موقف الفنان من قضايا مجتمعه في مسرحية إيزيس لتوفيق الحكيم

تعكس مسرحية إيزيس حيرة توفيق الحكيم الشخصية في موقف الفنان من قضايا مجتمعه، فهل عليه أن يعبر عنها بشكل مباشر في فنه وما يكتبه، ويكتفي بذلك؟ أو عليه ألا يكتفي بمجرد التعبير عنها في فنه وأدبه، بل عليه أيضا مع تعبيره عنها أن يخوض فيها بنفسه إذا استدعت الظروف ذلك، كالمشاركة في الدفاع عن الوطن عند تعرضه لاعتداء المعتدين؟أو يكون موقف الفنان من قضايا مجتمعه غير ذلك تماما؛ بأن يعتلي برجه العاجي، ويكتفي بإبداعه، ولا بأس من أن يعكس بعض ما يبدعه إسقاطات على قضايا مجتمعه يمكن أن تستشف من ذلك الإبداع له؟

وقد اتهم توفيق الحكيم كثيرا من قبل بعض النقاد أنه كاتب البرج العاجي – لا سيما أن له كتابا بهذا الاسم – لأنه لا ينشغل كثيرا بمعالجة قضايا مجتمعه الراهنة، ولكنه منشغل بإبداعه الذي يعكس القضايا الذهنية التي تشغله وتشغل الناس في كل عصر، كالصراع بين الإنسان والزمن، كما نرى ذلك في مسرحية أهل الكهف، ومسرحية رحلة إلى الغد، ومسرحية لو عرف الشباب، والصراع بين الإنسان والمكان، كما نرى ذلك في مسرحية شهرزاد، والصراع ببن القوة والحكمة ، كما نرى ذلك في مسرحية سليمان الحكيم، والصراع بين الفن والحياة، كما عرض ذلك في مسرحية بجماليون، إلى غير ذلك من القضايا الذهنية التي عرضها في مسرحياته ذات الطبيعة الذهنية.

وفي رأيي أنه من الخطأ أن نحكم على موقف توفيق الحكيم الفنان والأديب في مسرحه من قضايا مجتمعه من خلال مسرحياته الذهنية فقط التي اهتم فيها بقضايا ذهنية أبدية تشغل الناس في كل عصر ومكان – وإن كانت هذه المسرحيات الذهنية تحمل بعض الإسقاطات على المجتمع في الفترات المختلفة التي كتبت فيها كل مسرحية منها – لأن لتوفيق الحكيم مسرحيات أخرى واقعية عكس فيها رأيه صراحة من كثير من قضايا مجتمعه، وبخاصة مسرحياته القصيرة التي كتبها قبل ثورة ٢٣ يوليو، كمسرحية الجوع، ومسرحية ميلاد بطل، ومسرحية النائبة المحترمة، وغيرها من المسرحيات، كما أنه عرض بعض قضايا المجتمع والسياسة في مسرحيات أخرى نشرها بعد ثورة ٢٣ يوليو وعبر من خلالها عن تطلعات المجتمع لتحقيق أهداف هذه الثورة – كما نرى ذلك في مسرحية الأيدي الناعمة، ومسرحية شمس النهار، ومسرحية صاحبة الجلالة. وبهذا نرى توفيق الحكيم يعرض قضايا مجتمعه بشكل صريح في بعض مسرحياته، ولكن من الواضح أيضا أنه كان في حيرة من أهمية المشاركة بالفعل في ذلك، أو يكتفي بالكلمة فقط، سواء أكان توظيفها بشكل مباشر، أم من خلال الرمز والإسقاط السياسي؟ ووضحت هذه الحيرة عنده من خلال بعض حوارات أجريت معه، ونشرها في كتابه ملامح داخلية.

ونعود إلى مسرحية إيزيس لنحاول أن نستشف منها موقفه من هذه القضية، فلا نراه يجزم بموقف حاسم منها، فهو قد أظهر لنا في هذه المسرحية فنانين – وهما أديبان في الوقت نفسه، فهما يعزفان على الناي إمتاعا للشعب وتسلية له، وفي الوقت نفسه يكتبان خطراتهما الأدبية – وأحد هذين الفنانين هو مسطاط الذي يرى ضرورة وقوف الفنان مع أبناء مجتمعه، ومساعدتهم بكل السبل الممكنة، بما في ذلك قضاء حوائجهم، والتسرية عنهم، ولكن مسطاط يرفض خلال وقوفه مع قضايا مجتمعه استخدام وسائل غير شريفة في ذلك؛ ولهذا رفض أن يشترك مع إيزيس في الحيلة التي تدبرها؛ لتمكين ابنها حوريس من الوصول لحكم مصر بعد أن استولى طيفون عليه بمكيدة، وأبعد عنه حكم ملكها اوزوريس، وقتله بعد ذلك، فعندما عرف مسطاط أن إيزيس قد رشت شيخ البلد المعرف بفساده من أجل أن يعينها في وصول ابنها حوريس لحكم البلاد على حساب طيفون المغتصب له رفض المشاركة في ذلك، رغم علمه بأحقية حوريس في حكم مصر عن طيفون، ولكنه لا يستسيغ استخدام الوسائل غير الشريفة من أجل الوصول لأهداف نبيلة.أما الفنان توت فموقفه مختلف عن مسطاط في هذه المسرحية، فتوت يشعر بالملل أحيانا من لجوء بعض الناس البسطاء له؛ ليساعدهم في المتاعب التي يتعرضون لها، وبخاصة من شيخ البلد الذي اعتاد سلب أي شيء يمكن أخذه منهم بالمكر أو بالقوة، وكذلك نرى توت في هذه المسرحية يوافق إيزيس على أن وصول توت لحكم البلاد وإزاحة طيفون منه لا يمكن أن يتم بالوسائل النزيهة فقط؛ ولهذا يوافقها على العمل معها في رشوة شيخ البلد؛ ليقف معهما حتى يتم التغلب على مكر طيفون، ويصل حوريس لحكم البلاد، وينجحان في ذلك.وبهذا يمكن أن نستشف من هذه المسرحية أهمية وقوف الفنان مع أمته معبرا عن قضاياها، ومعينا لمن يحتاجه منها، وأن هناك من الفنانين من يرون أن الغاية تبرر الوسيلة في طريقة تأييده لقضايا أمته الكبرى، كتوت في هذه المسرحية، ومنهم من يرى أن يكون دور الفنان مع أمته في تأييدها في قضاياها مرهونا دائما باستخدامه للوسائل النبيلة في ذلك، كما كان حال مسطاط في هذه المسرحية.

وأنتهي من كل ذلك إلى ما ذكرته من قبل؛ في أن هذه المسرحية لا تعطي قولا فصلا في موقف الفنان من قضايا أمته في مشاركته فيها بالفن وحده أو بالفن والفعل؟ كما أنها لا تعطي قولا حاسما في الوسائل التي يمكن أن يستخدمها الفنان – أو الأديب أو المفكر – في مساندة مجتمعه في القضايا الكبرى، بين من يرى أن الوسائل النبيلة هي الوحيدة التي تستخدم في ذلك، ومن يرى أن الغاية النبيلة يمكن أن تبرر استخدام وسائل غير نبيلة في ذلك.

بقلم د. علي خليفة

أخر المقالات

منكم وإليكم