لنتذكر معا..زيارة الشيخ (مُحمَّد عبْدِ الْجوادِ القاياتِيِّ) إلى اللاذقية و جبلة.- إعداد المحامي: أيمن يحيى حمدو.

زيارة الشيخ (مُحمَّد عبْدِ الْجوادِ القاياتِيِّ) إلى اللاذقية و جبلة
في يوم 9 ذي الحجة 1302 هجري تاريخ 18 سبتمبر 1885 م
إعداد المحامي أيمن يحيى حمدو

الشيخ محمد عبد الجواد القاياتي 1838ـ 1902/ 1254-1320هـ فقيه شافعي و أديب وسياسي مصري كان ممن ناصروا الثورة العرابية، فاعتقل وسجن مدة بالمنيا، ثم أبعد عن مصر سنة 1300ه‍، وعاد بعد أربع سنين، وتوفي عام 1320 هـ /1902م ببلدة “القايات” في الصعيد.

وكان الشيخ القاياتي والشيخ محمد عبده ممن نفي مع كثير من علماء مصر إلى بلاد الشام وبقي فيها ثلاث سنوات 1882 ـ 1885 مترددا بين دمشق و بيروت و دون رحلته في كتابه “نفحة البشام في رحلة الشام”.

قبل فترة الزيارة كانت اللاذقية قد تحولت في العام 1879م إلى متصرفيه مستقله عن طرابلس،وأُلحِقت مع أقضيتها الثلاثه جبله والمرقب وصهيون بولاية سوريه مباشرةً.و ذلك بعد أن زارها والي سوريا (مدحت باشا)وأقام فيها عدّة أيام.

و في كتابه نفحةُ البَشّام يذكر الشيخ تفاصيل رحلتهُ للاذقية ولقاءه بالعلامة عبد الفتاح المحمودي والعلامة محمد صالح الصوفي والعلامة عبد الوهاب الصوفي وغيرهم، وتلقيه هدية من مؤلفها المحمودي وهي نظم الاظهار في النحو وشرحه

وقد وصف الشيخ القاياتي اللاذقيه بأنها مدينة جميله تشبه بلاد مصر في بساتينها ولون ارضها، و أعحب بجمال الجامع المغربي فيقول ((فترى على مسجد هذا الولي وضريحه من البهجة والرونق والنور الواضح المشع مايدركة كل ذي نظر ولايخفى الا على فاقد البصر والجالس في هذا المزار المتلألئ بالانوار يرى البلد والبحر في غاية النضارة))

كَمَا لفتتْ الطواحيْنُ فِي اللاذقيَّةِ انتباهَ الشيْخِ الْمصريِّ ، ورآها تشبهُ كثيْراً الطواحيْنَ الْمبنيةَ فِي مصْرَ والتِي تدورُ على البغالِ والْحميْرِ والْخيولِ، ومثلُها النواعيْرُ والسواقِي التِي تَحملُ الْماءَ للمزارعِ وللشُّربِ: ((مدينةُ اللاذقيَّةِ هيَ أشبهُ شيءٍ ببلاد مصرَ فِي بساتينها، ولونِ أرضها، ووجودِ الطواحيْنِ الشبيهةِ بطواحيْنَ بلادِ مصْرَ على الْخيولِ، وكذلكَ النواعيْرُ والسـَّواقي)).

جاء في كتاب ((نفحة البشام في رحلة الشام
رحلة في بلاد سورية وفلسطين ولبنان قبل حوالي مئة عام تشتمل على وصف لعاداتها وتقاليدها وتراجم لاشهر العلماء والاعيان في بيروت ودمشق وطرابلس الشام والقدس الشريف
تأليف الشيخ محمد عبد الجوار القاياتي سلسلة التواريخ والرحلات۲
دار الرائد العربي بيروت . لبنان ص64 و مابعد))

((ثم عزمنا على السفر إلى طرابلس الشام للتفسح وزيارة مشايخنا وإخواننا الطرابلسيين الذين كنا نعرفهم في مدة المجاورة بالأزهر . لأن كل من حضر منهم إلى بيروت يلح علينا في التوجه إلى زيارتهم في بلدهم وكذلك من لم يحضر إليها يرسل إلينا بطلب ذلك . وعند إرادة السفر لم نجد إلا الوابور العثماني متوجهاً بدولتلو المرحوم ( أحمد باشا حمدي ) الوالي إلى اللاذقية فلم ننكث العزم لذلك ، بل قصدنا زيارة السلطان ( إبراهيم بن أدهم ) فإنه بجبلة ، الكائنة بجوار اللاذقية .

وتوكلنا على الله سبحانه وتعالى ونزلنا الوابور وسار بنا تلك الليلة وبتناها كليلة الملسوع من شدة قيام البحر وقعود همة الوابور . فما أصبح الصباح وانتشر الضياء ولاح ، إلا وقد وصلنا ميناء اللاذقية . وكان في الظن أن ندرك صلاة عيد النحر بعد الخروج من البحر . فلم يساعدنا الحظ المنكود مع بذل غاية المجهود، ومن شدة كبر البحر في ذلك اليوم كان البعض من الركاب في الوابور يلقونه إلى الفلايك رمياً لبعد ما بينهما وبين سلم الوابور ، فمرة تراها مرتفعة مع الأمواج ومرة منخفضة عن السلم . وما زلنا نطلب من الله السلامة إلى أن خرجنا إلى البر فوجدنا شاطيء البحر غاصاً بأهل البلد

المقابلين لجناب الوالي الأفخم . واستقبلنا حضرة ( السيد محمد ) الاسطى الطرابلسي الأصل فإنه كان مستخدماً بتلك الجهة وله منزل باللاذقية وكان معنا في هذه السفرة حضرة ( السيد محمد علي ( الخوجة ، أخو ( السيد محمود ) الخوجة ، فكتب إلى هذا الأفندي تلغرافاً يفيده فيه عن قدومنا ، فاستقبلنا الرجل بكل إكرام وإجلال واحترام ، وذهب بنا إلى منزله واشتغل بملاقاتنا وخدمتنا عن ملاقاة الوالي وخدمته . وأقمنا بمنزله نحو الثلاثة أيام وجاءنا من وجوه البلد وعلمائها من لا نعرف أسماءهم جميعاً إلا أننا نعرف منهم حضرة الأستاذ الشيخ ( عبد الفتاح المحمود ) من أعظم أهل العلم نفعاً بها ، وله نظم الإظهار ، وشرحه في النحو، وأهدى إلينا نسخة منهما فوجدناهما في غاية الظرافة والسلاسة والانسجام . وكذلك الشيخ الفاضل العالم الكامل ( محمد أفندي صالح ) أديب شاعر ، ناظم ناثر ، وخطيب مسجد الولي الكبير والعلم الشهير الشيخ ( محمد المغربي ) ، صاحب الكرامات الباهرة والأسرار الظاهرة جاء من بلاد المغرب وأقام باللاذقية من عهد غير بعيد وما زال بها مشتغلاً بالإرشاد والتعليم ، إلى أن انتقل إلى دار النعيم ، ودفن في أعلى بقعة في البلد كانت محل قلعة قديمة . فترى على مسجد هذا الولي وضريحه من البهجة والرونق والنور الواضح المشرق ما يدركه كل ذي نظر ولا يخفى إلا على فاقد البصر. والجالس في هذا المزار المتلألىء بالأنوار يرى البلد والبحر أسفل منه في غاية النضارة .

ومن جملة من اجتمع بنا فيها حضرة قاضيها ومفتيها ، وحضرة الأستاذ الشيخ ( عبد الوهاب الصوفي ) وولده ، وهو رجل عالم فاضل صالح حنفي المذهب ، كان مجاوراً في الأزهر مدة استاذنا الشيخ ( الباجوري ) ، وكان له مرتب عظيم في الأزهر نحو الألف القرش ، إلا أنه زاد به الشوق والحنين إلى وطنه فلم يستطع صبراً على الإقامة بمصر فترك دروسه ومرتبه ورجع إلى بلده . ولقد رأيناه وحاله في الدنيا حال الفقراء ولورعه وصلاحه لا يرضى.

بالدخول في الحكومات ، إلا أنه من بيت شهير يقال له بيت الصوفي منهم الشيخ ( محمد صالح ) المتقدم الذكر ، والشيخ عبد اللطيف الصوفي أخوه موظف في الحكومة بوظيفة لا أتذكرها الآن

وأخبرني الشيخ ( عبد الوهاب ) المذكور ، انه في مدة مجاورته بالأزهر اجتمع بحضرة الوالد وتلقى عنه طريقة الخلوتية ولم يزل مشتغلاً بعهد الأستاذ الوالد وورده إلى الآن لا يترك ذكره وقراءة الفواتح والدعاء الصالح له ولأولاده عقب كل صلاة . ولقد فرح بنا هذا الشيخ فرحاً شديداً ، وكلفنا دخول منزله لقصد حصول البركة من حسن عقيدته ، مع أننا والله ، مفتقرون لدعاء مثل هذا الشيخ والتبرك بمقابلته ومصافحته . وله ولد أسمر اللون مشتغل بالعلم أخبرنا أنه من جارية تسرى بها في مدة المجاورة فرزق منها بهذا الولد النجيب .

ومن جملة أعيان البلد أولاد هارون عائلة مشهورة دعونا إلى منزلهم وصنعوا لنا وليمة عظيمة وزادوا في الاحتفال والإجلال وكذلك ( محمود بك ) الخازندار جاء لزيارتنا مراراً عديدة

ومدينة اللاذقية هذه أشبه شيء ببلاد مصر في بساتينها ولون أرضها ووجود الطواحين الشبيهة بطواحين بلاد مصر على الخيول ، وكذا النواعير أي السواقي . وبعد أن أقمنا بها ثلاثة أيام تركنا جناب الوالي في أشغاله وتنظيماته واستأجرنا دواب من المكارية وتوجهنا لزيارة السلطان ( إبراهيم ) بن أدهم في بلد قريب منها يقال لها جبلة . وكان معنا حضرة ( محمد أفندي علي ) الخوجه ( وأبو رضا السيد عبد القادر كيوان) من تجار دمشق وذلك بعد ظهر الجمعة وصلاتها في مسجد الأستاذ ( المغربي ) .

فما وصلنا جبلة إلا قريب الغروب ونزلنا في بيت ( محيي الدين ) أفندي صهر الخوجه محمد علي، وبعد الغروب توجهنا لزيارة ضريح ابن أدهم رضي الله عنه وأرضاه ، فوجدناه مزاراً عالي المنار واضح
الأنوار، يدهش الناظر وينعش الخاطر ، تظهر عليه أبهة الملك والسلطان والفتوة والإحسان . وفي مسجده من الآثار والبنيان والاتقان ما يشهد لهذا السلطان بأنه قد خدمته ملوك الزمان

ففي دوائر الحرم عدد كثير من الخلوات المعدة لنوم الغرباء والنزلاء برحابة الرحب ، والواردين على مورده الزلال العذب ، والوافدين على بلاد الشام من الهند والسند والعرب والأعجام . وفي دائرة الحرم حمام عذب الماء مجرب للشفاء ، وفي وسطه بركة ماء كبيرة جداً ، وحولها من شجر السرو شجرات كأنها في العلو منارات . وكنا في مدة الإقامة بجبلة نصلي غالب الأوقات بمسجده الشريف ومزاره المنيف.

ولقد زارنا من أهل جبلة حضرة مفتي أفندي الشيخ طه ومن وجهاء البلد وأعيانها المعتبرين ، وله شهرة بالسخاء والفتوة ، وهو ناظر وقف السلطان ( إبراهيم ) الذي يدير حركة الضريح والمسجد والحرم ، ويقري الضيفان والوفود بأنواع الكرم . ولذا قال فيه الشيخ ( حسن أفندي ) الدجاني مفتي ( يافا ) عندما زار مقام السلطان ( إبراهيم ) وسئل عن أهل جبلة :

ولقد اجتمعنا في حرم السلطان ( إبراهيم ) برجل من أكابر ( علماء الأفغانستان ) على جانب عظيم من الورع والزهد والتجرد عن الدنيا ، اسمه الشيخ ( عبد الرحيم ) وإن كانت شهرته باسم ( عبد الباقي) في أصل بلده نوشهر من عمالة ( باشاور ( الداخلة الآن في حكومة الانكليز . وقد زارنا في القايات بعد مدة طويلة من السنين ولم يزل كل هذا الزمن متذكراً لأسمائنا ، واسم البلد ، حتى جاء إلى بلاد مصر وسأل عن البلد وحضر عندنا في سنة ۱۳۰۷ في ١٠ شعبان مكث عندنا ثلاثة أيام وتوجه إلى الأقطار الحجازية من طريق القصير . ولقد دعوناه للاقامة فلم يرض إلا بهذه الأيام الثلاثة فقط فسبحان العليم بحال عباده الصالحين

وتعرفنا من أهل جبلة بحضرة الشيخ محمد سعيد أفندي ، إمام ضريحالسلطان الأدهمي ومدرس بمسجد الشريف ، وهو رجل صالح دين ظريف على أكمل الأخلاق المرضية والأوصاف الكاملة المحمدية . ثم بعد أن أقمنا بها

نحو الثلاثة أيام حضر الوالي الأفخم في وابوره المخصوص وأجرى ما يلزم إجراؤه عن المكاشفات والملاحظات لأحوال ذلك القضاء ، وبات ليلة عند القائمقام ، وسافر صباحاً ونحن معه إلى طرابلس . فمر بالطريق على قضاء المرقب ونزل بها نحو ساعة . وهي بلدة صغيرة الآن إلا أن بها قلعة قديمة تدل على أنها كانت في الزمان السالف من البلاد الحصينة ولها مبان وقلاع متينة . ثم نزل أيضاً على طرسوس ، وهي مدينة كبيرة على شاطيء البحر ، يظهر على صورتها القائمة أنها كانت قديماً من المدائن الشامية ذوات الشأن . إلا أننا لم ننزل من الوابور إلى البر في هذين الموضعين بل رأيناهما ونحن بالبحر .

فبعد أن نزل بها الوالي أيضاً وأقام بها نحو الساعة أيضاً رجع وسافر الوابور بنا فمررنا على جزيرة إرواد وهي جزيرة في وسط البحر ، في محاذاة طرسوس تماماً ، وليس فيها أرض خالية من البناء ، فعجب لهؤلاء القوم يقيمون بين أمواج متلاطمة وأهوال متعاظمة ، ولاسيما في أيام الشتاء وتزايد الأهوية والأنواء، كيف تسكن لهذه السكنى قلوبهم ، ولا تتجافى عن المضاجع جنوبهم . ولقد سمعنا بأن تعيشهم من الغوص على إخراج السفنج من قاع البحر ، ويلقون بأنفسهم إلى التهلكة في هذه المخاطر المهلكة . ولكن الله سبحانه قد أقام العباد فيما أراد . ثم لم نزل سائرين في البحر إلى أن وصلنا عشاء إلى ميناء طرابلس)).

أخر المقالات

منكم وإليكم