


معين بسيسو (1926–1984)، هو شاعر وكاتب مسرحي فلسطيني، وُلد في حي الشجاعية بغزة، وارتبط اسمه بالشعر النضالي الذي جعل من القصيدة منبرا للمقـ ـاومة والدفاع عن قضايا المظلومين. درس في القاهرة، وانخرط في النشاط السياسي مبكرا، ما أدى إلى اعتقاله أكثر من مرة، لكنه واصل الكتابة من خلف القضبان، مؤمنا أن الكلمة قادرة على اختراق الجدران.
امتازت قصائده بالقوة الإيقاعية واللغة المباشرة التي تخاطب الناس، فجمع بين الحس الثوري والبناء الفني، وجعل من الشعر أداة تعبئة ووعي. كتب أيضا للمسرح، مستثمرا الخشبة كمساحة مواجهة مع الظلم والاحتلال. من أبرز أعماله: المعركة، الأردن على الصليب، وقصائد على زوايا الموت.
***&***
في ذكرى مئوية معين بسيسو 1926م – 2026م
معين بسيسو ماردٌ من سنابل لا يموت
كتابٌ بحثيّ توثيقي يستعيد سيرة شاعرٍ وصحفيّ فلسطيني، ويعيد للذاكرة ما حاول الزمن أن يطمسه
ليس كل شاعرٍ يكتب القصيدة، وليس كل شاعرٍ يصبح جزءًا من ذاكرة وطنه. هناك شعراء تتحول كلماتهم إلى وثائق، وقصائدهم إلى شهادات، وسيرتهم إلى جزء من التاريخ الذي لا تملك الأجيال حقّ نسيانه. ومن هذا الأفق يأتي الكتاب البحثي التوثيقي {{{معين بسيسو مارد من سنابل لا يموت}}} للباحث والكاتب التونسي محمد علي الفرجاوي والدكتورة والشاعرة الفلسطينية رنا حمد، بوصفه محاولة جادة لاستعادة سيرة شاعر وصحفي فلسطيني ارتبط اسمه بالكلمة المقاومة، وبالقضية الفلسطينية، وبالإنسان العربي في أكثر لحظاته اشتعالًا.
إن هذا العمل لا يتعامل مع معين بسيسو باعتباره اسمًا أدبيًا عابرًا في سجل الشعر العربي الحديث، ولا يكتفي بإعادة تقديم نصوصه أو سرد محطات حياته سردًا تقليديًا بل يسعى إلى قراءة الإنسان والشاعر والصحفي والمناضل في سياقهم التاريخي والثقافي والسياسي، وإلى وضع التجربة الشخصية داخل المشهد الفلسطيني والعربي الذي تشكلت فيه رؤيته للعالم.
لماذا {مارد من سنابل}؟
يحمل العنوان في ذاته دلالة رمزية عميقة.
فـ-المارد- يحيل إلى القوة الكامنة التي لا تنكسر، و-السنابل- تحيل إلى الأرض والخبز والخصوبة والفلاح الفلسطيني إلى تلك العلاقة الأبدية بين الإنسان وأرضه. وحين يجتمع المارد بالسنابل، يصبح العنوان استعارة لشاعر خرج من رحم الأرض، وحمل في كلمته قوة شعبٍ ظل يقاوم المحو والاقتلاع.
إن معين بسيسو، في هذه القراءة، ليس مجرد شاعر كتب عن فلسطين؛ بل هو شاهد على مرحلة كاملة من التاريخ الفلسطيني والعربي. ولذلك فإن الاقتراب من تجربته يحتاج إلى أكثر من قراءة أدبية يحتاج إلى استحضار الذاكرة، والوثيقة، والسياق التاريخي، والتحليل الثقافي، وتفكيك العلاقة بين الشعر والتحولات الكبرى التي عاشتها المنطقة.
وهنا تكمن أهمية الكتاب.
من سيرة الفرد إلى ذاكرة الوطن
يبدو البحث في سيرة شخصية أدبية كبيرة، للوهلة الأولى، بحثًا في حياة فرد غير أن السيرة حين تكون مرتبطة بتاريخ شعب وقضية، تتحول إلى مدخل لقراءة زمن كامل.
ومن خلال شخصية معين بسيسو يمكن للقارئ أن يتتبع تحولات فلسطين، وأن يلامس أسئلة المنفى والوطن، والاحتلال والمقاومة، والحرية والعدالة، وأن يرى كيف استطاعت القصيدة أن تتجاوز حدود الورق لتصبح فعلًا من أفعال الوعي والمواجهة.
فالكاتب لا يعيش خارج التاريخ إنه ابن لحظته، وشاهد عليها، وأحيانًا يصبح أحد صانعي ذاكرتها. ومن هنا تأتي ضرورة توثيق سيرته، لا باعتبارها حكاية شخصية فحسب، وإنما باعتبارها جزءًا من الذاكرة الثقافية الفلسطينية والعربية.
بحثٌ لا يكتفي بالتعريف… بل يحاول إعادة القراءة
القيمة الحقيقية لهذا العمل أنه لا يضع معين بسيسو في إطار تمجيدي مغلق، بل يفتح سيرته على أسئلة البحث والتحليل
كيف تشكل وعي الشاعر؟
ما أثر البيئة الفلسطينية في تكوينه؟
كيف تداخلت الصحافة مع الشعر في تجربته؟
كيف تحولت فلسطين من جغرافيا إلى قضية شعرية وإنسانية؟
وكيف استطاع الشاعر أن يجعل من الكلمة مساحة للمقاومة وحفظ الذاكرة؟
هذه الأسئلة تمنح الكتاب بعده البحثي، وتجعل منه أكثر من سيرة أدبية إنه محاولة لإعادة قراءة تجربة شعرية في ضوء تاريخها ومحيطها وتحولاتها.
تونس وفلسطين… حين يصبح البحث جسرًا للذاكرة
ولعل من أجمل ما في هذا العمل أن يأتي من شراكة تجمع قلمًا تونسيًا بقلم فلسطيني محمد علي الفرجاوي من تونس، ورنا حمد من فلسطين.
فالمسافة الجغرافية بين تونس وفلسطين لا تلغي وحدة الذاكرة العربية، بل تجعل من الكتاب جسرًا ثقافيًا بين بلدين جمعتهما فلسطين كما جمعتهما القصيدة والوجدان.
إن حضور الباحث والكاتب التونسي إلى جانب الدكتورة والشاعرة الفلسطينية يمنح العمل زاويتين متكاملتين عين الباحث الذي يقرأ ويوثق، وصوت الشاعرة التي تحمل فلسطين في الذاكرة والوجدان. ومن هذا التفاعل يمكن أن تتشكل قراءة أكثر ثراءً لشخصية معين بسيسو وتجربته.
الوثيقة في مواجهة النسيان
في زمن تتسارع فيه المعلومة وتتناسل فيه الصور والأسماء، تصبح الكتابة التوثيقية مسؤولية ثقافية وأخلاقية. فالأمم التي لا تحفظ ذاكرتها تترك تاريخها عرضة للتشويه والنسيان.
ومن هنا يمكن النظر إلى معين بسيسو مارد من سنابل لا يموت باعتباره جزءًا من مشروع أوسع لحماية الذاكرة الفلسطينية من الغياب فتوثيق حياة شاعر فلسطيني ليس ترفًا أدبيًا، بل هو مساهمة في حفظ شاهد من شواهد فلسطين، وحفظ جانب من تاريخها الثقافي والإنساني.
إن الكتابة عن بسيسو اليوم تعني أن نقول للأجيال القادمة إن فلسطين لم تكن في التاريخ مجرد خبر سياسي، وإن مقاومتها لم تكن بالسلاح وحده فقد كانت بالقصيدة، والكلمة، والصحافة، والفكر، والذاكرة.
معين بسيسو… حين تتحول القصيدة إلى ذاكرة
في النهاية، لا يأتي هذا الكتاب ليضع نقطة في آخر سطر من سيرة معين بسيسو، بل ليعيد فتح الأسئلة حوله، وليمنح القارئ فرصة للعودة إلى شاعر ظل حاضرًا لأن تجربته تجاوزت زمنها.
فالشعر العظيم لا يموت بموت صاحبه لأنه يجد له حياة أخرى في ذاكرة القراء. والسنابل لا تموت ما دامت الأرض قادرة على الإنبات.
ولذلك يبدو عنوان الكتاب أكثر من عنوان أدبي إنه خلاصة رؤية
معين بسيسو ماردٌ خرج من سنابل فلسطين، حمل الأرض في قصيدته، وحمل القصيدة إلى ذاكرة الأجيال.
ومن خلال هذا العمل المشترك، يحاول محمد علي الفرجاوي ورنا حمد أن يكتبا لا عن شاعرٍ مضى فحسب، وإنما عن ذاكرةٍ ما زالت حيّة، وعن وطنٍ ما زال يُكتب كل يوم، وعن كلمةٍ استطاعت أن تقاوم الزمن لأنها خرجت من عمق الإنسان والأرض والتاريخ.
وهنا تكمن قيمة الكتاب
أن يجعل من السيرة ذاكرة، ومن الوثيقة شهادة، ومن البحث فعلَ وفاء، ومن الشعر وطنًا لا يغيب.


