( كتاب تاريخ الحمصيين لأبي بكر أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي )
وهو من الكتب المفقودة والتي توثق جانباً هاماً من تاريخ مدينة حمص.
تعرض تاريخ مدينة حمص لظلم تاريخي كبير نتيجة فقدان معظم المؤلفات والكتب التراثية القديمة التي خُصصت لتدوين تاريخها. وعلى الرغم من أن مؤرخي الشام الكبار نقلوا مقتطفات من تلك الكتب، إلا أن الأصول لم تصل إلينا وتُصنف ضمن الكتب التاريخية المفقودة.
أبرز هذه الكتب التاريخية المفقودة تشمل:
كتاب تاريخ الحمصيين لأبي بكر أحمد بن عيسى البغدادي (توفي في القرن الثالث الهجري)، ويعد من أقدم المحاولات لإفراد المدينة بكتاب تاريخي مستقل.
كتاب تاريخ حمص(أو جزء حمص) لأبي الحسين عبد الصمد بن سعيد الكندي الحمصي (توفي عام 324 هـ)، والذي ركّز فيه على الصحابة والتابعين والعلماء الذين نزلوا المدينة.[1]
كتاب طبقات أهل حمص لمحمود بن إبراهيم بن سميع الدمشقي الحافظ، وهو كتاب تراجم ومغازي ركّز على الأجناد والعلماء الحمصيين في القرون الهجرية الأولى.
من هو المؤلف
أبو بكر أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي
اللقب: نزيل حمص
وفاته: المتوفي سنة 257 هـ في منتصف القرن الثالث الهجري .
شيوخه: سمع بدمشق إسماعيل بن أبان بن حوي، وأبا زرعة النصري، وأبا القاسم يزيد بن عبد الصمد، وغيرهم
تلاميذه: روى عنه النسائي، ومحمد بن المسيب الأرغياني، وأبو الطيب عمر بن المهلّب، وأبو العباس عبد الله بن أحمد بن وهيب الدمشقي، وعبد الصمد بن سعيد القاضي الحمصي .
تاريخ الحمصيين
حفظت النقولات المأخوذة عن كتاب أبي بكر أحمد بن عيسى البغدادي(تاريخ الحمصيين) تفاصيل عمرانية وهندسية وتاريخية فريدة عن حمص القديمة:[1]
تفاصيل بناء جامع حمص الكبير: نُقلت روايات تبين كيف تم تحويل جزء من كنيسة القديس يوحنا إلى المسجد الجامع بحمص إبان الفتح، وتوزيع المساحات بين المسلمين والمسيحيين آنذاك وفقاً لصلح حمص.
أسوار المدينة وأبوابها: وثقت الاقتباسات أسماء أبواب حمص التاريخية السبعة القديمة (مثل باب الرستن، وباب هود، وباب تدمر) وكيفية توزيع الحراسة عليها بين أجناد القبائل في العهود الإسلامية الأولى.
إلا توجد أي بيانات تاريخية توثق عدد أجزاء أو صفحات كتاب “تاريخ الحمصيين” لأبي بكر أحمد بن عيسى البغدادي.
السبب المباشر في غياب هذه التفاصيل الدقيقة يرجع إلى الآتي:
طبيعة الفقد المبكر: الكتاب فُقد في القرون الهجرية الأولى، ولم يقع بين أيدي كبار المؤرخين الذين اهتموا بفهرسة الكتب وتوصيفها (مثل ابن النديم في كتابه الفهرست أو حاجي خليفة في كشف الظنون).
شهادة الخطيب البغدادي: صرّح الحافظ الخطيب البغدادي (توفي 463 هـ) في كتابه تاريخ بغداد قائلا عن الكتاب وصاحبه: «وله كتاب مصنف في تاريخ الحمصيين… ولم تقع إلينا أحاديثه، ولا عرفناه إلا من جهة بكر (أي راوي الكتاب بكر بن أحمد بن حفص الشعراني)». وهذا يعني أن الكتاب كان مفقوداً بأصله حتى في عصر الخطيب البغدادي قبل نحو ألف عام.
طريقة النقل المحفوظة: كل ما وصَلَنا من هذا الكتاب هو روايات شفوية وأحاديث متفرقة ومقتطفات جغرافية نقلها الرواة والمؤرخون المتأخرون بإسنادهم عن رواة الكتاب، دون أن يتوفر لديهم المخطوط كاملاً لعدّ صفحاته أو حصر أجزائه.
وتجدر الاشارة إلى أن الراوي الوحيد الذي حفظ لنا رواية هذا الكتاب وعُرف من طريقه ونقل عنه الخطيب البغدادي
هو بكر بن أحمد بن حفص الشعراني الحمصي(وقيل العسقلاني).
كيف وصَلَنا الكتاب عبر هذا الراوي؟
لولا هذا الراوي لانقطع ذكر الكتاب تماماً؛ حيث نقل عنه الخطيب البغدادي في تاريخه أن كتاب “تاريخ الحمصيين” لم يُعرف ولم تتصل أسانيده بالمتأخرين إلا من جهة بكر بن أحمد الشعراني. وكان الشعراني ينتقل بين حمص وبغداد وعسقلان، مما ساعده على نشر الروايات التاريخية الشامية بين علماء العراق.
أبرز شيوخ ومصادر مادة الكتاب
بما أن الكتاب كان يُعنى بتراجم رجال حمص ورواة الحديث والفتوح فيها، فقد اعتمد أبو بكر أحمد بن عيسى البغدادي في جمع مادته على طبقة من كبار شيوخ ومحدثي حمص والشام في القرن الثالث الهجري، ومن أبرزهم:
محمد بن مصفى الحمصي: أحد كبار حفاظ ومحدثي حمص، ومنه استقى المؤلف جزءاً كبيراً من أحاديث أهل حمص وأنسابهم.
الحسن بن علي بن عفان: من الشيوخ الذين روى عنهم مادة الفتوحات وأخبار القبائل.
عمرو بن عثمان الحمصي: من الرواة الثقات الذين وثقوا طبقات التابعين في المدينة.
والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هنا :
هل بإمكان الباحثين المعاصرين إعادة جمع مادة هذا الكتاب من بطون أمهات الكتب التراثية؟
في اعتقادي أن ذلك ممكن ،على الرغم من أنه عمل صعب ويحتاج إلى جهد استقصائي شاق يعتمد على تتبع شتات مادة كتاب أبي بكر أحمد بن عيسى البغدادي.
تتمثل آلية جمع المادة التراثية المفقودة لهذا الكتاب في أربع خطوات رئيسية:
- حصر “سلسلة الرواية” (مفاتيح البحث)
يبدأ الباحث بتحديد الاسم الكامل للمؤلف (أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي)، والراوي الوحيد عنه (بكر بن أحمد بن حفص الشعراني)، بالإضافة إلى شيوخ البغدادي في حمص (مثل أحمد بن منيع، والحسن بن عرفة). تصبح هذه الأسماء هي “الكلمات المفتاحية” التي يبحث عنها الباحث في أسانيد الكتب التراثية الأخرى. - التنقيب في “أمهات الكتب الشامية”
يقوم الباحثون بفحص وتصفح الموسوعات التاريخية الكبرى التي نَقَلتْ عن مؤرخي الشام الأوائل، وأهمها:
تاريخ دمشق لابن عساكر: وهو المنجم الأول، لأن ابن عساكر كان يذكر الأحاديث والتراجم بأسانيدها الكاملة، وغالباً ما تلتقي أسانيده برواية بكر الشعراني عن البغدادي.
كتب ابن حجر العسقلاني: مثل كتاب الإصابة في تمييز الصحابة، وكتاب تهذيب التهذيب، حيث صرّح ابن حجر في مواضع عدة بالنقل عن البغدادي.
الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ: للمؤرخ السخاوي، الذي وثق أسماء التواريخ المفقودة ومقتطفات منها. - الفرز والتحقيق والمطابقة
عندما يجد الباحث نصاً يسير وفق سلسلة (نقل فلان، عن بكر الشعراني، عن أبي بكر البغدادي)، يقوم بـ:
استخراج المتن: فصل نص الحديث أو الترجمة التاريخية.
المقارنة: مطابقة النص المعثور عليه مع روايات تاريخية أخرى للتأكد من عدم حدوث تصحيف أو تحريف في النقل عبر القرون. - التبويب وإخراج “مستدرك”
في المرحلة الأخيرة، يُرتّب الباحث النصوص المجموعة بناءً على المنهج المتوقع للكتاب الأصلي (وهو الترتيب على الطبقات أو الحروف الأبجدية للرجال الحمصيين)، ثم يطبع المادة في كتاب حديث يحمل عنواناً مثل: “مستدرك كتاب تاريخ الحمصيين” أو “مجموع مرويات أحمد بن عيسى البغدادي”.
محمد هيثم زعرور


