كتب الناقد الفني: عدنان حميدة..حين يصبح الفن مرآةً لعلاقة المجتمع الفني بمحيطه.متحدثا عن معرض «لِلفن أثر 2026م» اقامته وزارة الثقافة السورية للفنون البصرية .

بقلم: عدنان حميدة.
حين يصبح الفن مرآةً لعلاقة المجتمع الفني بمحيطه
في رأيي، كان المعرض السنوي السوري للفنون البصرية «لِلفن أثر 2026»، الذي أقامته وزارة الثقافة مشكورة في المركز الوطني للفنون البصرية بدمشق، من أهم الأحداث الثقافية التي شهدتها سوريا بعد التحرير.
ولا أقول ذلك بسبب حجم المشاركة وحده، رغم أن المعرض جمع 197 فنانة وفناناً وأكثر من 200 عمل فني، وإنما لأنني رأيت فيه شيئاً يتجاوز فكرة المعرض الجماعي. رأيت فيه محاولة لرسم صورة واسعة للمشهد التشكيلي السوري في لحظة تاريخية جديدة.
لقد بدا المعرض لي أقرب إلى بانوراما للفن التشكيلي والمجتمع السوري معاً.
ففي قاعاته اجتمعت أجيال مختلفة، من فنانين لهم حضورهم وتجاربهم الطويلة، إلى أسماء شابة تخطو خطواتها الأولى أو المبكرة في المشهد الفني. وكانت أهمية هذه المشاركة المشتركة أن الشاب لم يعد يقف خارج المشهد منتظراً أن يأتي دوره بعد عقود، بل وجد نفسه إلى جانب أسماء سبقته، يرى تجربته في السياق الأوسع للفن السوري.
وهذا أمر مهم جداً.
فالمشهد الفني الصحي لا يقوم على جيل واحد، ولا على اتجاه واحد، ولا على أسماء بعينها. إنه يتشكل من تراكم التجارب وتجاورها واختلافها.
ولذلك فإنني أرى أن اجتماع هذه الأجيال في معرض واحد كان بحد ذاته رسالة.
لا ننسى من صنعوا تاريخنا
ومن أجمل الرسائل التي حملها المعرض، وربما أكثرها إنسانية، تكريم مجموعة من الفنانين السوريين الراحلين: ليلى نصير، الياس زيات ، أسعد عرابي، ومروان قصاب باشي.
قد يبدو تكريم الراحلين تفصيلاً ضمن برنامج المعرض، لكنه في الحقيقة يحمل معنى عميقاً.
فالرسالة التي وصلتني من هذا التكريم هي أن سوريا الجديدة، وهي تنظر إلى المستقبل، لا تنسى الذين صنعوا جزءاً من تاريخها الفني.
إن الأمم لا تبني مستقبلها بمحو ذاكرتها.
والفن، أكثر من أي مجال آخر، يقوم على التراكم. كل فنان يأتي بعد فنان، وكل تجربة تفتح الباب لتجربة أخرى، وما نراه اليوم لم يولد من فراغ.
ولهذا فإن استحضار أسماء فنانين رحلوا، إلى جانب عرض أعمال أجيال حاضرة، صنع جسراً جميلاً بين الذاكرة والمستقبل.
وكأن وزارة الثقافة تقول للفنان الشاب:
أنت تبدأ اليوم، لكنك لست بلا تاريخ.
وهذا، في رأيي، من أجمل ما يمكن أن تقدمه مؤسسة ثقافية لفنانيها.
معرض متنوع… ومستويات متفاوتة
بطبيعة الحال، كانت هناك مستويات فنية متفاوتة بين الأعمال المشاركة، وهذا أمر طبيعي في معرض يضم هذا العدد الكبير من الفنانين والأجيال والاتجاهات.
لكنني، من خلال مشاهدتي، وجدت أن المستوى العام كان جيداً فما فوق، وهذا أمر مهم في معرض بهذه الأهمية.
ولست من الذين يرون أن اختلاف المستويات عيب بحد ذاته، فالمعرض الذي يجمع جيلاً شاباً مع فنانين ذوي خبرة طويلة لا يمكن أن يكون متجانساً تماماً.
بل ربما تكون قيمة المعرض في هذا التنوع نفسه.
ومع ذلك، فإن للانتقاء هنا أهمية خاصة.
فهذا ليس معرضاً خاصاً محدود التأثير، بل هو معرض تقيمه وزارة الثقافة في المركز الوطني للفنون البصرية، وتراقبه عيون سورية وعربية وأوروبية. ولذلك فإن مسؤولية الاختيار تصبح أكبر، لأن المعرض يقدم صورة عن الفن السوري أمام جمهور يتابع ما يحدث في سوريا اليوم.
وقد علمت أن لجنة التحكيم عملت بسرية، بحيث لا يعرف أحد أصحاب الأعمال أثناء عملية الاختيار، وهذه خطوة مهنية مهمة في رأيي.
وقد اعترض بعض الفنانين الذين لم تُقبل أعمالهم، وهذا أمر طبيعي في أي معرض يقوم على الانتقاء.
وقد يكون لبعض الاعتراضات ما يستحق النقاش، فاللجان ليست معصومة من الخطأ، لكنني أثق باللجنة التي اختارتها الوزارة، وأرى أن من حقها أن تمارس دورها المهني في الانتقاء.
ومن خلال اطلاعي على عدد من الأعمال التي لم تُقبل، وجدت أن بعضها، من وجهة نظري، لم يكن قد وصل بعد إلى المستوى الذي يؤهله للمشاركة في معرض بهذه الأهمية.
وهذا ليس انتقاصاً من أصحاب هذه التجارب.
هناك فرق كبير بين أن نقول للفنان إن عمله لم يُقبل في معرض معين، وبين أن نقول له إن تجربته لا قيمة لها.
الرفض في معرض لا يعني رفض الفنان.
بل ربما يكون أحياناً دعوة غير مباشرة إلى مزيد من البحث والتجريب والنضج.
وأعتقد أننا بحاجة اليوم إلى هذا النوع من الصراحة المهنية، لأن مجاملة الفنان لا تساعده دائماً، بينما النقد الصادق يمكن أن يساعده على رؤية موقعه الحقيقي والانطلاق منه نحو الأفضل.
الحرية التي تظهر على الجدران
ما لفتني بصورة خاصة في المعرض هو ارتفاع سقف الحرية في طرح الموضوعات والتعبير عنها.
كانت هناك تجارب تتناول الذاكرة والفقد والعنف والاقتلاع، وأخرى تذهب نحو الطبيعة والتجريد واللون والتجريب، إلى جانب أعمال في النحت والغرافيك والخط العربي والخزف والتصوير الضوئي. وهذا التنوع نفسه يعكس تعدد المسارات التي يتحرك فيها الفن السوري اليوم.
وهنا أعتقد أن المعرض قدم شيئاً يتجاوز الفن نفسه.
فالفن التشكيلي لا يعكس فقط علاقة الفنان بمجتمعه، وإنما يعكس أيضاً، بطريقة عميقة، علاقة المجتمع بدولته.
عندما يخاف الفنان، يظهر الخوف في العمل الفني، حتى لو لم يُذكر الخوف صراحة.
وعندما يشعر بأن مساحة التعبير تتسع، تبدأ الأسئلة بالظهور.
وقد لفتني أيضاً تقبل السيد وزير الثقافة محمد ياسين الصالح للحوار والترحيب بالفنانين حتى من الذين يختلفون معه في الرأي أو التوجه الشخصي.
وهذا بالنسبة لي ليس تفصيلاً بروتوكولياً.
أن تستطيع المؤسسة الثقافية أن تستمع إلى من يختلف معها، وأن يبقى الاختلاف ممكناً داخل الفضاء الثقافي، فهذا يعني أن الثقافة يمكن أن تكون مساحة للحوار لا مساحة للتطابق.
ولعل هذا ما جعلني أشعر، كما شعر كثير من الحضور من الفنانين والجمهور والضيوف العرب والأوروبيين، بأن هناك مساحة جديدة من التفاؤل.
من معرض إلى تقليد ثقافي
أعتقد أن الخطوة القادمة يجب ألا تكون فقط إقامة المعرض في موعده كل عام، بل تطوير التجربة نفسها. وهذا بالفعل ماتفعله الوزارة.
يمكن أن يصبح «لِلفن أثر» أرشيفاً سنوياً بصرياً لسوريا، نرى من خلال دوراته كيف تتغير الموضوعات والأساليب، وكيف تظهر أجيال جديدة، وكيف يقرأ الفنانون التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية في البلاد.
ومن المفيد أيضاً أن يترافق المعرض مع مزيد من النقد الفني والحوارات المتخصصة، وأن تُعلن معايير الاختيار بوضوح، وأن يصبح رفض العمل، حين يحدث، فرصة للتعلم لا سبباً للخصومة.
فالمعرض الناجح ليس الذي يرضي الجميع.
المعرض الناجح هو الذي يستطيع أن يمثل اللحظة الفنية بصدق، وأن يفتح المجال للأفضل، وأن يشجع الأقل نضجاً على أن يتقدم.
وهنا أعود إلى فكرة تكريم الراحلين.
فوجود ليلى نصير وفاتح المدرس وأسعد عرابي ومروان قصاب باشي في ذاكرة المعرض، إلى جانب الفنانين الذين يعملون اليوم، يجعل المشهد أكثر اكتمالاً.
هناك من رحلوا.
وهناك من يواصلون.
وهناك جيل جديد يدخل الآن.
وهكذا يتحول المعرض من مجموعة لوحات معلقة على الجدران إلى سلسلة زمنية للفن السوري: ذاكرة، وحاضر، ومستقبل.
وفي النهاية، لا تحتاج سوريا إلى أن تثبت للعالم أن لديها تاريخاً تشكيلياً عريقاً.
هذا التاريخ موجود، وأسماء من كرمهم المعرض جزء من هذا التاريخ.
ما نحتاجه اليوم هو أن نثبت أن هذا التاريخ قادر على إنتاج حاضر جديد يليق به، وأن الفن السوري يستطيع أن يفتح نافذته على العالم من دون أن يفقد ذاكرته، وأن ينظر إلى المستقبل من دون أن ينسى الذين مهدوا الطريق.
لهذا كله أرى أن «لِلفن أثر 2026» لم يكن مجرد معرض سنوي.
لقد كان أثراً من آثار المرحلة الجديدة نفسها

أخر المقالات

منكم وإليكم