مريم الأسطرلابية: عاشقة النجوم التي أضاءت سماء حلب
في مدينة حلب، شمال سوريا، وتحديداً في القرن العاشر الميلادي، كان الليل يحمل حكاية مختلفة. كانت السماء المرصعة بالنجوم أشبه بلوحة فنية يقرأ فيها الناس أوقاتهم ويتعرفون على اتجاهاتهم. وفي أحد أحياء حلب القديمة، كانت طفلة صغيرة تجلس بجانب نافذة بيتها المتواضع، تحدق في السماء ساعات طويلة. لم تكن تلك الطفلة تعلم أنها ستكبر لتصبح أشهر صانعة أسطرلاب في عصرها، وسيخلد اسمها في سماء العلم إلى الأبد .
ابنة العجلي: بداية الحلم
كان والد مريم، رجل يُعرف بـ”العجلي”، يعمل في صناعة الأسطرلابات، وهي آلات فلكية معقدة تستخدم لقياس حركة النجوم وتحديد الوقت . كان يعمل بتفانٍ وإخلاص في ورشته المتواضعة، يصنع أدوات دقيقة يحتاجها العلماء والملاحون والمسافرون. لكن اللافت حقاً أن هذا الرجل لم يكن كغيره من آباء ذلك الزمان.
ففي وقت كانت المرأة فيه بعيدة عن ميادين العلم والعمل، قرر العجلي أن يأخذ ابنته الصغيرة معه إلى ورشته. كانت مريم تراقب والدها وهو ينحت بدقة على النحاس، يرسم دوائر غامضة، وينقش أسماء النجوم. كان المشهد بالنسبة لها ساحراً، وكأن والدها يصنع قطعاً من السماء .
التلميذة النجيبة
لم تكتف مريم بالمشاهدة. تعلمت من والدها أساسيات الصنعة، وتدرجت في علوم الرياضيات والهندسة والفلك . لكن الموهبة وحدها لا تكفي، فقد احتاجت إلى مزيد من التعلم. هنا تبرز قصة شيقة: كان والدها تلميذاً لعالم فلك شهير من بغداد يدعى “نسطولس”، أحد أشهر صانعي الأسطرلابات في ذلك العصر .
تخيل مريم وهي تنتقل من حلب إلى بغداد، عاصمة الخلافة العباسية ونقطة الاشعاع العلمي في العالم آنذاك. التلميذة الصغيرة تجلس بين كبار العلماء، تتعلم أسرار الصنعة، وتستمع إلى شروحات نسطولس عن حركة الكواكب وقياس أبعاد السماء. وبعد سنوات من التعلم والمثابرة، عادت مريم إلى حلب محملة بالعلم والخبرة، لكنها هذه المرة لم تعد مجرد ابنة صانع أسطرلاب، بل صارت هي نفسها صانعة ماهرة .
في بلاط سيف الدولة
كانت حلب في ذلك الزمان تعيش عصرها الذهبي تحت حكم سيف الدولة الحمداني، الأمير الذي جعل من بلاطه ملتقى للعلماء والأدباء والمفكرين . وصلت شهرة مريم إلى مسامع الأمير، فدعاها للعمل في بلاطه. يا له من تكريم عظيم! ففي قصر يضم ألمع العقول في ذلك العصر، كان لمريم مكانتها الخاصة.
عملت مريم في بلاط سيف الدولة منذ عام 944 حتى 967 ميلادية . كانت تصمم وتصنع الأسطرلابات التي تستخدم في:
· تحديد أوقات الصلاة بدقة متناهية، وهو أمر بالغ الأهمية للمسلمين
· معرفة اتجاه القبلة من أي مكان في العالم
· الملاحة البحرية التي كانت تعتمد كلياً على النجوم
· قياس ارتفاعات المباني والجبال
· تحديد بدايات الشهور الهجرية
الإسطرلاب المعقد: عبقرية امرأة
لكن مريم لم تكن مجرد ناقلة للعلم، بل كانت مبدعة حقيقية. قامت بتطوير الإسطرلاب واختراع ما عُرف باسم “الإسطرلاب المعقد” (أو “ذات الصفائح” كما أطلقت عليه العرب) .
هذا الجهاز العجيب كان يمثل نموذجاً ثنائي البعد للقبة السماوية. تخيل أن تحمل بين يديك قطعة من النحاس المنقوش عليها كل النجوم التي تراها في السماء، وتستطيع من خلالها معرفة موقع أي نجم في أي وقت من الليل أو النهار. كان العلماء والميسورون يحملون الأسطرلابات الصغيرة مثل ساعات الجيب اليوم، بينما كانت هناك نماذج ضخمة يصل قطرها إلى عدة أمتار تستخدم في المراصد الكبرى .
ما يثير الدهشة أن الإسطرلاب المعقد كان يؤدي وظائف لا تختلف كثيراً عما يفعله اليوم نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) والأقمار الصناعية. بل إن بعض الباحثين يعتبرون أن آلية عمل هذا الجهاز القديم هي الأساس الفكري الذي قامت عليه أنظمة الملاحة الحديثة .
سر الاسم: مريم أم العجلية؟
هنا تكمن قصة طريفة. في المصادر التاريخية القديمة، وخاصة كتاب “الفهرست” لابن النديم، ورد اسمها باسم “العجلية بنت العجلي” فقط. فلم يذكر المؤرخون اسمها الأول. لكن في العصر الحديث، أضاف إليها الكتاب والباحثون اسم “مريم” تقديراً واحتراماً، فأصبحت تُعرف بمريم الأسطرلابية .
ولقب “الأسطرلابية” لم يكن مجرد اسم، بل كان وصفاً لمهنتها التي اشتهرت بها، كما نقول اليوم “المهندسة” أو “العالمة” .
الإرث الخالد: من حلب إلى النجوم
لم يذكر التاريخ كيف أمضت مريم سنواتها الأخيرة، ولا متى توفيت. لكن إرثها بقي حياً عبر القرون. فقد ألهمت قصتها أجيالاً من العلماء والباحثين .
وفي عام 1990، حدث تكريم استثنائي. اكتشف عالم الفلك الأمريكي هنري هولت كويكباً في حزام الكويكبات الرئيسي، وأطلق عليه اسم “7060 العجلية” (Al-ʻIjliya) تكريماً لهذه العالمة السورية العظيمة .
هكذا، وبعد أكثر من ألف عام من وفاتها، صعدت مريم الأسطرلابية إلى النجوم التي أحبتها وعشقتها. لم تعد تحدق في السماء من نافذة بيتها في حلب، بل صارت هي نفسها نجماً يضيء سماء العلم والإبداع.


