من الذين اثروا في حياة عبد الرزاق المعاذ المهنية الفرنسي: فرانسوا فجييه.رئيس قسم تخطيط المدن في جامعة هارفارد.

من الذين اثروا في حياتي المهنية فرانسوا فجييه رئيس قسم تخطيط المدن في جامعة هارفارد الذي توفي في السابع من شباط عام 2020، بعد وقت قصير من احتفاله بعيد ميلاده التاسع والثمانين. ولد فرانسوا فيجييه الفرنسي الجنسية في كانتون جنيف عام ١٩٣١ واختار ان يدرس في الولايات المتحدة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT عام ١٩٤٨ كما روى لي اثناء عشاء في دمشق.
اذكر عام ١٩٩٥ وكنت وقتها باحثا زائرا في جامعة هارفارد في قسم التاريخ زرت البروفسور فيجييه في مكتبه من باب الفضول لهذا الاختصاص وكوني اعمل في مجال التاريخ العمراني سألته وقتها بعد ان قدمت له بضعة ابحاث كنت قد نشرتها هل يحق ان أتقدم للحصول على زمالة في القسم عندكم وكانت القسم قد اعلن عن زمالة fellowship وكنت من خلال تجربتي في سورية اشك ان اقبل كدارس للتاريخ في مثل هذا القسم لكن فيجييه أجابني فورا بالطبع يمكنك التقدم! وفوجئت اكثر عندما تم قبولي في قسم تخطيط المدن لعام ١٩٩٦ ضمن ظروف كريمة أتاحت لي الحصول على مساعد ابحاث مما ساعدني كثيرا في كتابة عدة ابحاث.
ووقتها اذكر ان عميد كلية العمارة في جامعة هارفارد دعنا للعشاء مع فيجييه ونائب رئيس القسم الدكتورة المصرية العريقة منى سراج الدين رحمها الله وخلال العشاء عرض العميد ان تقوم هارفارد في اعداد المخطط التنظيمي لمدينة دمشق وبدون مقابل وقمت بنقل هذه الرغبة لمحافظة مدينة دمشق فلم تأخذه على محمل الجد.
لكن لحسن الحظ اتيح البرفسور فيجييه والدكتورة منى سراج الدين القدوم لدمشق للعمل في اطار مشروع الMAM لتطوير الادارة البلدية الممول من قبل الاتحاد الاوروبي وكانت فرصة لنلتقي في دمشق مرارا. لمست في فيجييه حبه للعرب وللعالم العربي وعلمت ان هذا له علاقة بوالده الذي عمل مع همرشولد في الامم المتحدة وكان متعاطفا مع العرب وقضاياهم.
وقد كتب عنه زميله Alex Krieger : انضم فرانك إلى هيئة التدريس في كلية الدراسات العليا للتصميم بجامعة هارفارد عام 1962، وبقي عضواً بارزاً فيها حتى عام 2005. وكان من المساهمين الأوائل في بروز تصميم المدن كفرع أكاديمي مستقل — إذ لم يكن قد مضى على تأسيس البرنامج سوى عامين عند التحاقه — ولعب دوراً حاسماً في أوائل التسعينيات في إعادة برنامج التخطيط الحضري إلى كلية التصميم بعد أن كان قد نُقل لمدة 14 عاماً إلى كلية كينيدي للحكومة. وقد شغل منصب أول رئيس لقسم التخطيط والتصميم الحضري بعد إعادة هيكلته بين عامي 1992 و1998. كما شغل أيضاً منصب مدير مركز دراسات التنمية الحضرية بالكلية من عام 1987 وحتى عام 2005.

ومع تقاعده عام 2005، بدأت مرحلة جديدة في حياة فرانك: فقد استمر البحث الذي كان يُجرى في مركز دراسات التنمية الحضرية وتوسع من خلال مؤسسة غير ربحية جديدة هي “معهد التنمية الحضرية الدولية”، الذي أُسس على المبادئ الإنسانية ذاتها، وكان فرانك مؤسسها ورئيسها طوال السنوات الخمس عشرة الأخيرة. ساعد المعهد مجتمعات، غالباً من الفقراء أو الأقليات، في تطوير أطر للتنمية على مستوى الأحياء أو المناطق، ووضع استراتيجيات للتمويل، وتحديث المناطق المهملة أو العشوائية. والأهم من ذلك، أنه ساعد هذه المجتمعات في أمريكا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا الشرقية على ابتكار أساليب للتفاوض مع الشركاء المحليين والإقليميين في الحكومات والقطاع الخاص لتحسين نوعية الحياة في مناطقهم. ويُعد المعهد رائداً في تقديم الدعم الفني وبناء القدرات للسكان الحضريين.

وكان من شغف فرانك أيضاً الحفاظ على المواقع التراثية غير الأثرية، بما في ذلك إعادة تأهيل المدينة القديمة في فاس، ومنطقة من باكو تعود للعصور الوسطى، وأجزاء من دمشق القديمة. وقد قاد التزامه مدى الحياة بهذا النوع من العمل الحكومة الفرنسية إلى تكريمه بلقب “فارس وسام الاستحقاق” عام 1995.

لقد ميّز هذا الإخلاص نفسه سيرة فرانك التعليمية على مدى عقود، حيث سعى دائماً إلى تعزيز التفاعل بين الناس والأماكن. وعندما بدأت مهنة التخطيط الأمريكية في السبعينيات بالابتعاد عن التخطيط الفيزيائي، وانتقل برنامج التخطيط في كلية التصميم إلى كلية كينيدي، كان فرانك العضو الوحيد في هيئة التدريس الذي اختار البقاء، مؤمناً بأن كلية التصميم يجب أن تبقى ملتزمة ومؤثرة في قضايا التصميم والتخطيط على حد سواء. وقد كان يؤمن بأن الأفكار التصميمية، وحتى الخيارات الجمالية، لا تنفصل عن القيم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكانت رؤيته دائماً منفتحة على التعاون والتفاعل بين مختلف التخصصات في الكلية. وقد أكدت مقرراته وورش عمله دائماً على هذا التفاعل — حيث تؤثر وجهات النظر التخطيطية على الأفكار التصميمية، وتؤثر الرؤى التصميمية بدورها على السياسات والخطط. وعند عودة برنامج التخطيط إلى كلية التصميم، كان فرانك من أقوى المدافعين عن دمج التعليم العملي (الاستوديو) في المنهج التخطيطي، وهو ما يزال أحد السمات الفريدة لبرنامج هارفارد.

وكان فرانك أيضاً أحد خريجي كلية التصميم، فبعد حصوله على درجة البكالوريوس في العمارة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، نال درجة الماجستير في التخطيط المدني من هارفارد عام 1960، وسرعان ما دُعي للانضمام إلى هيئة التدريس فيها. ونال درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد عام 1967. وكان فرانك مؤلفاً متميزاً أيضاً، حيث لا يزال كتابه الأول والأهم “التغيير واللامبالاة: ليفربول ومانشستر خلال الثورة الصناعية” (منشورات MIT، 1970) يوفر رؤى عميقة حول القوى التي أُطلقت خلال المرحلة الأولى من التحضر الصناعي الحديث. ولا تزال هذه القضايا تتطلب انتباهنا اليوم: حماية الموارد الطبيعية، تقليل التلوث، الحد من التمدد العمراني في بعض السياقات، والحد من الكثافة السكانية المفرطة في سياقات أخرى، والسعي إلى تقليص التفاوتات الاقتصادية. وكان غرس هذه القيم في أجيال من الطلاب أحد أهم إسهامات البروفيسور فيجييه التي لا تُقدّر بثمن.

أخر المقالات

منكم وإليكم