

من خشبة دمشق إلى شاشة العالم
من خشبة أبي خليل إلى قصيدة نزار وشاشة صباح… حكاية عائلة حملت دمشق إلى العالم
أبو خليل القباني وسلالة الفن التي أنجبت الشاعر: نزار قباني والمصور:صباح قباني
أبو خليل فتح الستارة، نزار فتح القصيدة، وصباح فتح الشاشة..
ثلاثة أجيال، وثلاثة مسارات للفن والثقافة، تبدأ من دمشق وتصل إلى العالم.
أبو خليل القباني:
سيرة دمشقي حمل المسرح العربي من الأزقة إلى شيكاغو
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير: إيليت فوتو آرت
في تاريخ المسرح العربي أسماءٌ كثيرة مرّت على الخشبة، وأسماءٌ قليلة صنعت الخشبة نفسها. وبين هؤلاء ينهض اسم أبي خليل القباني بوصفه واحداً من أولئك الذين لم ينظروا إلى المسرح باعتباره مكاناً للفرجة فحسب، بل باعتباره وسيلة لإعادة ترتيب علاقة الإنسان العربي بالصوت والصورة والحكاية والفضاء العام.
كان القباني ابن دمشق، لكن تجربته تجاوزت حدود المدينة منذ لحظتها الأولى. خرج من بيئة اجتماعية وثقافية كانت تنظر إلى المسرح بعين الريبة، ليحوّل الغناء والحكاية والموسيقى والتمثيل إلى لغة فنية واحدة. ثم حمل تلك اللغة من دمشق إلى القاهرة، قبل أن تبلغ، في واحدة من أكثر صفحات سيرته إثارة، مدينة شيكاغو سنة 1893، حيث وقف المسرح العربي على مسافة آلاف الأميال من موطنه الأول، أمام جمهور أميركي جاء إلى معرض عالمي يحتفي بالصناعة والتكنولوجيا وصور العالم وثقافاته.
وهكذا تبدو سيرة القباني، عند النظر إليها من مسافتها التاريخية، أشبه برحلة طويلة للمسرح العربي نفسه: من الحارة إلى المدينة، ومن المدينة إلى الوطن العربي، ومن الوطن العربي إلى العالم.
دمشق التي كان عليها أن تتعلم كيف ترى نفسها على الخشبة
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كانت دمشق تعيش على تخوم تحولات عميقة. المدينة القديمة، بأحيائها وأسواقها وبيوتها ومقاهيها، كانت تحمل تراثاً موسيقياً وغنائياً غنياً، لكنها لم تكن قد اعتادت أن ترى الحكاية العربية وقد تحولت إلى مشهد مسرحي متكامل أمام جمهور يجلس ليتابع ممثلين وشخصيات وديكوراً وموسيقى وحركة.
في هذه البيئة ظهر أحمد أبو خليل القباني، المولود في دمشق سنة 1835، ليجرب شيئاً كان يبدو في بداياته أقرب إلى المغامرة منه إلى المشروع الفني المكتمل.
لم يكن القباني ممثلاً بالمعنى الضيق للكلمة. كان موسيقياً وملحناً ومؤلفاً ومخرجاً ومنظماً للعروض، وكان يرى أن المسرح لا يعيش بالنص وحده. لذلك جاءت عروضه مركبة من الغناء والموسيقى والحوار والحركة والمشهد البصري، في صيغة تستجيب للذائقة المحلية ولا تقطع في الوقت نفسه مع فكرة المسرح الحديث.
كان يعرف أن الجمهور الدمشقي يعرف الحكاية، لكنه أراد أن يمنحه الحكاية في صورة أخرى: أن يسمعها ويرى شخصياتها تتحرك أمامه، وأن تصبح الموسيقى جزءاً من البناء الدرامي لا مجرد زينة صوتية.
ومن هنا يمكن فهم القباني باعتباره أحد رواد تحويل التراث الشفهي والموسيقي إلى مادة مسرحية قابلة للعرض.
حين تصبح الخشبة سؤالاً اجتماعياً
لم تكن المشكلة التي واجهها القباني مشكلة فنية فقط.
فالمسرح، في تلك المرحلة، كان يعني فتح باب جديد في المجال العام. وكان ظهور الممثلين والمغنين والمغنيات على الخشبة، وتقديم الحكايات الغرامية والتاريخية، وإعادة توزيع الأدوار بين الرجال والنساء والفنانين والجمهور، يلامس أسئلة اجتماعية تتجاوز حدود العرض نفسه.
ولهذا تعرض مشروعه للمواجهة والمنع والإغلاق.
وتكمن أهمية هذه المرحلة في أن القباني لم يكن يصطدم بمجرد ذائقة محافظة تجاه شكل فني جديد؛ بل كان المسرح نفسه يمثل انتقالاً في طريقة رؤية المجتمع للفن. فالخشبة تجعل ما كان يحدث في الغرف والمجالس والحكايات الشفهية مرئياً أمام الجمهور.
ومن هنا اكتسب المسرح القباني معنى يتجاوز الترفيه.
لقد كان يقول، عملياً، إن الفن يمكن أن يكون فضاءً عاماً، وإن الحكاية العربية يمكن أن تنتقل من الذاكرة إلى المشهد، ومن السماع إلى الرؤية.
من دمشق إلى مصر: الرحيل الذي صار بداية أخرى
حين ضاقت دمشق بالمشروع المسرحي، اتجه القباني إلى مصر.
وقد يبدو الرحيل، للوهلة الأولى، كأنه نهاية فصل دمشقي. لكنه في الحقيقة كان بداية مرحلة جديدة.
في القاهرة وجد القباني بيئة أكثر اتساعاً للنشاط المسرحي، وواصل بناء فرقته وتطوير عروضه. وهناك أخذ مشروعه شكلاً أكثر نضجاً، وأصبح المسرح جزءاً من حركة فنية عربية آخذة في التبلور.
ولم تكن مصر بالنسبة إليه مجرد محطة جغرافية، بل كانت مساحة جديدة لاختبار الأفكار التي اصطدمت في دمشق بجدران اجتماعية وثقافية.
لقد انتقل القباني من مدينة أحبها إلى فضاء أوسع، لكنه لم يترك دمشق خلفه.
كان يحملها معه في الموسيقى والحكايات والشخصيات والأزياء والإيقاعات، حتى حين صار يقدم عروضه أمام جمهور مختلف.
ولعل هذه النقطة هي التي تمنح سيرته جانبها الأكثر شاعرية: فالفنان المهاجر لا يحمل معه حقيبة فقط؛ يحمل مدينة كاملة.
القباني: الفنان الذي لم يفصل بين الموسيقى والمسرح
من أهم ما يميز تجربة أبي خليل القباني أنه لم يتعامل مع الموسيقى بوصفها فاصلاً بين مشاهد المسرحية.
كانت الموسيقى عنده جزءاً من اللغة الدرامية.
وهذا ما يفسر استمرار عدد من ألحانه وموشحاته في الذاكرة الموسيقية العربية حتى اليوم، وظهورها لاحقاً في أداء مطربين كبار، ومن بينهم صباح فخري.
وتشير مصادر فنية إلى أن موشح «ما لعيني أبصرت» ارتبط باسم القباني في عدد من المراجع، ثم عرف انتشاراً واسعاً بأصوات لاحقة، ومنها صوت صباح فخري. غير أن نسب بعض الأعمال التراثية إلى مؤلف بعينه ظل موضع اختلاف في بعض التسجيلات والمراجع، وهو أمر مفهوم في تراث شفهي سبق عصر التسجيل والتوثيق الموسيقي المنهجي.
وهنا تكمن مفارقة جميلة: القباني الذي كان يعمل في زمن لم تكن فيه تقنيات التسجيل الحديثة متاحة، بقي حياً من خلال أصوات الآخرين.
لقد انتقلت بعض أعماله من حناجر تلامذته والمغنين من بعده إلى الإذاعة والأسطوانات، ثم إلى ذاكرة الجمهور العربي.
وبذلك أصبح المسرح الذي صنعه في القرن التاسع عشر جزءاً من موسيقى القرن العشرين.
1893: حين أبحر المسرح العربي نحو أميركا
ثم تأتي سنة 1893.
عامٌ استثنائي في تاريخ العالم الحديث، شهد إقامة المعرض الكولومبي العالمي في شيكاغو، ذلك الحدث الضخم الذي أرادت الولايات المتحدة من خلاله أن تعرض أمام العالم صورة عن قوتها الصناعية والعلمية والعمرانية.
كان المعرض مدينة داخل مدينة.
أجنحة، مبانٍ، عروض، صناعات، تقنيات، شعوب، ثقافات، ومشاهد مصممة لتقديم العالم إلى جمهور أميركي واسع.
وفي هذا المشهد العالمي ظهر المسرح العثماني في المعرض، ضمن منطقة “ميدواي بليزانس”، حيث قُدمت عروض مرتبطة بالثقافات الشرقية. وتوثق دراسة أكاديمية من جامعة بوغازيتشي وجود المسرح التركي في المعرض، كما تحفظ برامج العرض ومصادر عثمانية وأميركية تفاصيل مهمة عن نشاطه.
وكان أبو خليل القباني من أبرز الأسماء المرتبطة بهذا الحضور المسرحي.
هنا تصبح الحكاية أكثر إثارة.
فالرجل الذي بدأ مشروعه المسرحي في دمشق، وواجه الاعتراض والإغلاق، وجد نفسه بعد سنوات على خشبة في قلب أميركا.
لم يعد الجمهور أمامه جمهور حارة دمشقية أو مدينة عربية.
كان أمامه جمهور عالمي، في واحدة من أكبر التظاهرات الدولية في ذلك العصر.
«مرسح العادات الشرقية»… دمشق أمام العالم
تشير الوثائق التي جمعها ودرسها الباحث تيسير خلف إلى أن الفرقة التي ارتبطت بالقباني ضمت عشرات الفنانين والموسيقيين والمغنين والراقصين، وأن الصحافة العربية والأميركية تابعت وصولها إلى الولايات المتحدة ثم انتقالها إلى شيكاغو. كما اعتمد خلف في إعادة بناء الرحلة على الصحافة الأميركية والعربية، إلى جانب الوثائق العثمانية والأميركية.
وكان البرنامج المسرحي متنوعاً، يضم مشاهد وحكايات من الموروث العربي والشرقي، ومن بينها عنترة بن شداد، وهارون الرشيد، والعرس الدمشقي، إلى جانب عروض ومشاهد أخرى.
واللافت أن العروض قُدمت بالعربية مع ترجمة إلى الإنجليزية، وفق الدراسة الأكاديمية التي تناولت المسرح العثماني في المعرض.
وهذه التفصيلة وحدها تكفي لتكشف طبيعة اللحظة.
كان الجمهور الأميركي يشاهد ممثلين عرباً يتحدثون لغتهم على الخشبة، فيما تصل الحكاية إليه عبر الترجمة.
أي أن المسرح لم يكن مجرد استعراض لـ«الشرق» أمام الغرب، بل كان الشرق يتحدث، قدر الإمكان، بلغته عن نفسه.
عنترة وهارون الرشيد والعرس الدمشقي
حين ظهر عنترة بن شداد على خشبة في شيكاغو، لم يكن مجرد شخصية من الماضي العربي.
كان يحمل معه منظومة كاملة من الصور والأخلاق والحب والفروسية والشعر والصراع.
وحين ظهر العرس الدمشقي، لم يكن مجرد لوحة فولكلورية؛ كان محاولة لتقديم الحياة الاجتماعية السورية كما يتخيلها أهلها وكما يمارسونها، في مقابل الصور التي اعتاد الغرب أن ينسجها عن الشرق من خلال الكتب واللوحات والرحلات الاستشراقية.
أما هارون الرشيد، فقد جاء من منطقة أخرى من الذاكرة العربية، حيث تختلط السياسة بالحكاية والمدينة بالأسطورة.
وهكذا لم يكن برنامج القباني مجرد مجموعة عروض منفصلة.
كان، بطريقة أو بأخرى، أرشيفاً حياً للخيال العربي.
الشرق الذي يروي نفسه
كانت المعارض العالمية في القرن التاسع عشر مسارح كبرى للهوية أيضاً.
الدول تعرض منتجاتها وصناعاتها، والشعوب تعرض ثقافاتها، وكل طرف يحاول أن يصوغ صورة عن نفسه أمام الآخر.
لكن المشكلة أن صورة الشرق في المخيال الغربي كانت قد تشكلت طويلاً عبر كتابات الرحالة والفنانين والمستشرقين.
في شيكاغو حدث شيء مختلف.
فبدلاً من أن يكون العربي موضوعاً في لوحة أو وصفاً في كتاب، أصبح حاضراً على الخشبة، يتكلم ويتحرك ويغني ويمثل.
ومن هنا يمكن قراءة تجربة القباني بوصفها واحدة من لحظات التواصل الثقافي المباشر بين الشرق والغرب.
لم يعد الشرق مجرد ديكور.
لقد أصبح مؤدياً.
وهذه نقلة ثقافية لا ينبغي الاستهانة بها.
«كوكب أميركا»… الصحيفة التي حفظت أثراً من الرحلة
ولولا الصحافة العربية في الولايات المتحدة، لربما بقيت رحلة القباني إلى شيكاغو غارقة في منطقة الظلال.
كانت جريدة «كوكب أميركا»، الصادرة في نيويورك، من أهم الشواهد المعاصرة على حركة الفنانين السوريين والعرب في الولايات المتحدة خلال تلك المرحلة. وتوجد أعداد من الجريدة محفوظة ضمن مجموعات أرشيفية، بينها أعداد تعود إلى سنة 1893.
وتشير مواد صحفية ودراسات حديثة إلى أن الجريدة نشرت أخباراً عن وصول أبي خليل القباني وفرقته إلى نيويورك، قبل توجههم إلى شيكاغو.
وهنا تظهر قيمة الصحافة بوصفها ذاكرة ثانية للفن.
فالفنان قد يختفي.
والخشبة قد تهدم.
والديكور قد يحترق.
والأصوات قد تسكت.
لكن خبراً صغيراً في صحيفة قد يبقى أكثر من قرن ليعيد إلينا اسماً كان على وشك أن يختفي.
رحلة أعاد تيسير خلف اكتشافها
ظل حضور القباني في شيكاغو زمناً طويلاً موضع التباس في بعض الكتابات التاريخية، قبل أن يعمل الباحث والكاتب تيسير خلف على تتبع الخيوط المتناثرة في الصحف والوثائق.
وفي كتابه «من دمشق إلى شيكاغو: رحلة أبي خليل القباني إلى أميركا 1893» أعاد خلف بناء الرحلة اعتماداً على مواد أرشيفية متعددة، بينها الصحف العربية والأميركية والوثائق العثمانية ووثائق الخارجية الأميركية. وقد صدر الكتاب عام 2018 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ضمن مشروع «ارتياد الآفاق»، ونال عن عمله جائزة ابن بطوطة.
وهذه ليست مجرد إضافة تفصيلية إلى سيرة فنان.
إنها إعادة اكتشاف فصل كامل من تاريخ المسرح العربي.
فإذا كانت دمشق والقاهرة تمثلان الجذور، فإن شيكاغو تكشف مدى اتساع أفق المشروع القباني.
لقد وصل المسرح العربي، في القرن التاسع عشر، إلى واحدة من أهم المدن الأميركية في لحظة كانت فيها الولايات المتحدة تقدم نفسها بوصفها قوة صناعية وثقافية صاعدة.
عندما تدخل السياسة من باب المسرح
لكن الخشبة لم تكن بعيدة عن السياسة.
فالفرقة كانت تعمل ضمن إطار عثماني، والعروض التي قدمت صورة العرب والمسلمين والشرق لم تكن مجرد شأن فني بالنسبة إلى الإدارة العثمانية.
وقد كشفت الوثائق التي درسها تيسير خلف عن وجود ردود فعل ومراسلات رسمية عثمانية مرتبطة بالحركة الفنية في المعرض، وهو ما يكشف أن المسرح كان يتحول، من دون أن يقصد الفنان دائماً، إلى مجال تتقاطع فيه الثقافة مع السياسة وتمثيل الهوية.
وهنا تصبح الخشبة أكثر من مكان للفرجة.
إنها مكان لصراع الصور.
من نحن؟
كيف نريد للآخر أن يرانا؟
ومن يملك حق تعريف الشرق؟
وهل يستطيع الفنان أن يقدم صورة مختلفة عن تلك التي صنعتها الكتب والصور الاستشراقية؟
هذه الأسئلة لم تكن تُطرح بالصيغة النظرية التي نعرفها اليوم، لكنها كانت حاضرة في قلب التجربة.
جمهور أميركي يكتشف فناً عربياً
تكشف الدراسة الأكاديمية للمسرح التركي في معرض شيكاغو أن العروض جذبت اهتمام الجمهور، وأن المسرح كان جزءاً من المشهد الترفيهي والثقافي للمعرض. كما تشير المصادر إلى اهتمام الصحافة بالأداء المسرحي والموسيقى والمشهدية وتقنيات العرض.
وهنا تظهر ميزة أساسية في تجربة القباني.
فهو لم يذهب إلى أميركا ليعرض «تراثاً» ساكناً.
بل ذهب بعرض مسرحي حي.
ممثلون يتحركون.
مغنون يغنون.
موسيقيون يعزفون.
شخصيات تظهر وتختفي.
أزياء وألوان وإيقاعات.
جمهور يجلس في الصالة.
وخلف كل ذلك مدينة بعيدة اسمها دمشق.
الفنانون الذين كاد النسيان أن يبتلعهم
ومن أكثر الجوانب إيلاماً في قصة الرحلة أن التاريخ احتفظ باسم القباني بدرجة أكبر مما احتفظ بأسماء كثير من الذين رافقوه.
لكن المسرح لا يصنعه رجل واحد.
وراء كل اسم كبير مجموعة من الممثلين والمغنين والموسيقيين والراقصين والعاملين خلف الستار.
وتكشف الوثائق التي جمعها تيسير خلف عن عشرات المشاركين في الرحلة، بينهم فنانات وفنانون، بما يتيح إعادة النظر في تاريخ المسرح العربي باعتباره تجربة جماعية لا بطولة فردية فقط.
وهؤلاء يستحقون أن يُستعادوا من الهامش.
فالتاريخ الفني كثيراً ما يحتفظ باسم المؤلف أو المخرج، ثم يترك بقية الفرقة في عتمة الأرشيف.
لكن الخشبة تعرف الحقيقة.
تعرف أن الضوء لا يكتمل بممثل واحد.
الصوت الذي بقي بعد أن اختفت الخشبة
كان معرض شيكاغو أيضاً جزءاً من عصر جديد في تاريخ الصوت.
لقد بدأت تقنيات التسجيل الصوتي تمنح البشر إمكانية الاحتفاظ بالأصوات خارج لحظة الأداء.
ومن المفارقات الجميلة أن القرن الذي شهد صعود القباني شهد كذلك بدايات حفظ الموسيقى والأصوات على وسائط تسجيل بدائية، قبل أن تتطور صناعة الأسطوانات والإذاعة.
وهكذا انتقل الفن العربي تدريجياً من فضاء الذاكرة الشفوية إلى فضاء الأرشيف الصوتي.
لكن كثيراً من نسبة التسجيلات والأسماء المرتبطة بفناني ذلك العصر تحتاج إلى التعامل معها بحذر، لأن المصادر المتاحة لا تكون دائماً متفقة في تحديد المؤدي أو المؤلف أو تاريخ التسجيل.
وهذا مهم خصوصاً عند الحديث عن أسماء مثل ملكة سرور وعن التسجيلات المبكرة المرتبطة بالوجود السوري والعربي في الولايات المتحدة.
فالقيمة التاريخية لهذه التسجيلات لا تكمن فقط في كونها أصواتاً قديمة، بل في أنها تمنحنا إحساساً نادراً بوجود صوت عربي فعلي في أميركا في نهاية القرن التاسع عشر.
من «المسرح» إلى مفهوم الصورة
بالنسبة إلى مجلة فنية تهتم بالصورة، تبدو تجربة القباني أكثر إثارة من مجرد كونها قصة مسرحية.
فالمسرح في جوهره فن بصري.
والقباني كان يدرك ذلك.
لم يكن يكفي أن يُسمع النص.
كان ينبغي أن يُرى.
الأزياء جزء من الحكاية.
الحركة جزء من المعنى.
الموسيقى تغير الإيقاع البصري.
الإضاءة ــ ضمن حدود تقنيات ذلك الزمن ــ تصنع المناخ.
والجمهور نفسه يصبح جزءاً من الصورة.
لذلك يمكن النظر إلى عروض القباني بوصفها من البدايات العربية المبكرة لما يمكن تسميته فن الصورة المسرحية.
إنه لا يقدم حكاية فقط، بل يبني عالماً.
وهذا العالم هو الذي يسافر.
دمشق التي وصلت إلى شيكاغو
في النهاية، ليست القيمة الحقيقية في رحلة القباني أنه وصل إلى أميركا فحسب.
القيمة في أنه وصل إليها حاملاً معه مدينة.
حين قدم العرس الدمشقي، كانت دمشق حاضرة.
حين ظهر عنترة، كانت الذاكرة العربية حاضرة.
حين عزفت الموسيقى، كانت بلاد الشام حاضرة.
وحين نطقت الشخصيات بالعربية أمام جمهور أميركي، كانت اللغة نفسها تعبر المحيط.
وهكذا تحولت الخشبة إلى سفينة أخرى.
سفينة لا تحمل البشر فقط، بل تحمل صورهم عن أنفسهم.
من الحارة إلى العالم
يمكن قراءة حياة أبي خليل القباني باعتبارها مساراً من ثلاث حركات.
الحركة الأولى: دمشق.
حيث يولد السؤال: هل يمكن أن يكون المسرح فناً عربياً؟
الحركة الثانية: مصر.
حيث تتسع التجربة ويتحول المسرح إلى مشروع أكثر انتظاماً واتصالاً بالحياة الفنية العربية.
الحركة الثالثة: شيكاغو.
حيث يصبح السؤال مختلفاً: هل يستطيع المسرح العربي أن يتحدث إلى العالم؟
والإجابة جاءت فوق الخشبة.
نعم.
ليس لأن القباني قدّم فناً مثالياً أو مكتمل الأدوات، بل لأنه امتلك الجرأة على عبور الحدود الفنية والجغرافية والثقافية.
القباني لم يكن مجرد رائد مسرح
من السهل أن نضع أبا خليل القباني في خانة «رائد المسرح العربي» ثم نغلق الملف.
لكن هذا الاختزال يظلمه.
فالقباني كان جزءاً من لحظة عربية واسعة بدأت فيها الفنون تعيد اكتشاف إمكاناتها.
كان المسرح يخرج من التمثيل التقليدي.
والموسيقى تنتقل إلى أشكال جديدة.
والصحافة تصنع جمهوراً جديداً.
والمدينة العربية تدخل تدريجياً في زمن الصورة والفرجة الجماعية.
ومن داخل هذا التحول، كان القباني واحداً من الفنانين الذين فهموا أن الحداثة ليست استيراد شكل أوروبي جاهز، وإنما القدرة على تحويل العناصر المحلية إلى فن جديد.
لقد أخذ الحكاية العربية والموسيقى الشامية والشخصيات التاريخية والموشحات والأزياء والحركة، ثم وضعها في بناء مسرحي.
وهذه، في حد ذاتها، فكرة حداثية.
آخر الستارة
حين ننظر اليوم إلى أبي خليل القباني، لا ينبغي أن نتذكر فقط الرجل الذي وقف على خشبة دمشق ثم غادرها.
علينا أن نتذكر الفنان الذي آمن بأن الخشبة تستطيع أن تكون وطناً مؤقتاً.
كلما أُغلقت خشبة، حملها معه.
وكلما ضاق المكان، اتسعت الرحلة.
من دمشق إلى القاهرة.
ومن القاهرة إلى شيكاغو.
ومن المسرح إلى الموسيقى.
ومن الموسيقى إلى الذاكرة.
ومن الذاكرة إلى الأرشيف.
ومن الأرشيف إلى حاضرنا.
وربما لهذا تبدو سيرته، بعد أكثر من قرن، كأنها لم تنته بعد.
فالقباني لم يترك لنا مسرحاً قائماً فقط؛ ترك لنا سؤالاً.
سؤالاً عن قدرة الفنان على أن يفتح نافذة حين تغلق الأبواب.
وعن قدرة الفن على أن يعبر الحدود من دون جواز سفر.
وعن مدينة تستطيع، من خلال واحد من أبنائها، أن تقف ذات يوم على خشبة بعيدة جداً، في شيكاغو، وتقول للعالم:
هذه دمشق… وهذا صوتها.
ولذلك فإن رحلة أبي خليل القباني إلى شيكاغو لا تبدو اليوم مجرد رحلة فنان يبحث عن جمهور، ولا مجرد واقعة عابرة في سجل المعارض العالمية.
إنها واحدة من اللحظات التي خرج فيها المسرح العربي من هامشه المحلي، واختبر للمرة الأولى تقريباً معنى أن يقدم نفسه أمام عالم واسع.
لقد بدأ القباني من أزقة دمشق، لكنه لم ينتهِ عند حدودها.
وبين الحارة الدمشقية ومدينة شيكاغو، قطع المسرح العربي مسافة جغرافية هائلة، لكنه قطع أيضاً مسافة أكبر في الوعي:
من أن يكون الفن فرجةً على العالم، إلى أن يصبح الفن وسيلةً لأن يرى العالمُ نفسه من خلالنا.
مراجع ومصادر مختارة
- تيسير خلف، «من دمشق إلى شيكاغو: رحلة أبي خليل القباني إلى أميركا 1893»، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2018. الكتاب اعتمد على الصحافة العربية والأميركية والوثائق العثمانية والأميركية، وأعاد بناء تفاصيل الرحلة التي ظلت طويلاً مجهولة أو ملتبسة في المصادر.
- Kawkab America / كوكب أميركا، أرشيف الصحيفة العربية الصادرة في نيويورك، ومنه أعداد تعود إلى سنة 1893، وهي من المصادر المعاصرة المهمة لتتبع حضور الفنانين السوريين والعرب في الولايات المتحدة.
- دراسة أكاديمية عن المسرح التركي في المعرض الكولومبي العالمي بشيكاغو 1893، محفوظة في الأرشيف الرقمي لجامعة بوغازيتشي، وتتناول مصادر البرنامج المسرحي والعروض وموقع المسرح ضمن المعرض.
- مصادر ودراسات حديثة حول تراث أبي خليل القباني الموسيقي، ومنها ما يتناول استمرار موشحاته وأعماله في أداء مطربين لاحقين، ومنهم صباح فخري.
- أرشيفات ومجموعات مكتبة الكونغرس المتعلقة بالوجود السوري والعربي في الولايات المتحدة خلال تلك الحقبة، بوصفها جزءاً من الذاكرة البصرية والتوثيقية لعصر المعرض والهجرة العربية المبكرة.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت


