رحبانيات 2
رحبانيات 2
لبنان الذي كتبه الرحابنة
من أراد أن يرى لبنان فلا يبحث عنه في الصور السياحية وحدها.
فليقرأ الرحابنة.
هناك لبنان آخر لا تلتقطه الكاميرا بسهولة. لبنان الذي يخرج من بين الغيم. لبنان الذي تسكنه القرى والبيادر والقناطر والشبابيك والينابيع. لبنان الذي تمشي فيه الحكاية إلى جوار الإنسان. لبنان الذي لا يكون الجبل فيه حجرا ولا البحر ماء ولا الربيع فصلا من فصول السنة.
كل شيء عند الرحابنة حي.
الجبل يغني.
والغيمة تحب.
والريح تدخل من أبواب البيوت.
والبيادر تحفظ أسماء الذين مروا عليها.
والقرية ذاكرة مسكونة بالسحر والحنين
ولذلك فإن من أراد أن يرى أرض لبنان وسماءه وربيعه وفجره الندي وجباله وهي تغرق خلف الغمام فليقرأ الرحابنة. ومن أراد أن يرى لبنان كما عاشه أهله لا كما تصفه الخرائط فليصغ إلى ذلك العالم الذي بناه عاصي ومنصور بالكلمة واللحن والمشهد.
في «سهرة الحب» وحدها يمكن أن نرى لبنان كاملًا في بضعة أسطر.
«وتبقى بلادنا بالحمام مسيجي
ويضحك عا هالعلوات غيم بنفسجي»
ما الذي فعله الرحابنة هنا؟
لم يصفوا منظرا طبيعيا.
لقد أعطوا الطبيعة روحا.
الغيم لا يتحرك فوق الجبل. الغيم يضحك. والعلوات ليست ارتفاعات جغرافية. إنها موضع تنظر منه البلاد إلى نفسها.
ثم تأتي الجملة التي تكشف عبقرية الرحابنة في تحويل المكان إلى كائن حي
«ولما عا بنياتها يهب الهوا
يصير الهوا عا بوبن يروح ويجي»
هنا لا نقرأ لبنان.
نسمعه.
نسمع الهواء وهو يدخل من أبواب البيوت ويخرج منها. نرى البيوت الصغيرة وهي تتنفس. نشعر أن القرية كلها كائن واحد له صدر وله ذاكرة.
وهذه إحدى خصائص الشعر الرحباني التي تجعلني أتوقف أمامه طويلا.
لقد قرأت منذ صغري الشعر العربي القديم.
قرأت لبيد بن ربيعة وطرفة بن العبد وامرأ القيس والأعشى وحسان بن ثابت. وقرأت جريرا والفرزدق. ثم وصلت إلى المتنبي وأبي العلاء المعري. وانتقلت إلى الشابي.
ثم ذهبت أبعد من ذلك إلى شعراء أحببتهم من خارج العربية.
وقفت أمام بيرسي بيش شيلي شاعر إنجلترا الغريق. ووقفت أمام بايرون. وتأملت وردزورث وكيف استطاع أن يرى في الطبيعة أكثر مما تراه العين.
لكنني حين وصلت إلى الرحابنة توقفت.
كان هناك شيء آخر ( ليست مقارنة بين شعراء)
شيء لا يكفي أن نسميه شعرا.
ولا يكفي أن نسميه غناء.
ولا حتى أن نسميه حنينا.
كان هناك شيء يسكن الحروف نفسها.
شيء يظهر حين تنطق فيروز الكلمة.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
لأن النص الرحباني لا يكتمل على الورق.
إنه ينتظر فيروز.
وحين تدخل فيروز إلى الجملة يحدث التحول.
تصبح الكلمة ذاكرة.
ويصبح الحنين صوتا.
وتصبح القرية التي كتبها الرحابنة مكانا عشته حتى لو لم تطأ أرضها يوما.
في «سهرة الحب» يقول الرحابنة
«بيقولوا بكتب الهوى اللي بيحب ما بينسى
بيقولوا بكتب الهوى عالبعد القلب بيقسى»
قد تبدو الجملة في ظاهرها حديثا عن عاشقين.
لكن الرحابنة كانوا يعرفون أن الحب عند الإنسان لا يسكن القلب وحده.
إنه يسكن الأماكن أيضا.
حين نحب قرية فإننا لا نحب بيوتها فقط. نحب الطريق إليها. شجرة التوت. رائحة التراب بعد المطر. صوت الناطور. النافذة التي كانت مضاءة في المساء.
ولهذا يصبح الفراق عند الرحابنة فراقا عن مكان بقدر ما هو فراق عن إنسان.
«شوقن بيضلّو زايد
بيضلّوا مشتاقين»
إنها فلسفة رحبانية كاملة.
الشوق عندهم لا ينقص بالغياب.
يزداد.
وكأن الإنسان حين يبتعد عن المكان لا يتركه وراءه. بل يحمله داخله..
لقد جعلوا لبنان وطنا شعريا.
لا وطنا سياسيا فقط.
رسموا لبنان الذي يملك ذاكرة أقدم من الحاضر. لبنان الذي عرف الفرح والخوف والحب والفقر والانتظار والانتصار والانكسار.
ومن أراد أن يرى عظمة تاريخ لبنان فلا يقرأ التاريخ وحده.
فليقرأ الرحابنة.
لأن التاريخ عندهم لا يظهر في التواريخ والأرقام.
يظهر في الإنسان.
في الفلاح الذي يرفع يده إلى السماء.
في المرأة التي تنتظر.
في العاشق الذي يمشي في الليل.
في القرية التي تحاول أن تبقى واقفة.
وفي البيادر التي تصبح شاهدة على أجيال مرت ثم غابت.
انظر إلى «عمرها».
هناك تتحول البلاد إلى امرأة.
«عمرها تضحك بيادرها
عمرها بجوانح بيضا بمحبي»
ما أجمل هذه الرؤية.
الوطن لا يبنى بالحجارة وحدها.
يبنى بالمحبة.
والبيت لا يصبح بيتا لأن جدرانه قائمة.
يصبح بيتا لأن هناك من يحبه.
والبيادر ليست حقولا فقط.
إنها ذاكرة أيد عملت وعرق سال وشمس أشرقت على وجوه الناس.
حتى التاريخ نفسه يدخل عند الرحابنة من باب الغناء.
«مرقوا مبارح عالعالي
مرقوا فوق الليالي»
ثم تظهر صورة الناس الذين صنعوا لبنان بأيديهم.
«كانت إيديهن سمرا مرفوعة
تحصد قمح البيادر»
هنا يصبح التاريخ مرئيا.
لا نرى ملوكا .
نرى الذين صنعوا الأرض.
وهذه هي الرؤية الفنية التي تجعل الرحابنة أكبر من مجرد كتّاب أغان.
إنهم أصحاب مشروع جمالي.
أعادوا اكتشاف لبنان من خلال الإنسان والطبيعة والذاكرة والحب.
ولذلك حين تغني فيروز
«يا ليل الأزرق سهرنا
وعا حدودك نجمي سهرنا»
لا أسمع وصفا لليل.
أشعر أنني أدخل إليه.
وهذا هو الفارق بين من يصف الجمال ومن يصنع له وجودا.
الرحابنة لم يقولوا لنا إن لبنان جميل.
جعلونا نراه.
جعلونا نسمعه.
جعلونا نشتاق إليه حتى لو لم نكن لبنانيين.
وهنا تكمن معجزتهم.
لقد أخذوا مكانا صغيرا في الجغرافيا وحولوه إلى مساحة واسعة في الوجدان العربي.
وحين جاءت فيروز لم تعد تلك الكلمات كلمات.
أصبحت أرواحا تهمس الينا في الصباح تهدهد ارواحنا في المساء تسكننا في الحضور والغياب على الطرقات والشرفات تقطن يقظاتنا وأحلامنا
الرحابنة كتبوا الكلمات التي تحمل الحنين.
وفيروز جعلت الحنين مسموعا.
كتبوا لبنان.
فغنته فيروز.
فصار لبنان ذاكرة مشتركة بين من عاشه ومن لم يعشه.
«أنا من بلد الشبابيك المجروحة بالحب
المفتوحة عالصدفة»
ربما لا توجد صورة تختصر لبنان الرحابنة مثل هذه الصورة.
لم يقولوا بلد الجبال ولا بلد الأرز ولا بلد البحر.
قالوا «بلد الشبابيك»..
الشباك عند الرحابنة عين البيت وقلبه. منه يدخل الضوء والهواء والحب. ومن خلفه تنتظر فتاة. ومنه يطل عاشق. وعليه تقف الذاكرة.
قالوا «الشبابيك المجروحة بالحب».
ما الذي يجرح الشباك؟
الحب.
وهذه صورة لا تراها العين إلا إذا كانت تعرف أن الأشياء عند الرحابنة تحمل مشاعر أصحابها.
ثم تأتي «المفتوحة عالصدفة».
كأن الحب في لبنان الرحباني لا يحتاج إلى موعد. يكفي شباك مفتوح. نظرة عابرة. مصادفة صغيرة كي تبدأ حكاية كاملة.
«أنا من بلد الحكايات المحكيّة عالمجد
ومبنية عالإلفة»
هنا يتسع لبنان.
أصبح حكايات.
وأصبح المجد بناءً.
وأصبحت الألفة مادة البناء.
وهذا هو لبنان الذي رآه الرحابنة.
لبنان لا يُبنى بالحجارة وحدها.
يبنى بالحكايات التي تحفظها الأجيال. وبالألفة التي تجعل البيت بيتًا. وبالمجد الذي يتحول من تاريخ مكتوب إلى ذاكرة حيّة في الناس.
ثم إن الرحابنة لا يكتفون بأن يرسموا المكان.
إنهم يجعلون المكان يتكلم.
لهذا كلما عدت إلى الرحابنة أشعر أنني لا أقرأ نصوصا قديمة.
أعود إلى مكان أعرفه.
إلى شرفة بعيدة.
إلى قرية نائمة تحت الغيم.
إلى بيت مضاء في آخر الليل.
إلى امرأة تنتظر.
إلى عاشق لم ينس.
إلى وطن يحاول أن يتذكر نفسه.
ربما لهذا توقفت طويلا أمام الرحابنة بعد أن قرأت كبار الشعراء.
لم أجد عندهم الكلمات وحدها.
وجدت ما هو أبعد من الكلمات.
وجدت روحا.
روحا غارقة في الحنين والشجن والبراءة والسحر.
وهذه الروح هي التي بقيت.
بقيت في الجملة.
وفي اللحن.
وفي صوت فيروز.
وبقي لبنان الذي كتبه الرحابنة.
لبنان الذي إذا أردت أن تراه حقا فلا تبحث عنه في الصورة.
اقرأ الرحابنة.
ثم أغلق الكتاب.
واستمع إلى فيروز.
عندها فقط ستفهم أن هناك بلادا يمكن أن تسكنها من دون أن تطأ أرضها.
وأن لبنان الذي كتبه الرحابنة لم يكن لبنانا على الخريطة.
كان لبنانا في القلب.
#رحبانيات


