مسيرة المصور المبدع: محمد الطوباسي….عدسة أردنية تصطاد نبض الرياضة وتقرأ ما وراء اللحظة….- إعداد: فريد ظفور.

تدعوكم الجمعية الأردنية للتصوير
لحضور محاضرة مميزة بعنوان:

تجربة مصور
التصوير الرياضي الواقع والتحديات

يقدمها الزميل
محمد الطوباسي

وذلك يوم الثلاثاء الموافق 15-9-2026
الساعة 7:00 مساءً

حضوركم يسعدنا ويثري اللقاء.

***&***

محمد الطوباسي.. عدسة أردنية تصطاد نبض الرياضة وتقرأ ما وراء اللحظة

المصور الذي يحوّل سرعة المنافسة إلى ذاكرة بصرية.. من التجربة الفوتوغرافية إلى تحديات التصوير الرياضي

إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت

مقدمة: حين تصبح الثانية تاريخاً

في عالم التصوير الرياضي، لا تمنح اللحظة فرصة ثانية.

قد تستغرق الحركة جزءاً صغيراً من الثانية، لكن الصورة التي تولد منها يمكن أن تعيش سنوات طويلة، وربما تتحول إلى واحدة من الصور التي تختصر مباراة أو بطولة أو مسيرة لاعب.

هنا تحديداً تتجلى خصوصية المصور الرياضي؛ فهو لا يكتفي برؤية ما يحدث، وإنما يحاول أن يستبق الحدث بعينه، وأن يقرأ الحركة قبل اكتمالها، وأن يوازن بين التقنية والإحساس، وبين سرعة الاستجابة وجمال التكوين.

ومن هذا العالم تأتي تجربة المصور والفنان الفوتوغرافي الأردني محمد الطوباسي، أحد الأسماء التي تظهر في المشهد الفوتوغرافي الأردني من خلال مشاركاته في نشاطات الجمعية الأردنية للتصوير، ومن خلال تجربة فوتوغرافية متعددة الاهتمامات، وصولاً إلى اهتمامه بالتصوير الرياضي وما يرافقه من واقع ميداني وتحديات تقنية وفنية.

وقد خصصت الجمعية الأردنية للتصوير لقاءً بعنوان «تجربة مصور – التصوير الرياضي: الواقع والتحديات» يقدمه الطوباسي، في مناسبة تتيح قراءة تجربته والاقتراب من عالم التصوير الرياضي من زاوية المصور نفسه.


محمد الطوباسي.. مصور من داخل المشهد الفوتوغرافي الأردني.

.


الجوائز.. اعتراف بالمشهد الفوتوغرافي

من المحطات الموثقة في مسيرته حصول محمد الطوباسي على الجائزة الثانية في محور المباني التراثية ضمن المهرجان الأردني العربي للصورة، في دورته الثالثة عشرة لعام 2022، من خلال مسابقة «مأدبا أرض الفسيفساء» التي أقامتها الجمعية الأردنية للتصوير.

كما فاز بـ الجائزة الأولى في مسابقة «عمّان بعيوننا» لعام 2024 التي أقامتها أمانة عمّان الكبرى.

وهذه الجوائز مهمة عند قراءة تجربته؛ لأنها تشير إلى أن اشتغاله الفوتوغرافي لم يكن محصوراً في الرياضة، بل امتد إلى العمارة والتراث والمدينة والمشهد الحضري.

ومن هنا يمكن فهم التصوير الرياضي لديه ضمن منظومة أوسع من التعامل مع المكان والضوء والحركة واللحظة.


من عمّان إلى الملعب.. عين واحدة وموضوعات متعددة

من اللافت في مسيرة الطوباسي مشاركته في مشاريع التصوير الجماعي التي نظمتها الجمعية الأردنية للتصوير.

ففي عام 2024 شارك ضمن مجموعة من المصورين في مشروع فوتوغرافي للاحتفاء بمدينة عمّان، حيث نشرت الجمعية صوراً لمدينة عمّان من تصويره بمناسبة اليوم العالمي للمدن.

كما شارك اسمه ضمن المصورين الذين لبوا دعوة الجمعية للمساهمة في مشروع «عاصفة الصور» الذي احتفى بالمدن الأردنية، ونشر نماذج من الأرشيف الفوتوغرافي لأعضاء الجمعية.

وهذه المشاركات تكشف اتساع المجال البصري الذي يتحرك فيه الطوباسي؛ فالمدينة بالنسبة للمصور موضوع، والتراث موضوع، والرياضة موضوع، لكن الأداة الأساسية تبقى واحدة:

العين التي تبحث عن اللحظة.


«مئة عام في صور».. حضور في الذاكرة البصرية الأردنية

من المحطات المهمة أيضاً ورود اسم محمد الطوباسي ضمن قائمة المصورين الذين كرمتهم الجمعية الأردنية للتصوير عام 2021، تقديراً لمسيرتهم الإبداعية ومنجزهم في فن التصوير ومشاركتهم في معرض «مئة عام في صور» الذي أقيم احتفالاً بمئوية الدولة الأردنية.

وضمت قائمة المكرمين مجموعة من المصورين الأردنيين من أجيال وتجارب مختلفة، وكان الطوباسي واحداً منهم.

ولا تكتسب هذه المشاركة أهميتها من مجرد وجود اسم المصور في معرض جماعي، وإنما من طبيعة المشروع نفسه؛ فالصور هنا لم تكن مجرد أعمال فنية منفصلة، بل كانت جزءاً من محاولة لصياغة ذاكرة بصرية لمكان وزمن وتاريخ.

وهذا المفهوم يقترب كثيراً من جوهر التصوير الذي يتعامل مع الصورة باعتبارها وثيقة.


التصوير الرياضي.. المرحلة الأكثر قسوة

إذا كان تصوير المدينة والتراث يمنح المصور مساحة من التأمل وإعادة النظر في التكوين، فإن التصوير الرياضي يفرض شروطاً أكثر قسوة.

الحدث لا ينتظر.

والحركة لا تتكرر.

والضوء قد يتغير.

والمسافة قد تكون كبيرة.

والمصور مطالب بأن يعرف أين يقف، ومتى يضغط على زر الغالق، وما العدسة المناسبة، وكيف يتعامل مع الخلفية، وكيف يتوقع اللحظة.

لذلك فإن التصوير الرياضي يمثل اختباراً حقيقياً للمصور.

إنه يجمع في لحظة واحدة بين:

السرعة + التوقع + التركيز + التقنية + التكوين + المعرفة الرياضية.

ولهذا تبدو محاضرة محمد الطوباسي حول «التصوير الرياضي: الواقع والتحديات» امتداداً طبيعياً لتجربته في التصوير، وليست مجرد درس تقني في إعدادات الكاميرا.


المصور الرياضي لا يصور اللاعب فقط

من الأخطاء الشائعة اختزال التصوير الرياضي في صورة اللاعب أثناء تنفيذ الحركة.

الصورة الرياضية الأكثر قيمة قد تكون أحياناً خارج الحدث الأساسي.

جمهور ينتظر.

مدرب يتابع بقلق.

لاعب يجلس وحيداً بعد الخسارة.

فرحة جماعية.

دمعة.

مصافحة.

احتفال.

صمت ما قبل البداية.

كل هذه اللحظات تشكل ما يمكن تسميته السرد البصري للرياضة.

وهنا يتحول المصور من شخص يوثق مباراة إلى راوٍ بصري يكتب قصة المنافسة بالصورة.


التحدي الأول: الزمن

الزمن هو الخصم الأكبر للمصور الرياضي.

في التصوير المعماري يستطيع المصور الانتظار.

وفي تصوير الطبيعة يمكنه مراقبة الضوء.

أما في الرياضة، فإن اللحظة قد تأتي وتنتهي قبل أن يفكر المصور في كيفية التقاطها.

لذلك فإن الخبرة تبني لدى المصور ما يمكن تسميته الذاكرة الحركية.

يرى الحركة فيتعرف إلى اللحظة التي تسبقها.

يتابع اللاعب فيعرف اتجاهه.

يراقب الكرة فيتوقع مسارها.

وهكذا تصبح الكاميرا امتداداً للعين، وتصبح الأصابع أسرع من التفكير الواعي.


التحدي الثاني: التقنية

التصوير الرياضي يحتاج إلى معرفة دقيقة بأدوات الكاميرا.

سرعة الغالق لتجميد الحركة، ونظام التركيز التلقائي لتتبع الموضوع، وسرعة التصوير المتتابع، واختيار البعد البؤري، والتعامل مع الإضاءة المتغيرة، كلها عوامل يمكن أن تصنع الفارق بين صورة ناجحة وأخرى ضائعة.

لكن التقنية وحدها لا تكفي.

فالكاميرا قد تكون قادرة على التقاط عشرات الصور في الثانية، لكنها لا تعرف أي واحدة منها هي الصورة التي تحمل المعنى.

وهنا يأتي دور المصور.


التكوين في قلب الحركة

الصورة الرياضية الناجحة لا تعني بالضرورة أن يكون اللاعب في منتصف الإطار.

قد يكون ترك مساحة أمام اللاعب أكثر تعبيراً عن اتجاه الحركة.

وقد تكون الخلفية جزءاً من القصة.

وقد يتحول الجمهور إلى عنصر أساسي في التكوين.

وقد يستخدم المصور خطوط الملعب أو المدرجات أو الإضاءة لصناعة بنية هندسية للصورة.

وهنا يلتقي التصوير الرياضي مع فن التكوين الفوتوغرافي.

فالحركة لا تلغي القواعد الجمالية، وإنما تجعل تطبيقها أكثر صعوبة.


من الصورة الصحفية إلى الصورة الفنية

تتمتع الصورة الرياضية بقدرة فريدة على الجمع بين الصحافة والفن.

فهي تحمل معلومة:

من لعب؟ ماذا حدث؟ متى حدث؟

لكنها في الوقت نفسه تحمل جماليات:

كيف ظهرت الحركة؟ كيف تشكل الضوء؟ كيف تداخلت الألوان؟ كيف عبر الوجه عن الانفعال؟

ولهذا يمكن للصورة الرياضية أن تكون في آن واحد:

وثيقة صحفية – شهادة تاريخية – عمل فني – ذاكرة إنسانية.

وهذا أحد أهم أسباب استمرار الصور الرياضية في الذاكرة حتى بعد انتهاء المنافسة.


الطوباسي.. من الصورة إلى التجربة

تبدو تجربة محمد الطوباسي، وفق ما توثقه المصادر المتاحة، جزءاً من حركة فوتوغرافية أردنية نشطة تقودها الجمعية الأردنية للتصوير عبر المعارض والمسابقات والمحاضرات والمبادرات الجماعية.

وقد ظهر اسمه في أكثر من نشاط للجمعية، كما كان ضمن المصورين الذين جرى تكريمهم تقديراً لمسيرتهم الإبداعية.

كما أن تقديمه محاضرة متخصصة في التصوير الرياضي يضيف إلى حضوره بعداً آخر، إذ ينتقل المصور من ممارسة التصوير إلى مشاركة الخبرة.

وهذه المرحلة مهمة في حياة أي فنان؛ لأن التجربة عندما تتحول إلى معرفة قابلة للنقل تصبح جزءاً من تطوير الجيل الجديد.


الصورة الرياضية كوثيقة للمستقبل

ربما لا يدرك الجمهور دائماً قيمة الصورة الرياضية في لحظة التقاطها.

لكن بعد سنوات، تصبح الصورة وثيقة.

صورة لاعب شاب يمكن أن تصبح شاهداً على بدايات مسيرته.

وصورة ملعب قد تصبح وثيقة لتاريخ منشأة رياضية.

وصورة جمهور قد تحفظ شكلاً من أشكال الحياة الاجتماعية.

وصورة بطولة قد تصبح جزءاً من الذاكرة الرياضية الوطنية.

لهذا فإن المصور الرياضي لا يعمل للحاضر فقط.

إنه، من حيث لا يدري أحياناً، يصوّر للمستقبل.


بين التربية والتصوير.. المعرفة بوصفها ممارسة

ومن الجوانب اللافتة في سيرة محمد الطوباسي الجمع بين العمل التربوي والتكوين الأكاديمي في اللغة الإنجليزية وبين الممارسة الفوتوغرافية.

وهذا الجمع يفتح باباً مهماً للتفكير في التصوير باعتباره شكلاً من أشكال التعلم والتعليم.

فالمصور لا يتعلم الكاميرا فقط، بل يتعلم قراءة الإنسان والمكان والحركة والضوء.

وكل صورة ناجحة هي في جانب منها درس في الملاحظة.

وربما لهذا السبب يصبح المصور القادر على نقل تجربته أكثر تأثيراً من المصور الذي يحتفظ بكل أسرار المهنة داخل حقيبته.


الجمعية الأردنية للتصوير.. فضاء لتبادل الخبرات

لا يمكن قراءة تجربة محمد الطوباسي بمعزل عن البيئة الفوتوغرافية التي تحتضن نشاطه.

فالجمعية الأردنية للتصوير تؤدي دوراً في إقامة المعارض والمسابقات والبرامج التدريبية واللقاءات، وتوفر مساحة يلتقي فيها المصورون من اتجاهات وتجارب مختلفة.

وتشير التغطيات الصحفية لأنشطة الجمعية إلى تنظيم محاضرات وفعاليات متنوعة، وإلى استضافتها لتجارب مصورين وفنانين فوتوغرافيين.

وفي هذا المناخ تصبح محاضرة الطوباسي حول التصوير الرياضي أكثر من فعالية عابرة؛ إنها جزء من ثقافة تقوم على تبادل التجربة وتطوير المعرفة البصرية.


حين تتحول الرياضة إلى لغة فوتوغرافية

الرياضة في الصورة ليست حركة جسدية فقط.

إنها دراما كاملة.

بداية وانتظار.

توتر وانفجار.

انتصار وانكسار.

فرح ودموع.

صراع ومصالحة.

ولهذا فإن المصور الرياضي يمتلك أمامه مادة درامية تكاد تكون سينمائية.

لكن السينما تستطيع إعادة المشهد.

أما المصور الفوتوغرافي فلا يملك سوى لحظة واحدة.

وهذا تحديداً ما يجعل الصورة الرياضية الناجحة شديدة القوة.

إنها فيلم كامل متوقف داخل إطار واحد.


خاتمة: الصورة التي تركض أسرع من الزمن

تجربة محمد الطوباسي تقدم نموذجاً للمصور الذي لا يتعامل مع الفوتوغرافيا بوصفها تقنية منفصلة عن الحياة، بل باعتبارها مساحة للملاحظة والتوثيق والتعبير والمشاركة.

ومن خلال ما توثقه المصادر عن مشاركاته وتكريمه وجوائزه، يتضح أن تجربته تمتد إلى أكثر من محور فوتوغرافي، من التراث والمدينة إلى المشهد البصري العام، بينما يأتي التصوير الرياضي ليكشف جانباً شديد الخصوصية من العلاقة بين العين واللحظة.

إن المصور الرياضي يعيش دائماً في مواجهة الزمن.

فالثانية التي تمر لا تعود.

واللحظة التي تفلت من العدسة لا يمكن استعادتها.

لكن حين ينجح المصور في الإمساك بها، تتحول تلك الثانية الصغيرة إلى ذاكرة كبيرة.

وهنا تكمن قوة التصوير الرياضي:

أن يجعل من لحظة عابرة وثيقة، ومن الحركة جمالاً، ومن المنافسة حكاية، ومن الإنسان صورة لا تنسى.

ولعل هذا هو جوهر تجربة محمد الطوباسي التي تستحق أن تُروى وتُناقش، لا باعتبارها تجربة في استخدام الكاميرا فحسب، وإنما باعتبارها تجربة في مطاردة الزمن بالضوء.

إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت

***&*** للمزيد ***&***
محمد الطوباسي.. حين تتحول الرياضة إلى لحظة فوتوغرافية لا تتكرر
التصوير الرياضي بين سرعة الحدث ودقة الرؤية
إعداد: فريد ظفور – مجلة فن التصوير: إيليت فوتو آرت
مقدمة: الكاميرا التي تلاحق المستحيل
في التصوير الرياضي لا يكفي أن تكون الكاميرا سريعة، ولا أن يمتلك المصور عدسة طويلة أو تقنية متقدمة؛ فهناك لحظة خاطفة قد لا تتكرر، وحدث يتغير في جزء من الثانية، ومشهد يحتاج إلى عين قادرة على قراءة ما سيحدث قبل أن يحدث.
من هنا تأتي أهمية تجربة المصور الرياضي الأردني محمد الطوباسي، الذي يشارك في لقاء تنظمه الجمعية الأردنية للتصوير تحت عنوان «تجربة مصور: التصوير الرياضي الواقع والتحديات»، في محاضرة تفتح الباب أمام قراءة أعمق لعالم التصوير الرياضي، ليس بوصفه مجرد توثيق للمنافسات، وإنما باعتباره فناً بصرياً قائماً على التوقيت، والترقب، والسرعة، والتركيز، والقدرة على صناعة الصورة في قلب الحدث.
وتأتي هذه التجربة في وقت أصبح فيه التصوير الرياضي جزءاً أساسياً من الذاكرة البصرية للبطولات والمنافسات، ومن صناعة الصورة الإعلامية للرياضي والملعب والحدث.
المصور الرياضي.. شاهدٌ داخل قلب العاصفة
يقف المصور الرياضي في منطقة مختلفة عن معظم أنواع التصوير الأخرى. إنه لا يتحكم في موضوعه بالكامل، ولا يستطيع إعادة المشهد، ولا يطلب من اللاعب أن يعيد الحركة أو الاحتفال أو لحظة الانتصار.
كل شيء يحدث أمامه مرة واحدة.
قفزة، تسديدة، سقوط، احتفال، مواجهة، دمعة، فرحة، لحظة تأمل، أو نظرة تختصر قصة مباراة كاملة.
وهنا يصبح المصور أشبه بشاهد بصري يقف على حافة الزمن، ينتظر اللحظة التي تستحق أن تتحول إلى صورة.
إن الصورة الرياضية الناجحة ليست بالضرورة الصورة التي تظهر فيها الحركة فقط، بل تلك التي تختزن المعنى والانفعال والقصة.
بين السرعة والتكوين
أحد أبرز تحديات التصوير الرياضي هو الجمع بين سرعة الاستجابة وجمال التكوين.
فالمصور مطالب بأن يتعامل مع سرعة غالق مناسبة لتجميد الحركة، وأن يختار فتحة العدسة والـISO وفق ظروف الإضاءة، وأن يتابع الموضوع باستمرار، وفي الوقت نفسه أن يحافظ على تكوين بصري متوازن.
لكن التقنية، مهما بلغت قوتها، تبقى أداة.
أما الصورة الحقيقية فتولد من الرؤية.
قد يلتقط المصور عشرات أو مئات الصور خلال مباراة واحدة، لكن القليل منها فقط يمتلك القدرة على البقاء في الذاكرة.
وهنا تظهر خبرة المصور في معرفة اللحظة الفاصلة بين «الصورة التي حدثت» و«الصورة التي تستحق أن تُروى».
الرياضة.. مسرح مفتوح للضوء والحركة
يمكن النظر إلى الملعب الرياضي باعتباره مسرحاً فوتوغرافياً كبيراً.
الأضواء، الجماهير، المدرجات، خطوط الملعب، حركة اللاعبين، الظلال، الألوان، الشعارات، الانفعالات، كلها عناصر تدخل في بناء الصورة.
وقد يختار المصور أحياناً أن يجعل اللاعب هو مركز المشهد، بينما يمكن في صورة أخرى أن تصبح الجماهير هي الحكاية، أو أن يتحول الملعب نفسه إلى عنصر جمالي يحيط بالحدث.
وهنا يلتقي التصوير الرياضي بالفن التشكيلي والسينمائي؛ فهناك خلفية، ومقدمة، وعمق ميدان، وإيقاع، وحركة، وتباين، وتوزيع للضوء، واختيار للحظة المناسبة.
الصورة الرياضية، بهذا المعنى، ليست مجرد «لقطة»؛ إنها تكوين بصري سريع الوجود طويل الأثر.
الواقع والتحديات.. الجانب الآخر من الصورة
العنوان الذي اختارته الجمعية الأردنية للتصوير لمحاضرة محمد الطوباسي، «التصوير الرياضي الواقع والتحديات»، يضع الإصبع على قضية أساسية في المهنة.
فوراء كل صورة رياضية جميلة ظروفٌ ميدانية قد تكون شديدة الصعوبة.
هناك المسافات، وحواجز الملاعب، وظروف الإضاءة المتغيرة، والازدحام، ومحدودية أماكن التصوير، وسرعة الأحداث، والحاجة إلى التركيز لساعات طويلة.
كما أن المصور الرياضي يعمل تحت ضغط اللحظة.
لا توجد رفاهية التردد.
فإذا جاءت اللحظة ولم يكن المصور مستعداً، فقد انتهت إلى الأبد.
ولهذا يحتاج المصور إلى معرفة مسبقة بالرياضة التي يصورها، وفهم قوانينها، وقراءة حركة اللاعبين، ومعرفة أماكن تمركزهم، وتوقع مسار اللعب.
المصور الرياضي لا يصور الحركة فقط؛ بل يتعلم كيف يتنبأ بها.
المعرفة الرياضية جزء من المعرفة الفوتوغرافية
من الأخطاء الشائعة النظر إلى المصور الرياضي باعتباره شخصاً يمتلك معدات احترافية فحسب.
المعدات مهمة، لكنها لا تصنع وحدها المصور.
فمعرفة الرياضة نفسها عنصر جوهري.
مصور كرة القدم، مثلاً، يحتاج إلى فهم مسارات الهجوم والدفاع، ومواقع اللاعبين، واللحظات التي يحتمل أن تشهد تسديدة أو هدفاً أو احتفالاً.
وفي رياضات أخرى تختلف اللغة البصرية جذرياً.
التنس له إيقاعه، وألعاب القوى لها سرعتها، والسباحة لها بيئتها، والفروسية لها حركة مختلفة، والملاكمة تعتمد على التوقيت والانفعال، والرياضات الجماعية تمنح المصور عشرات الاحتمالات داخل الثانية الواحدة.
لذلك فإن التخصص الرياضي يضيف إلى المصور لغة جديدة لقراءة الصورة.
العدسة الطويلة.. ليست بديلاً عن العين
ارتبط التصوير الرياضي تاريخياً بالعدسات المقربة والطويلة، التي تسمح للمصور بالوصول بصرياً إلى مناطق بعيدة من الملعب.
لكن العدسة الطويلة لا تعني بالضرورة صورة أفضل.
اختيار البعد البؤري يجب أن يخدم الفكرة.
قد تكون اللقطة القريبة التي تعزل تعبير وجه لاعب أكثر تأثيراً من لقطة واسعة تظهر الحدث كله، وقد تكون الصورة الواسعة أكثر قدرة على التعبير عن العلاقة بين اللاعب والجمهور والمكان.
وهنا تصبح المسألة مسألة اختيار بصري قبل أن تكون اختياراً تقنياً.
من التوثيق إلى صناعة الذاكرة
للتصوير الرياضي وظيفة تتجاوز التغطية الصحفية.
الصورة تحفظ تاريخ الرياضة.
بعد سنوات، قد لا يتذكر الجمهور تفاصيل مباراة كاملة، لكنه قد يتذكر صورة بعينها: لاعباً يرفع الكأس، جمهوراً يحتفل، لحظة سقوط، دمعة، انتصاراً، أو مشهداً إنسانياً خلف المنافسة.
وهكذا يتحول المصور الرياضي إلى أحد صناع الذاكرة البصرية للرياضة.
إنه لا يسجل النتيجة فقط، بل يسجل المشاعر المحيطة بها.
وهذه إحدى أهم القيم الفنية للصور الرياضية.
الصورة الإنسانية خلف المنافسة
وراء كل رياضي إنسان.
وهذه المساحة الإنسانية من أجمل ما يمكن أن يبحث عنه المصور.
لحظة التركيز قبل المنافسة، التعب بعد المباراة، الصمت بعد الخسارة، الفرح بعد الفوز، مصافحة الخصم، احتضان المدرب للاعب، أو نظرة أحد أفراد الجمهور.
هذه التفاصيل قد لا تظهر في جدول النتائج، لكنها تظهر في الصورة.
ومن هنا يمكن للتصوير الرياضي أن ينتقل من تصوير المنافسة إلى تصوير الإنسان داخل المنافسة.
محمد الطوباسي.. تجربة تفتح باب الحوار
تكتسب محاضرة المصور الأردني محمد الطوباسي أهميتها من كونها تضع تجربة المصور في مواجهة الأسئلة العملية التي يعيشها المصورون في الميدان.
فالعنوان لا يتحدث عن «التصوير الرياضي» بوصفه مفهوماً تقنياً مجرداً، بل عن التجربة والواقع والتحديات.
وهذه الزاوية تمنح اللقاء قيمة خاصة للمصورين والمهتمين بهذا النوع من التصوير، ولا سيما الشباب الذين يرغبون في الانتقال من التصوير العام إلى عالم التصوير الرياضي المتخصص.
إن نقل التجربة بين المصورين هو أحد أهم أشكال تطوير المعرفة الفوتوغرافية؛ لأن بعض المهارات لا تُكتسب من الكتيبات والمواصفات التقنية وحدها، وإنما من الميدان، ومن الأخطاء، ومن اللحظات الضائعة، ومن الصور الناجحة التي يعرف المصور لماذا نجحت.
التصوير الرياضي في العصر الرقمي
دخل التصوير الرياضي اليوم مرحلة مختلفة تماماً.
الكاميرات الحديثة أصبحت أكثر سرعة ودقة، وأنظمة التركيز التلقائي أكثر تطوراً، والتصوير المتتابع يتيح تسجيل سلسلة من اللحظات خلال ثوانٍ قليلة، كما أصبحت الصور تصل إلى الجمهور في لحظات عبر المواقع والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
لكن هذه الوفرة التقنية طرحت سؤالاً جديداً:
هل كثرة الصور تعني بالضرورة كثرة الصور الجيدة؟
الإجابة بالطبع ليست كذلك.
فكلما ازدادت القدرة على التقاط الصور، ازدادت أهمية الانتقاء والرؤية والتحرير البصري.
المصور المحترف لا يكتفي بالتقاط أكبر عدد ممكن من الصور؛ بل يعرف كيف يبحث عن الصورة التي تحمل قيمة جمالية وإعلامية وإنسانية.
أخلاقيات الصورة الرياضية
ولا تكتمل تجربة المصور الرياضي من دون الحديث عن أخلاقيات التصوير.
فالمصور يتعامل مع أشخاص حقيقيين، ومع لحظات حساسة أحياناً، ومع مشاعر الانتصار والهزيمة والإصابة والانفعال.
ومن مسؤولياته أن يحافظ على المهنية، وأن يحترم خصوصية الأشخاص، وأن يقدم الصورة ضمن سياقها الصحيح، وألا يحول لحظة إنسانية مؤلمة إلى مادة للاستغلال البصري.
فالاحتراف الحقيقي لا يقاس فقط بجودة الصورة، وإنما أيضاً بأخلاق من يقف خلف الكاميرا.
خاتمة: حين يسبق المصور الزمن
التصوير الرياضي هو فن مطاردة اللحظة.
والمصور الرياضي الناجح لا ينتظر الصورة فقط؛ بل يستعد لها، يقرأ المكان، يتوقع الحركة، يراقب الضوء، يختار موقعه، ويترك لعينيه مهمة اكتشاف ما لا تستطيع الكاميرا وحدها أن تراه.
ومن هذه الزاوية تأتي تجربة محمد الطوباسي بوصفها مساحة للحوار حول واقع التصوير الرياضي وتحدياته، وحول المسافة التي تفصل بين امتلاك الكاميرا وامتلاك عين المصور.
ففي الملعب تجري المنافسة بين الرياضيين، أما خلف العدسة فتجري منافسة أخرى مع الزمن.
وفي النهاية، قد تستغرق الحركة جزءاً من الثانية، لكن الصورة التي ينجح المصور في اصطيادها قد تعيش عقوداً كاملة.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
هذه صياغة تحريرية محافظة على المعلومات المؤكدة في الإعلان، ويمكنني أيضاً إعداد نسخة أوسع وأكثر توثيقاً عن السيرة المهنية لمحمد الطوباسي ومسيرته في التصوير الرياضي، مع �⁠البحث في المصادر الأردنية والصحفية والأرشيفات الرقمية.

أخر المقالات

منكم وإليكم