مقالتي غدا في جريدة القاهرة العريقه صفحة اتيليه
عن الفنان المبدع ايمن لطفي
Ayman Lotfy
Naheda El Khoury
المدينه
هل المدينه هي ما تبني من طوب وحديد وتصنع مجتمعات مغلقه او مسورة او حتي مفتوحه ؟؟
المدينة يصنعا البشر بثقافتهم وتاريخهم وذكرياتهم، البشر هم من يصنعون المدن ويصنعون الهويه ويسكنون الذكريات ويتشبثون بالجذور لخلق التوازن في الكون يجب حماية الجذور والهوية لكل البشر.
في معرضه الذي اقيم مؤخرا قدم لنا الفنان الفوتغرافي ايمن لطفي عرضا فنيا يحتفي به بالسرياليه بعنوان” المدينه “.
ارتبط ظهور السرياليه في القرن العشرين بالقضايا المصيريه والمعاناة فقد ارتبطت السرياليه بكونها صرخة احتجاج صدمت البشريه نتيجة لما احدثته الحروب العالمية سواء الاولى او الثانية من دمار .
وقد كان لتاثر السرياليون الاوائل بعالم النفس سيجموند فرويد ونظرياته حول العقل الباطن والاحلام باعتبار ان ذلك الاسلوب هو المنفذ او المهرب الوحيد من الواقع المرعب والدموي والحرب وتداعيتها وفقدان الثقة في المنطق البشري واللجوء للاحلام والجنون كوسيلة للتعبيروالابداع والخروج عن المألوف .
وقد اتخذ الفنان ايمن لطفي منذ بداياته الاسلوب السريالي للتصوير الفوتغرافي نمطا مميزا للتعبير عن افكاره باسلوب غير مباشر يثير التساؤلات ويخلق حورات ثريه ما بين العمل والمتلقي وهو ما جعل له اسلوب فريدا خاصا به .
وقد اتخذت السريالية في التصوير الفوتغرافي كذلك مزج الواقع بالحلم والظل وانعكاسات المرايا والتجارب داخل غرفة التحميض،اما الان ومع تطور التكنولوجيا الرقميه وتعدد اساليبها استخدمت تللك التقنيات الحديثه بحرية وابداع لخلق اعمال تتناسب مع قدرة العقل على التخيل والتفكير خارج المألوف والمنطق ،فقدرة الفنان على التخيل والابداع ومهارة استخدامه للتقنيات الحديثه،اتاح له الحريه في العمليه الابداعيه فلم تعد الصورة الفوتغرافيه تسجيلا للواقع ولكن اصبحت بنائا بصريا يجمع ما بين الواقع والخيال والرمز ،فالفنان يجمع ما بين مجموعه من المشاهد معا لاعادة تشكيل عالما يتجاوزالزمان والمكان .
جمع الفنان ما بين المتناقضات البصريه لتعزيز المعني والهدف المراد تقديمه فقد عبر عن العزلة والغربة باستخدام الفراغ المتمثل في الصحراء القاحله في معظم اعماله والمباني والحبال التي استخدمت بمفاهيم مختلفه ،والحضور الانساني الذي اضفي على الاعمال بعدا فلسفيا واستخدامه للاضاءة كعنصر اساسي في العمل بصورة اكثر دراميه .
قدم لنا الفنان في معرضه نقدا وصرخة استغاثه لقضيه التغيرات الكبري التي قد تطمس روح المكان وتاريخه واستبدالها بكتل اسمنيه صماء تتشابه في كثير من البلدان لا شخصيه ولا ذاكرة تربطها بالمكان وساكنيه .
استخدم مفرداته من صحراء ومباني وحبال والضوء والظل والعنصري البشري وتكرار تلك المفردات عززت من القضيه التي اراد طرحها وتقديمها والتعبير عنها .
العمل الذي استخدم فية الباليرينا وحركة الجسد الراقصه بما فيها من حريه وجمال يتناقض مع الصحراء القاحله وتللك المباني ذات الطابع الحديث من مرايا وكتل اسمنتيه صماء مقيده بالحبال بصورة تعكس الطابع الجاف لتلك الخلفيه امام ليونه وحركة الجسد الراقص .
وكذلك الامر مع العمل الذي تضمن الراقص وسط بيوت متنبض بالحركه والحياة رغم تواضع بنائها وذلك الراقص يمثل السعاده وكذلك تواجد الصحراء وان اختلف المعني المفاهيمي للصحراء .
اما مفهوم ورمزيه السيده الحامل في الاعمال وتكرار الصورة وتعددها داخل العمل مع الاحتفاظ بالخلفية الصحراء الحمراء والحبال والمباني،ان استخدام المراءه الحامل بهيئتها البسيطه حافيه القدمين ملابسها البيضلء البسيطه تعكس العديد من المفاهيم بخلاف كونها رمز للخصوبه والعطاء الا ان الفنان استخدمها بمفهايم متداخله من كونها تمثل الحياة في مواجهة الصحراء وما تمثله من جدب والصحراء الحمراء تحديدا كرمز للموت والجفاف مما يخلق تباين درامي اذ تمثل الامل والحياة وسط واقع دموي ،كما ان التكرار للصوره خلق شعورا بالاضطراب والتوتر هل هو تناسخ للشخصية وتشابها كان البشر او النساء على اختلافهم نسخ مكرره ام اننا واحد بنسخ عده مختلفه “شيزوفرنيا “.
ومن اكثر الاعمال تعبيرا عن واقعنا السياسي هي مشهد تعدد طرمبه المياة المستخدمه بكثرة في القري والاراضي الزراعيه استخدمها الفنان بصور متكرره وسط صحراء مشققه تفتقد للمياة جافه قاحله،هل انعكاسا لازمة المياة التي تهددنا ام هي رمز لجفاف واقعنا من الرأي والرأي الاخر اذ ااصبحنا منساقين لا مشاركين لواقعنا نتاعيش تحت وطئة الظروف الاقتصادية او الحروب في المنطقه وازمات تهدد بتغير واقعنا وحياتنا لتكون اكثر قسوة وجفافا،وهنا يكون دور العازفه محوري لاعطاء الامل بان الفن قد يخفف من حدة الواقع ،هذا التباين ييمنح العمل عمقا فلسفيا .
اما البورتريهات فهي تعكس غموضا وتعزيز للاغتراب والعزلة الا انها اختلفت فيما بينها باعطاء معاني مختلفه لكل مجموعه فمعظم الاعمال تختفي العينين ومعظم ملامح الوجه والحركة الدائريه بتصوير الراس كانها داخل اعصار من الافكار والصراعات ،وهناك العمل الذي استخدم فيه قصاصات من الورق كولاج كانه بيان وارشيفا للذاكرة والتاريخ وتتداخل العمارة مع الجسد كتيمة اساسيه لفكرة المعرض المدينه ، فالبشر تتشكل هويتهم من تراكمات ثقافيه واحداث تاريخيه وتكوين المباني داخل العمل يعكس ان المكان ليس مجرد مكانا للحياة والتعايش بقدر ما هو تكوين للذات والهوية .
رمزيه الحبال كعنصر بصري مهيمن على الاعمال سواء كانت ملفوفه حول الوجوه او المباني ام تشد البوابات الصخريه في قلب الصحراء ،فهي تلعب الدور الاكثر اهميه لكونها اداة قيد للوجود الانساني وسط حصار المدينة الحديثة فالمباني التي بنيت للرفاهيه والتقدم اصبحت داخل قيود ومكبله .
عظم الفنان من القيم الجماليه للسرياليه متمثلة في الربط ما بين النظريات النفسيه وذلك الواقع الذي نحياة بكل تقلباته وصراعاته كصرخه استغاثه فالمعرض قدم لنا رؤيه نقدية مجتمعيه لتلك التغيرات التي تطمس الهويه الفرديه وكذلك المجتمعه فلكل مجتمع بصمته من مدن وحياة وسلوكيات افراده والتدخل لجعلنا نسخ مكرره من اشباهنا نتعايش كذلك في مدن لا تحمل بصماتنا ولا ذكرياتنا بل كتل اسمنتيه صماء يجعلنا نعيش في عالم من الديستوبيا نفتقد فيه هويتنا ويندثر تاريخنا .


