارعهم إنما يظهرون أيضا في نزهة لتتكشف مع تلك الثنائية حاجة الجمال الشعري إلى التناقض الخلاق.
وفي الخلاصة، لابد أن أعترف أن علاقة مخيلتي بالمكان الذي أعيش فيه منذ عقود، وسفر مخيلتي بعيداً نحو تلك المدينة السرابية المستحيلة هما حدثان جماليان لا ينفصلان. كيف يمكن أن نعرف الإقامة في برزخ بين عالمين. إنها حكاية مفعمة بالصراع لاجل النزول إلى الأرض، وهي حكاية لا يمكن اختصارها بالقليل أو الكثير من الكلمات. وقد لا يسعفنا في فك ألغازها سوى اللجوء إلى ظلال الكلمات والبحث عما توارى هناك.

*لطالما أعلنت في بياناتك الشعرية وحواراتك الصحفية عن كونك شاعرا متوسطيا يكتب بالعربية، هل لك أن تفسر لنا دلالة هذا الانتماء ومدى علاقته بالثقافة الشعرية المعاصرة؟
*كيف لي أن أفسّر انتمائي إلى ولعي بكل ما هو متوسّطي. لعله صورة أخرى لهذا الولع هو شعوري أنني أسكن قلب العالم القديم، وهو ما يجعلني منتبهاً إلى القيمة الاستثنائية لهويّتي المتشكلة من حقب ثقافية متعاقبة.

من هنا أقدّر كثيراً أعمال لوقيانوس السوري، والذي قرأته مبكرا وحملني في “لا حرب في طروادة” على تعقب أثر مغامرته التي خاضها في “مسامرات الأموات” في مغامرة الشاعر والفيلسوف السوري أبي العلاء المعري في “رسالة الغفران”، وتلمّس أثرهما معاً في رائعة الشاعر والفيلسوف اللاتيني دانتي أليغيري “الكوميديا الإلهية”. الأعمال الثلاثة لهؤلاء الثلاثة في رحلاتهم المتعاقبة هي أفضل مثال للتناظر والتقابل وتبادل التأثير في ضفاف المتوسط، سوري متوسطي (يكتب باليونانية)، وسوري متوسطي (يكتب بالعربية)، وإيطالي متوسطي يكتب باللاتينية (الفلورنسية).

وبالعودة إلى المساهمة السورية في الثقافة الهيلينيستية، من الضروري أن أذكر هنا كوكبة من الشعراء السوريين القدامى الذين كتبوا باليونانية، وعلى رأسهم الشاعر العظيم ميليا غروس. من المفيد هنا، على الأقل، أن أذكر أسماء بعضهم: ففضلاً عن ميلياغروس الجداري، هناك أنتيباتروس الصيداوي، فيلوديموس فاليريوس بابريوس، بيون الإزميرلي، آرخياس الأنطاكي آراتوس، إيرينا، بوسيدونيوس الآفامي، أو أوبيانوس.

حصتي، كسليل سوري، من المدار الهيلينيستي تجعلني أستعيد مغامرة الأمير السوري قدموس الذي ترك في صور وراءه أباه الملك أجينور حزيناً ومضى صحبة أمه وأخوين له هما فينيق وقيليق للبحث عن أختهم المخطوفة أوروب (أوروباً) التي اختطفها زيوس بخدعة. لكن تلك الرحلة، واقعةً ودلالةً، كانت أكثر من ذلك بكثير، فقد تحولت المهمة العائلية إلى مغامرة معرفية كبرى، وأمثولة حضارية مذهلة من أمثولات المتوسط. وهكذا كلما وقفت أمام قطعة من رخام التاريخ خلال جولاتي في حوض المتوسط، تحولت تلك القطعة السورية من الألواح الإغريقية إلى مرآة، ورأيت نفسي هناك بملابس قديمة ووجه لوّحته شمس ذلك الزمان.

لطالما تساءلت، والآن أيضاً أتساءل، هل إن هذا السلوك من قبل شاعر معاصر، يغامر في استلهام الأساطير، هو ضرب من الهروب إلى الماضي، للعثور على ذات ضيّع الزمن الاستهلاكي الحاضر شغفها بكينونتها العميقة وبما تملك من جوهر إنساني كوني وفرحها بكينونتها وفرحها الوجود؟ بمعنى آخر هل هذا النزوع نحو الأسطورة والملحمة والأقنعة القديمة في الشعر هو ضرب من نزع الاعتراف بالحاضر المؤلم في عدوانه الوحشي على الإنسان، ووجوه طغاته الأشبه بالمسوخ؟ أم هو مغامرة جمالية في البعد الكوني للجغرافيا والإنسان، عبر الأسطورة والتاريخ معاً، وميل إلى الاغتناء بإمكاناتهما متعددة الأوجه والدلالات والمعاني، والانفتاح، بالتالي، على شساعة الكوني في عناصرهما، وانعكاس أخيراً لانفتاح الزمن الشعري على الزمن كله. فالزمان الماضي والزمان الحاضر والزمان الآتي، كما رأى ت. إس إليوت، وكما هو الحال حقاً، هذه الأبعاد الثلاثة للزمن لا يمكن فصلها عن بعضها أبداً، فهي زمن الوجود الكلي، وهذا هو زمن الشعر بالضرورة؟ والشعر، من هذا المنظور، لا يخلق اللغة ليغني بها الوجود وحسب، وإنما، أيضاً، ليعيد إلى الزمن وحدته، وليمكنه (الشعر)، أخيراً، أن يكون عابرا للأزمنة والذائقات.

شاعر متوسطي، إنما لا كما يذهب بعض الأيديولوجيين وأصحاب المشاريع الثقافية المتهافتة بطبعاتها الأوروبية ذات الأهداف قصيرة النظر. بل انطلاقا من وعي كونيّ يرى، بعيداً عن كل شوفينية جغرافية، أن المتوسط هو سُرَّةُ العالم بالضرورة، وهو مُنْتِج، وأحيانا موئِلُ السرديات الكبرى التي أنتجتها الإنسانية. وتقع الفنون البصرية، والملاحم والأشعار في القلب منها، فضلا عن الفلسفات والديانات والعلوم. بهذا المعنى المتوسطية أفق كوني، وإنني أدعو أصدقائي الشعراء العرب، وشعراء المتوسط إلى أيّ لغة انتموا، أن يتفكروا بجمال ذلك المزاج الذي فطروا عليه كشعراء، وصنع الملامح الأبرز في ذواتهم المتوسطية، في فلسفاتهم وتطلعاتهم التي تفصح عنها أشعارهم.

======

======

النص الإيطالي للحوار

Intervista a Nouri Al Jarrah, autore di “Ragazzi di Damasco”
8 July 2026 in News 0
Floriana Soranna intervista Nouri Al Jarrah, autore di Ragazzi di Damasco.

  1. La Siria e Damasco compaiono in tutta la raccolta poetica come spazi mitici e archetipici. In che modo la tragedia siriana contemporanea ha ridefinito il tuo rapporto con la storia antica e con i miti del Mediterraneo?

Lascia che ti risponda attraverso un episodio della mia biografia personale. Dopo aver lasciato Beirut nel 1983, in seguito alla devastante guerra israeliana contro il Libano e i palestinesi, una seconda partenza dalle terre di lingua araba dopo il mio allontanamento da Damasco, il destino volle che mi stabilissi nella parte greca dell’isola di Cipro. Su quell’isola nacque mio figlio e lì ebbi vicini e amici, uno dei quali portava il nome di Odisseo ed era tassista.
La mia permanenza a Cipro non durò più di due anni, ma lasciò un’impronta indelebile nei miei sensi e nei miei pensieri, fino a riflettersi nelle poesie che scrissi a Nicosia, Larnaca e Limassol, e anche a Pafo, dove, secondo il mito, dalle spume del mare nacque Afrodite, la più bella tra le belle. Là immersi i miei piedi nelle acque del suo bagno e mi sedetti accanto a turisti affascinati dall’idea dell’amore.
La cosa curiosa è che, quando mi trasferii nel nord di Londra, la prima famiglia che mi accolse fu una famiglia greca emigrata. Il mio destino mediterraneo continuava dunque a inseguirmi oltre il Mare delle Tenebre, riportandomi costantemente ai miti che amo.
Fu proprio nel nord di Londra che scrissi la poesia Lettere di Odisseo. Mi accompagnava allora la sensazione di essere la stessa persona a cui il re dell’isola di Corfù aveva chiesto: «Chi sei?», ricevendo come risposta: «Non sono nessuno». Anch’io, a Londra, non ero nessuno.
L’Odisseo della mia poesia non arriverà mai a Damasco. Invierà lettere a se stesso, a Itaca, da un regno lontano; morirà sulla nave senza rivedere la sua patria. È l’esiliato eterno, geograficamente ed esistenzialmente, il viaggiatore smarrito cui non sarà concesso di tornare al luogo natale.
Sebbene questa poesia sia stata scritta alla fine degli anni Ottanta per esprimere la mia esperienza palestinese, essa traduce perfettamente il destino del siriano che oggi vaga per i mari del mondo. Quel siriano-palestinese mediterraneo ha ormai attraversato il Mare delle Tenebre e vive una sorte contemporanea forse ancora più crudele di quella dell’eroe greco del poema omerico.
Da tutto questo traggo una conclusione: la poesia respira e vive soltanto attraverso simboli e metafore, e molte di esse provengono dal mondo del mito. La poesia non riconosce il tempo come lo intendiamo noi. Vicinanza e lontananza si confrontano nell’arena del poema. Non esistono muri o barriere tra ciò che chiamiamo passato, presente e futuro. Esistono soltanto distanze e segni all’interno di un essere continuo, irradiato di bellezza.
La poesia galoppa come un cavallo cosmico al di sopra delle frontiere, delle date e dei confini. È una creatura moderna e insieme fuori dal tempo. Questa natura le è donata dalle ali del mito e dalle sue straordinarie possibilità.
L’istante della poesia è un istante ontologico, perché rappresenta un momento eccezionale di connessione dell’essere con la propria esistenza attraverso immagini, simboli, la musica dell’universo e le parole. Si verifica un evento che apre il tempo limitato del poeta al grande tempo del cosmo.
Tutto il tempo è il campo da gioco del poeta. Il pianeta, con le sue montagne, i suoi mari, i suoi fiumi, i suoi deserti, le sue lingue e le sue identità, con i suoi dèi, i suoi eroi e le sue vittime, con l’essere umano — questa creatura unica e innamorata della bellezza — costituisce il laboratorio del poeta e la sua dimensione oltre il tempo.

  1. Il titolo della raccolta mette al centro «I ragazzi». Quale significato assume questa giovinezza interrotta o in fuga dal contesto della Siria di oggi? E come convivono la vitalità e la freschezza di questa generazione con il peso di una terra millenaria?

Per quanto riguarda la prima parte della domanda, i ragazzi hanno sempre occupato un posto speciale nella mia poesia. Forse ciò deriva da una convinzione precoce nella freschezza della giovinezza, nella sua capacità di affrontare le sfide e di contestare le società patriarcali, spingendo sempre più avanti l’avventura dell’appartenenza al futuro.
Posso citare, ad esempio, il modello di Telemaco, al quale ho dato un’immagine iconica e ribelle nei confronti del padre, della madre e della narrazione omerica dell’Odissea. Ho voluto contrapporre questa icona alle figure di Odisseo e Penelope, o almeno dare al figlio una voce in quanto rappresentante del futuro.
Questo appare chiaramente nella mia poesia Le tristezze di Telemaco, che esprime la ribellione delle nuove generazioni contro quelle precedenti, delle nuove estetiche poetiche contro quelle classiche, della visione moderna del mondo contro quella patriarcale del presente e del passato, e in particolare contro una certa concezione dell’eredità letteraria.
Inoltre, questa energia giovanile, portatrice di aspirazioni verso il futuro, può essere considerata il motore stesso della storia. Ricordiamo che coloro che accesero la rivolta contro il tiranno e furono in prima linea nell’eroica insurrezione siriana iniziata nel 2011 appartenevano soprattutto alle fasce più giovani della popolazione. Comparvero in prima fila a petto nudo, sfidando la paura della morte, con voci che cantavano per la libertà e la dignità. E fu a petto nudo che ricevettero i proiettili.
I ragazzi della mia poesia rappresentano da sempre la giovinezza, la nascita, l’energia creativa e il coraggio dell’azione. Se la poesia nasce nel presente per vivere nel futuro, allora i giovani vengono dal futuro per cambiare il volto del presente e diventare essi stessi poesia. Talvolta offrono al mondo un canto gioioso, talvolta un’elegia del dolore.
I ragazzi di Damasco sono dunque la poesia stessa. La poesia si è illuminata del loro destino e ha brillato dei loro nomi. Sono le decine di migliaia di martiri che non hanno esitato a sacrificare la propria vita per il fiore della libertà. Sono la giovinezza che coincide con la poesia; sono la domanda che costituisce l’orizzonte della poesia. Sono la freschezza che coincide con la bellezza eterna.
Estremi nell’amore, impetuosi nella ribellione contro il dispotismo, creativi nello scrivere il proprio destino e dolorosi nel ricordo. Sono debitore a questi giovani per tutta la vita, e la mia poesia è debitrice alla loro affascinante bellezza.

  1. In tutta l’opera emerge un senso di sdoppiamento, un costante oscillare tra qui e altrove, tra l’essere testimoni e l’essere fuggiaschi. Dopo tanti anni trascorsi lontano dalla tua patria, l’esilio è diventato una lente che deforma la memoria oppure, al contrario, l’unico strumento davvero limpido per comprendere e interpretare il presente?

Mi è difficile compiere qui il miracolo di una definizione unitaria della condizione del poeta esule e del suo lavoro poetico, soprattutto perché il poeta è il figlio naturale dell’esilio esistenziale. È esiliato dal mondo e residente nella lingua. La lingua è la sua patria metaforica.
Nel suo viaggio d’esilio il poeta è un ladro di fuoco, sospeso per sempre nella fenditura tra due mondi, come tra i due versanti di una gola.
Il poeta in esilio è una storia che non può essere imprigionata in un’unica lingua né in un unico punto di vista. È una vicenda esistenziale scritta per essere raccontata, nelle sue terribili vicende, attraverso tutte le lingue dell’arte.
Ci troviamo dunque in un duplice esilio. Tu sei esiliato nella tua lingua, e la tua lingua è esiliata dal proprio dizionario e dalla propria geografia originaria. Tu abiti nella tua poesia, e la tua poesia respira l’aria di una geografia che possiede un proprio lessico e una propria lingua, incapace di leggere la tua.
Due inferni sulla stessa terra e nello stesso testo. E il poeta, ladro del fuoco, resta sospeso in un’estraneità eterna e multiforme, troppo vasta per essere contenuta da una sola lingua o imprigionata dalle parole. È un traboccamento che assume la forma di un testo cosmico e plurilingue.
Non esiste dunque una realtà autonoma chiamata esilio, così come non esiste qualcosa di semplicemente transitorio chiamato patria. Il poeta nasce in una parte del pianeta e può poi trasferirsi altrove, per scelta o per costrizione. In ogni caso, la sua patria è l’intero pianeta prima che venga suddiviso dalle frontiere, e i suoi concittadini sono tutti gli esseri umani prima che quelle frontiere li separino.
In questo senso il poeta è un cittadino del cosmo. La sua identità cosmica supera tutte le altre identità.
Nell’esilio, quando le poesie si manifestano ai poeti in forme più vicine agli incubi e alle ossessioni che non a un giardino di colori gioiosi, allora la poesia ci conduce dalla superficie dell’esistenza al suo nucleo più profondo. Verso ciò che vi è di più essenziale nell’essere.
La poesia del poeta nel mondo è necessariamente ferita, disperata e triste. E le poesie degli esuli che il futuro potrà davvero considerare importanti non sono altro che richiami disperati, grida di persone in un mondo che affonda. In quel momento la poesia diventa la voce della verità assassinata nell’essere umano.
Nel mondo dell’esilio, i luoghi originari visitano i loro poeti, tormentati dalla nostalgia del sole dell’infanzia, esausti per il dolore dell’esclusione, del tradimento e del crimine. Cosa resta allora al poeta, se non illuminarsi attraverso gli incubi?
Eppure è proprio nell’esilio che nascono i desideri più profondi di amare il mondo e la differenza. Questo amore non cancella il legame originario con il primo luogo, ma lo rende ancora più ardente, trasformandolo in una brace all’interno di un’esistenza che supera appartenenze, colori e razze grazie alla sua più ampia umanità.
Questo accresce la forza dell’appartenenza alla libertà e la sua ferocia: talvolta come orfanezza assoluta, talvolta come terra della scelta.
Nessuno testimonia le sofferenze dei poeti — che sono il riassunto delle sofferenze del mondo — meglio delle loro poesie, che viaggiano sulle pagine come nuvole.
È questo che rende il poeta la creatura più ribelle della terra e, allo stesso tempo, quella che difende con maggiore ostinazione la bellezza.
Nella sua poesia il piccolo villaggio in cui è nato diventa la capitale del mondo, mentre il mondo intero, l’esilio stesso, si riduce a una piccola provincia nel territorio dei sensi.

  1. In questa raccolta l’identità del poeta sembra spesso fondersi con quella delle vittime o dei personaggi storici che evoca. Esiste una responsabilità collettiva della memoria che il poeta dovrebbe assumersi quando il suo paese attraversa una catastrofe?

Fin dagli albori della poesia araba, oltre quindici secoli fa, l’esperienza poetica ha presentato il poeta come una voce che racchiude molte voci. Lo espresse chiaramente il poeta ʿUrwa ibn al-Ward quando scrisse: «Divido il mio corpo in molti corpi».
Per questo, nella tradizione poetica araba, il poeta è spesso colui che parla a nome della comunità umana, interpretandone idee, visioni, credenze, condizioni, interessi e aspirazioni. Ma può essere anche colui che si ribella a quella stessa comunità e se ne distacca.
Nell’età moderna il poeta è passato dal ruolo di interprete della collettività contro i nemici esterni a quello di interprete della ribellione sociale contro i sistemi tirannici. È diventato la voce di coloro che chiedono il cambiamento in nome della libertà e della dignità umana.
Di conseguenza, la sua identità si è spostata dall’appartenenza classica fondata sul sangue a un’appartenenza più ampia, fondata sulle idee e su un orizzonte autenticamente umano.
In una mia conferenza sulla poesia sostenni che il poeta nasce più volte: ogni poesia rappresenta una nuova nascita. La sua identità, derivata dalla sua essenza e dalla sua adesione alle forme della bellezza e della verità presenti nel mondo, rimane aperta ad accogliere altre identità.
Il poeta è una voce di molte voci. Anche quando parla delle proprie particolarità, delle sue giornate e dei suoi sogni a occhi aperti, esprime inevitabilmente il sentimento collettivo delle persone.
Per questo i temi della sua poesia, popolati da volti e maschere storiche e mitologiche, antiche e contemporanee, che parlano attraverso la sua voce o attraverso altre voci, esprimono sempre ciò che si agita più profondamente dentro di lui.
Il poeta è il custode dell’anima collettiva della nazione e, allo stesso tempo, inevitabilmente, la voce di se stesso.
Nei tempi delle grandi catastrofi, provocate dalle guerre e dall’oppressione del potere, la posizione etica del poeta richiede che egli non sia soltanto la lingua della vittima, ma anche il suo cuore pulsante.

  1. La tua scrittura si presenta apertamente come quella di un fuggiasco che scappa dalla tirannia. Qual è il ruolo della poesia quando la realtà storica è così gravata da distruzione e sangue? E il linguaggio poetico può, almeno sul piano simbolico, ricostruire ciò che gli eserciti e la violenza hanno cancellato dalla realtà?

La poesia non può ricondurre il proiettile nella canna del fucile, né restituire la vita alla vittima. Tuttavia può dare una voce alla vittima, affinché il mondo possa ascoltarla.
Il compito del poeta nei tempi della tirannia è quello di essere un testimone che parla, di non esitare e di non tacere, di scrivere la bellezza e di creare speranza.
La domanda fondamentale per il poeta è però un’altra: con quale lingua scrivere una poesia di fronte all’orrore del crimine?
La prova più difficile per il poeta nel tempo della tragedia consiste nella sua capacità di affrontare un confronto duro e doloroso con la propria lingua e con i propri strumenti artistici, per inventare un linguaggio la cui forza espressiva riesca a prevalere sulla forza stessa della tragedia.

  1. Se ti fosse chiesto di individuare un unico filo conduttore che lega le diverse sezioni di questa raccolta, quale traccia o quale sentimento profondo vorresti che rimanesse nel lettore italiano che oggi si avvicina alla tua opera?

In poesia non esiste un solo filo che possa essere isolato dagli altri, né nella trama di una singola poesia né nelle relazioni che si instaurano tra le poesie quando si raccolgono in un libro. Tuttavia, in Ragazzi damasceni in gita, la presenza di Damasco e le immagini che l’immaginazione costruisce attorno ad essa possono essere considerate il paradiso perduto della poesia, e dunque il centro attorno al quale tutto si raccoglie.
Ciò si spiega con il fatto che vivo da decenni in una città occidentale e viaggio continuamente, ma in oltre quarant’anni di esilio non ho mai preparato una valigia per recarmi in quel luogo che mi è stato proibito: Damasco, la città natale, il campo da gioco della mia infanzia.
È il mio paradiso perduto. Ed è probabilmente questa la ragione della sua presenza insistente nelle mie poesie e nei miei libri, nonché della sua forza attrattiva per il poema stesso.
Negli anni Novanta la sua presenza raggiunse l’apice nel mio libro La strada di Damasco. Oggi ritorna nella mia raccolta più recente occupando interamente il centro dell’immagine e del significato.
Ciò che caratterizza la sua presenza in entrambe le opere è che Damasco è una città che esiste nella distanza. Finisce per non distinguersi più dalla strada che non conduce mai a lei, continuando a brillare lungo quel percorso come un miraggio ingannevole.
Se dovessimo esprimere questo filo distintivo nel tappeto della poesia, diremmo che Damasco, la più antica capitale del mondo, celebrata dai poeti di ogni epoca, è la capitale spirituale di tutti i siriani e la grande qibla culturale dell’Oriente.
Nel Mathnawī e in altre opere di Rūmī la sua presenza è incomparabile. Per lui Damasco è la città dell’eternità. Lo stesso vale per centinaia di figure letterarie, intellettuali e scientifiche che nel corso dei secoli hanno intrattenuto con essa un rapporto speciale. Tra queste spicca Ibn ʿArabī.
Quando lui e altre figure iconiche compaiono nella mia poesia, arrivano con loro i significati, le idee, i valori, le immagini e le visioni che essi incarnano e che sono legati a Damasco e, attraverso Damasco, all’intera geografia culturale della Siria.
Una Siria che è stata per secoli meta di invasori; una terra le cui torri e i cui minareti hanno brillato agli occhi dei conquistatori, i quali, insieme ai tiranni locali, hanno più volte contribuito alla sua distruzione. Eppure ogni volta essa è risorta.
Nella mia poesia i tempi storici, le immagini e gli eventi tragici si incrociano per generare il significato estetico del poema e quello intellettuale della città.
La ferita della mia vita consiste nell’aver vissuto per quattro decenni lontano da Damasco, senza grandi speranze di ritorno. Le mie esperienze si sono formate lontano dalla città natale e inevitabilmente la poesia che ho scritto nelle città in cui ho vissuto ha custodito immagini oniriche, visioni di una bellezza velata proveniente dal paradiso perduto dell’infanzia.
Eppure nella mia poesia non esiste una nostalgia libera da vincoli artistici. Non vi è alcuna sentimentalità facile. La nostalgia è sempre disciplinata dalle esigenze dell’arte poetica.
Sono convinto di essere figlio dell’intero pianeta. Il dolore, nella mia poesia, non è che il fratello della gioia.
Quando i ragazzi siriani appaiono nei luoghi della loro morte, appaiono anche durante una gita. Attraverso questa dualità emerge il bisogno che la bellezza poetica ha della contraddizione creativa.
In conclusione, devo ammettere che il rapporto della mia immaginazione con il luogo in cui vivo da decenni e il suo continuo viaggio verso quella città impossibile e miracolosa sono due eventi estetici inseparabili.
Come definire questa condizione se non come un’esistenza sospesa in un limbo tra due mondi?
È una storia colma di conflitto, una lotta per tornare alla terra. Una storia che non può essere riassunta né da poche né da molte parole. Forse per scioglierne gli enigmi non resta che rifugiarsi nelle ombre delle parole e cercare ciò che vi si nasconde.

  1. Nei tuoi manifesti poetici e nelle tue interviste hai spesso dichiarato di essere un poeta mediterraneo che scrive in arabo. Potresti spiegare il significato di questa appartenenza e il rapporto che essa intrattiene con la cultura poetica contemporanea?

Come potrei spiegare la mia appartenenza a tutto ciò che è mediterraneo? Forse una delle immagini che meglio la rappresentano è la sensazione di abitare il cuore del mondo antico. Questo mi rende profondamente consapevole del valore eccezionale della mia identità, formata da epoche culturali successive e stratificate.
Per questo attribuisco grande importanza all’opera di Luciano di Samosata, il siriano che lessi fin da giovane. Nel mio libro Nessuna guerra a Troia seguii le tracce della sua avventura letteraria nei Dialoghi dei morti, mettendola in relazione con quella del poeta e filosofo siriano Abū al-ʿAlāʾ al-Maʿarrī nella Lettera del perdono, e rintracciandone infine l’eco nel capolavoro di Dante Alighieri, la Divina Commedia.
Le opere di questi tre autori costituiscono uno degli esempi più eloquenti di corrispondenza, dialogo e reciproca influenza sulle sponde del Mediterraneo: un siriano mediterraneo che scriveva in greco, un siriano mediterraneo che scriveva in arabo e un italiano mediterraneo che scriveva in volgare fiorentino.
Tornando al contributo siriano alla cultura ellenistica, è necessario ricordare una costellazione di poeti siriani dell’antichità che scrissero in greco, primo fra tutti il grande Meleagro di Gadara.
Vale la pena citare almeno alcuni nomi: oltre a Meleagro vi furono Antipatro di Sidone, Filodemo, Valerio Babrio, Bione di Smirne, Archia di Antiochia, Arato, Erinna, Posidonio di Apamea e Oppiano.
La mia eredità di discendente siriano appartenente all’orizzonte ellenistico mi porta anche a rivivere l’avventura del principe siriano Cadmo, che lasciò a Tiro il padre Agenore e partì con la madre e i fratelli Fenice e Cilice alla ricerca della sorella Europa, rapita da Zeus.
Quella spedizione fu molto più di una vicenda familiare: si trasformò in una grande avventura della conoscenza e in una straordinaria parabola della civiltà mediterranea.
Così, ogni volta che durante i miei viaggi nel Mediterraneo mi trovo davanti a un frammento di marmo della storia, quel frammento proveniente dalla Siria dell’età greca si trasforma in uno specchio. E in quello specchio vedo me stesso, vestito con abiti antichi e con il volto segnato dal sole di quel tempo.
Mi sono spesso chiesto — e continuo a chiedermelo — se questo comportamento di un poeta contemporaneo, che si avventura nei territori del mito, sia una forma di fuga nel passato alla ricerca di un sé che il consumismo del presente ha privato della propria profondità e del proprio entusiasmo per l’esistenza.
In altre parole: il ricorso al mito, all’epica e alle antiche maschere poetiche è un modo per negare il presente doloroso, segnato dalla violenza dei tiranni e dalla brutalità dei loro volti mostruosi?
Oppure è un’avventura estetica nel cuore della dimensione universale dell’uomo e della geografia, attraverso il mito e la storia, un tentativo di arricchirsi delle loro molteplici possibilità e di aprirsi all’ampiezza del loro significato?
Come osservava T. S. Eliot, il passato, il presente e il futuro non possono mai essere separati. Essi costituiscono insieme il tempo totale dell’esistenza. E questo è necessariamente il tempo della poesia.
Da questa prospettiva, la poesia non crea soltanto il linguaggio con cui cantare l’esistenza, ma restituisce anche al tempo la sua unità, permettendo al poema di attraversare epoche diverse e sensibilità differenti.
Sono un poeta mediterraneo, ma non nel senso proposto da certi ideologi o da alcuni progetti culturali europei di corto respiro.
Lo sono a partire da una visione universale che considera il Mediterraneo, al di là di ogni sciovinismo geografico, come l’ombelico del mondo: il luogo che ha generato — e talvolta ospitato — alcune delle grandi narrazioni dell’umanità.
Al centro di queste narrazioni si trovano le arti visive, le epopee, la poesia, ma anche la filosofia, le religioni e le scienze.
In questo senso la mediterraneità è un orizzonte universale.
E per questo invito i miei amici poeti arabi e tutti i poeti del Mediterraneo, qualunque sia la lingua in cui scrivono, a riflettere sulla bellezza di quel temperamento che li ha formati come poeti e che ha contribuito a modellare i tratti più profondi della loro identità mediterranea, delle loro filosofie e delle aspirazioni che le loro poesie rivelano.

Vuoi leggere Ragazzi di Damasco? Clicca qui

أخر المقالات

منكم وإليكم