الغيوانية بصوت المرأة (1): النبش في سيرة سكينة الصفدي، حين عاش الصوت النسائي الألم الحياتي الغيواني
أحمد طنيش
الغيوانية حين ترويها امرأة، لقد كتبنا كثيراً عن الغيوانية بصوت الرجال، آن الأوان لأن نعيد كتابة جزء منها بصوت النساء، وسكينة الصفدي هي واحدة من مفاتيح هذا الباب، فهي لا تمنحنا فقط تاريخاً موازياً لجيل جيلالة؛ بل تمنحنا مرآة أخرى للظاهرة كلها، من خلال سيرتها نكتشف أن الغيوانية لم تكن احتجاجاً في الأغنية فقط، كانت احتجاجاً في الحياة نفسها.
المرأة التي دخلت إلى هذا العالم في بداية السبعينيات، وهي تعرف أن الخشبة ليست مكاناً سهلاً للنساء، ثم خرجت منه لتبحث عن تجربة أخرى، ثم عادت إلى الفن مع زوجها، ثم تقاسمت معه المرض والعطالة والموسيقى، تبدو اليوم كأنها حملت داخل سيرتها كل تناقضات ذلك الزمن.
لهذا يمكن أن نقول، لا باعتبارها حقيقة تاريخية حرفية، وإنما باعتبارها قراءة في معنى سيرتها:
سكينة الصفدي لم تغنِّ الألم الغيواني فقط… لقد عاشته.
عاشته في طفولتها.
وفي بحثها عن مكان.
وفي دخولها إلى فضاء الرجال.
وفي خروجها من المجموعة.
وفي إعادة بناء تجربتها.
وفي شراكتها مع مصطفى أهباض.
وفي المرض.
وفي الصمت الذي لف سنواتها الأخيرة.
وربما لهذا السبب تحديداً، فإن استعادة سكينة اليوم ليست استعادة لصوت نسائي غاب.
إنها إعادة اكتشاف للغيوانية نفسها، حين نسمح للمرأة بأن تروي نصف الحكاية الذي ظل طويلاً في الظل.
في تاريخ الظاهرة الغيوانية، ظل السؤال عن المرأة سؤالاً مؤجلاً.
كأن الغيوانية، وهي التي جاءت أصلاً لتكسر القوالب، وتمنح الصوت للهامش، وتدخل إلى مناطق لم تكن الأغنية المغربية السائدة تجرؤ على دخولها، ظلت هي نفسها أسيرة صورة ذكورية في أغلب رواياتها.
لكن ماذا يحدث حين نعيد قراءة الظاهرة من خلال صوت امرأة؟
ماذا يحدث حين لا نبحث عن المرأة باعتبارها «إضافة» إلى المجموعة، وإنما باعتبارها جزءاً من بنيتها التاريخية والإنسانية؟
هنا تظهر سكينة الصفدي.
ليست فقط المرأة التي غنت مع جيل جيلالة.
وليست فقط «أول صوت نسائي» ظهر داخل ظاهرة المجموعات الغيوانية في سبعينيات القرن الماضي، كما تؤكد مصادر عدة.
إنها واحدة من الشهادات الإنسانية الأكثر قسوة على زمن كامل.
سيرة امرأة ابنة الدار البيضاء من أسرة عريقة، دخلت المسرح وهي شابة، التحقت بتجربة جيل جيلالة في لحظة التأسيس، ثم غادرتها، وخاضت مسارات أخرى، قبل أن تعود إلى الغناء إلى جانب زوجها الفنان والموسيقي مصطفى أهباض.
بين البداية والنهاية، هناك قصة طويلة من الألم، والمقاومة، والإصرار، والتهميش، والمرض، والحب، والفن.
ربما لهذا يجوز أن نقول، بحذر ووعي، إن سكينة الصفدي عاشت الألم الحياتي الغيواني.
من الدار البيضاء… امرأة من قلب الجملة الغيوانية
سكينة الصفدي ليست وافدة على الغيوانية من خارجها.
هي ابنة الدار البيضاء، المدينة التي ستصبح لاحقاً واحدة من أهم الجغرافيات الحاضنة للظاهرة.
ولدت سنة 1952، وعاشت طفولة صعبة؛ فقدت أمها وهي في الحادية عشرة من عمرها، وتكفل خالها بتربيتها. ومع ذلك لم تكن طفولة انكسار كامل، فقد عُرفت عنها الحيوية وحب المسرح والغناء وحتى كرة القدم.
هنا تبدأ المفارقة.
المرأة التي ستصبح لاحقاً أحد الأصوات المؤسسة في تجربة جيل جيلالة، كانت تحمل في سيرتها المبكرة شيئاً من ذلك الشرط الذي سيصنع لاحقاً جزءاً من الروح الغيوانية:
الهامش، الفقد، الحاجة إلى التعبير، والبحث عن مكان في الحياة.
لم تكن الغيوانية بالنسبة إليها مجرد اختيار موسيقي.
كانت، ربما، امتداداً لمسار شخصي بدأ قبل الغناء.
المسرح أولاً… ثم جاءت المجموعة
دخلت سكينة عالم الفن من بوابة المسرح.
بين 1964 و1970 اشتغلت في المسرح الغنائي، وشاركت في أعمال تراثية إلى جانب أسماء كبيرة من المسرح المغربي، من بينها نعيمة المشرقي وحبيبة المذكوري والشعيبية العذراوي، كما التقت في تلك المرحلة أسماء ستصبح لاحقاً من رموز الظاهرة الغيوانية، ومنها بوجميع والعربي باطما.
وهذا التفصيل مهم جداً.
لأن سكينة لم تدخل الغناء من باب الاستوديو أو الشهرة.
دخلته من الخشبة.
هذا يجعلها تنتمي إلى الجذر المسرحي الذي ساهم في تشكيل ظاهرة المجموعات.
فجيل جيلالة نفسه خرج من رحم المسرح؛ وتذكر روايات تاريخية أن فكرة المجموعة تبلورت سنة 1972 من مجموعة من شباب المسرح، من بينهم حميد الزوغي والطاهر الأصفهاني ومحمد الدرهم ومحمود السعدي وسكينة الصفدي وعبد الرحمن باكو، قبل أن تتبلور التجربة في شكلها المعروف.
إذن، حين دخلت سكينة جيل جيلالة، لم تكن ضيفة على التجربة.
كانت من جيلها المؤسس.
المرأة التي دخلت إلى منطقة الرجال
في بداية السبعينيات، كان الغناء الجماعي الشعبي والملتزم مجالاً ذكورياً بامتياز.
ولهذا فإن دخول سكينة لم يكن مجرد انتقال من المسرح إلى الغناء.
كان اختراقاً اجتماعياً.
لقد دخلت إلى فضاء لم يكن المجتمع المغربي ينظر إليه بوصفه مكاناً طبيعياً للمرأة.
والأهم أنها لم تكن مجرد امرأة تقف إلى جانب الرجال لتزيين المشهد.
تؤكد شهادات وكتابات لاحقة أنها كانت عنصراً أساسياً في التشكيلة، وأنها أدت أعمالاً أصبحت جزءاً من رصيد جيل جيلالة، من بينها «الكلام المرصع» و«الجبال واقفة» و«الله يا مولانا»، إلى جانب أعمال أخرى.
بل إن الملك محمد السادس، في برقية تعزية إلى أسرتها سنة 2022، وصف حضورها ضمن جيل جيلالة بأنه حضور متميز، وأشار إلى مساهمتها في تأسيس المجموعة، كما وصفها بأنها فنانة متعددة المواهب.
وهذا الاعتراف الرسمي يضع سكينة في مكانها الصحيح:
ليست هامشاً في تاريخ جيل جيلالة، بل جزء من متن تأسيسها.
سكينة… المرأة التي لم تكن «صوتاً نسائياً» فقط
ثمة خطأ منهجي يقع فيه بعض التأريخ للمرأة داخل الحركات الفنية.
يقال: كانت أول امرأة.
ثم ينتهي الكلام.
لكن أن تكون المرأة «الأولى» يعني أن تكون قد تحملت كلفة السبق.
وسكينة دفعت هذه الكلفة.
فهي لم تكن فقط أول صوت نسائي في ظاهرة المجموعات الغيوانية؛ كانت امرأة تصعد إلى الخشبة وسط الرجال، وتغني خطاباً يحمل هموم المجتمع، وتصبح وجهاً معروفاً في تجربة فنية صاعدة، في زمن لم تكن فيه هذه الصورة عادية.
وهذا ما يجعل حضورها أبعد من مسألة النوع الاجتماعي.
لقد كانت فاعلاً فنياً.
وهذه نقطة ينبغي استعادتها بقوة.
سنة 1975… سكينة في قلب الملحمة
من أكثر فصول سيرة سكينة دلالة مشاركتها في المسيرة الخضراء.
كانت في الثالثة والعشرين من عمرها تقريباً، وخرجت من تسجيل أغنية «العيون عينيا» مع جيل جيلالة، ثم التحقت بمقاطعة بوشنتوف بشارع الفداء، وسجلت نفسها ضمن النساء المتطوعات. وتروي شهادتها أنها أوكلت إليها مهمة تأطير نحو خمسين امرأة، كما أشرفت على مخيم للمتطوعات.
هذه الواقعة تضعنا أمام وجه آخر من شخصيتها.
سكينة لم تكن فقط تغني عن الوطن.
لقد دخلت إلى الحدث نفسه.
من هنا نفهم لماذا ظل حضورها مرتبطاً في الذاكرة بأغنية «العيون عينيا»، وبمرحلة كانت فيها الأغنية الغيوانية قادرة على أن تتحول من منتج فني إلى وثيقة زمنية.


