إضاءة فنية
الفنان التشكيلي الدكتور سلام جبار**
وتوظيف المفردة الشعرية الشعبيةإلى لوحة فنية تشكيلية
/ تلولحي إنموذجًا …
تقديم ..
من نظرتي الأولى إلى اللوحة و بعنوانها (( تلولحي ))
ولد إنطباعي الأول الذي تقاسمت أفكاري فيه بين لوحة تشكيلية فيها من (الحداثة) ومفردة عراقية شعبية (قديمة )تكاد تندثركأنها قصيدة شعر لها دلالاتها الخاصة !
واللوحة هنا تجمع القديم والحديث !
وانت تتفحص اللوحة والوجوه من خلف شاشةالكومبيوتر ؟
طبعًا ليس وأنت واقف أمامها مباشرة وتشم رائحة الوانها وسماع صوتها ومشاهدة حركة شخصياتها وأفعالها ،، فالمشاهدة من خلف الزجاج لايشبه الفرجة من قرب ، مع هذا كله تجدفيها التميز الإبداعي المتفرد ..
التعبير في كميات الخوف والقلق المتراكم على وجوه ( الشخصيات )في (المكان ) تعبير عن حالة الوجع والألم المخفي ، كلها معبأة بشحنات عصيبة / نفسية /إنسانية عالية/ والأكثر من هذا هي عبارة عن مجموعة متناقضات وليست مجرد ((مشهد بصري أو لوحة عابرة)) مصنوعة من الخطوط والالوان والأشكال ، لا أبدًا نحن أمام لوحة فلسفية .
مناخ اللوحة وطقوسها :
يأخذنا الفنان الدكتور سلام جبار معه برحلة فنية لاتخلو من المتعة فحسب بل يضعنا مع شخصياته بأجسامهم الهزيلة وأصواتهم الخفية أنينهم (( وونينهم بالشعبي العراقي )) لنأخذ مكانًا بينهم !
ونمارس ذات الطقوس ! طقوس الوجع العراقي !
تلولحي ..
بفضائها المتميز وما يظهر في مناخها الغريب في واقع الفن التشكيلي العراقي الحديث ، نجد هناك إسلوبًا تعبيريًا مع شيء من التكعيبية في تفكيك الأشكال والزوايا !
ونحن نشاهد اللوحة عن بعد ، نتعرف على إسلوب الفنان الدكتور سلام جبار العميق الذي يخدم الفكرة أولًا
أكثر من السعي إلى الواقعية ثانيًا .
المكان والشخصيات :
أن في كثرة الشخصيات وازدحامها وتداخلها ((دلالات)) رمزية فنية وإجتماعية ونفسية ، تخلق لنا إحساسًابالاختناق والضيق وكأن كل شخصية تحمل وجهًا من وجوه الفقد مليئةبالحزن وعيون دامعة !!
الوجوه كلها في حالة من الانتظار والترقب للمجهول الذي يشبه الصمت !
أعود للمدخل الآخر أو العتبة الأولى العنوان :
تلولحي ، الذي يحمل بطياته ودواخله جزء من الذاكرة الجمعية العراقية في قصيدة شعر شعبية ((شعر عامي )) للشاعر الراحل عريان السيد خلف وهو يقول :
تلولحي بروحي گصيبة تلولحي !!
احنه خلانه وكتنا تراب بحلوگ الرحي
تلولحي تلولحي …
وهي دعوة للروح كي تتمايل كضفرة الشَعَر وبذات الوقت تؤكد على قسوة الحياة ومرارتها وعذاباتها !
مفردة لكن بدلالات :
فيها صور عميقة عن الجراح التي تمتد على جسد الروح .. ألم الزمن ومرارة الأيام الصعبة !!
مع سؤال قد يلتئم الجرح مع مرور الوقت !! لكن هل
يمحى أثره ؟
لا أبدًا !
ستبقى اللوحة والسؤال فيها معًا …
((تلولحي )) اللوحة الفنية ،، والمفردة الشعبية ،، اللتان تشكلان بذات الوقت ذلك العنوان المثير للتساؤل !
لماذا تلولحي ؟
تحصيل الحاصل :
أراد الفنان يقدم لنا لوحة فنية تشكيلية بعناصرها الفنية ،، مقابل مفردة شعبية شعرية ،، لها وقع في الحياة العراقية لكونها من زاوية أخرى تمثل قصيدة شعر تحمل دلالات مؤثرة أيضًا … هذا أولًا
وثانيًا : هي رسالة و لوحة توحي بحركة الوداع الأخيرة !!
أو النداء الذي لا يصل ولا يسمع !! أو التلويح لمن تغيب أو غاب قسرًا في العراق ! كالأرواح المغيبة وما أكثرها ! ..
ثالثًا : في تقديم الإهداء الخاص في لوحته إلى الأرواح المغيبة عنوانات واضحة وبالتالي يصبح تلولحي العنوان الأكثر عمقًا …
إذ تتحول اللوحة إلى مرثية بصرية فنية بكل عناصرها الخط واللون والشكل والكتلة والضوء إلى آخره من عناصريقابلها = مرثية بكل أدواتها :
وأدواتها التي تتمثل في العين والدموع كرمز للبكاء ..
دلالات للتعبير عن لوعة الفقد وتقديم محاسن الأموات بمعنى عيون ودموع وهي صور بلاغية شعرية كما الإستعارة والمجاز لتجسيد عمق الوجع ومرارة الفقدان ..
وما يلفت الإنتباه هناك في فضاء اللوحة ((الشخص المعلّق))في أعلى منتصف اللوحة ذكرني في أيام التعذيب زمن النظام الدكتاتوري البائد ..
حينما تبقى الأجسام معلقة على الأبواب لفترات طويلة ،، وهو شكل من أشكال أساليب التعذيب عند الجلاد …
كذلك يرمز هذا الشخص من جانب آخر إلى الغياب أو التعليق بين الحياةوالموت أو المجهول !
رسائل وشفرات وتأويل :
تلولحي : فلسفة جديدة في الفن التشكيلي العراقي :
صور شخصية في الأسفل ..
رجل وإمرأة. ..
وكأن الصور تمثل من بقيت ذكراهم فقط !!
حزن عميق يجتاح اللوحة وصوت النواح والنشيج كأنه فينا و كأننا نسمعه !
أجسام منحنية كأنها تودع الحياة ، والوجوه المخبأة بالأيدي خائفة من القدر !!
تعكس الحزن والعجز لفعل شيءٍ لايمكن فعله ، الصبر والإنتظار فقط هما كفيلان عن قيمة التحمل !
اللوحة عالم متناقض كبير ..
ان تراكم الكتب في الجانب ( الأيسر ))قد يرمز إلى الذاكرة أو التاريخ أو الشهادات التي بقيت بعد أصحابها ،، او إلى اليسار العراقي المهمش الذي كان يقرأ في الماضي ، فأهملت الثقافة والكتب اليوم ، وانحسر اليسار المثقف !!
تلولحي هي :
قصيدة لوحة
كتبها ورسمها فنان مبدع معطاء جعل منها ليست تلويحة وداعٍ عابرة ، بل ثبت يدٌ بقيت معلقة في الهواء تنتظر من لن يعود .
كأنها حاملة منجل الأسطورة صويحب ابن اهوار وادي الرافدين هذا ما شعرت به بكل حواسي وأنا اتنقل بين فضاء اللوحة أفتش بين الوجوه ، علني أعرف أحد منها ، أو على الأقل يشبهني ، أو ربما أجد نفسي مع شخصيات تلولحي !!
بالمحصلة :
وجدتها كلها تشبهني كأنني معهم في ذلك المكان ، بل هي رسمت لي أنا ، فكل وجه يمثلني في تقاسم العذاب والوجع والألم والظلم والأضطهاد .
أخيرًا يمكن القول ان اللوحة (( مهداة )) إلى الأرواح المغيبة وإلى الأمهات والآباء والأبناء الذين ظلوا بين رجاء اللقاء ووجع الغياب ليؤمنا هذا .
أن قوة اللوحة ليست في جمال التكوين وحده وعناصرها وإنما في قدرتها على دفع المشاهد/ المتفرج للتوقف امامها والبحث عن القصص المختبئة داخل كل شخصية !!
أخيرًا ..
أنا وجدت عريان السيدخلف
ومظفر النواب .. وكأن ظلال أرواح جواد سليم والسياب !!
هنا تكمن في عمق اللوحة …
ربما شخص آخر سيكتشف شخصيات أخرى لم أراها أنا..
تلولحي :
عمل يحمل رسالة فلسفية
و إنسانية قبل أن يكون عملاً تشكيليًا ….
وهذا ما يمنحه تأثيرًا عاطفيًا واضحًا ..
**
الدكتور سلام جبار هو فنان تشكيلي وأكاديمي عراقي بارز …
وُلد في بغداد عام 1958، وحصل على دكتوراه فلسفة في الفنون الجميلة ..شغل لقب بروفيسور ومدير المكتب الاستشاري للفنون في جامعة بغداد .
قاد أقسامًا أكاديمية عديدة ولعب دورًا بارزًا في دعم الحركة الفنية العراقية.
أقام معارض شخصية ومساهمات محلية وعربية ودولية عديدة ..
خالص التقدير الاحترام
محبة ومودة بلا ضفاف
ناقد مسرحي وسينمائي ، شاعر وكاتب ..
عضو إتحاد الكتاب والأدباء في العراق
عضو نقابة الفنانين العراقيين
صحفي دولي عضو في نقابة / رابطة الصحفيين الدولية والهولندية / NVJ/ IFJ …
نعمة يوسف السوداني
بغداد /هولندا
#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت

