شارع السرايا قديماً… حمص 1902
لوحتين، بيحكوا قصة مي وحدة، بس بوقتين مختلفين.
الصورة الأولى – السرايا
باينة بالعمق، بسقفها القرميد الأحمر، السرايا بعد ما انتقلت من سوق الحب. واقفة بشموخها الحجري الحمصي ورا الشجر، عم تراقب الساحة.
قدامها، الساقية بحجر اللبّون الأسود، والأرض مرصوفة بحجر الأرصفة تبع أيام زمان.
هون كان دور النساء. الصبح بكير:
مرة بالملاية منحنية عم تملي إبريق نحاس
صبية قاعدة على ركبها بين جرتين فخار
ولد صغير واقف جنب أبوه أبو شروال
والبغل عم يشرب على مهله
لا صوت عالي، لا زحمة. بس وشوشة مي وجرّة فخار عم تتملي. كان هاد وقت “الستّات”، يحكوا همومهم على حفة الساقية قبل ما ترجع الشمس تحمى.
الصورة الثانية – حمام وخان الصفا
هون انتقلنا للساحة الكبيرة. المبنى بعمق الصورة هو خان الصفا (واللي لازق فيه خان الصفا)، وبالأعلى بتبين القبة.
ونفس الساقية، نفس حجر اللبّون، بس المشهد تغيّر كلياً. هاد كان دور السقا الرجال. بعد الظهر:
الحمار نايم على الأرض من التعب، محمّل قرب الميّ الجلد
السقا راكع عم يربط القرب بإيديه
ابنه الصغير واقف حارسه ببارودة خشب، وعيونه على الرزق
والأرض فاضية من الجرار، ما في ولا مرة… لأن الدور خلص
الصورتين بيشرحوا كل شي بدون كلام: حمص كان عندها قانون غير مكتوب، قانون احترام. المي إلها وقت للنسوان، ووقت للرجال. لا حدا يتعدى على حدا، والكل يشرب من نفس ساقية المي البارد.
اشتقنا لشارع السرايا لما كان مرج أخضر، مو شارع.
اشتقنا لحجر اللبّون اللي كان يبرد القلب قبل المي.
اشتقنا لما كانت الساقية هي الساعة تبع الحارة… ساعة للنساء، وساعة للرجال.


