مدن وذاكرة.. طرابلس : الحب وتصاريف السياسة 1920-1940
بقلم: منى غانم
٢٠٠٩
الصورة لجدي وجدتي رحمة الله عليهما
عندما أعلن الجنرال غورو تقسيم سوريا إلى عدة دول ومنها دولة لبنان الكبير وفي 1 أيلول 1920، واتخذ بيروت عاصمة لها … لم يدر علي خليل أن هذا القرار سيغير تاريخ ذريته إلى الأبد .. إذ قام غورو بضم أرض جديدة إلى متصرفية جبل لبنان، ومنها مدن الساحل والبقاع وطرابلس والجنوب وسهل عكار. و بهذا أصبحت أراضي الإقطاعي علي خليل في سهل عكار مقسمة بين دولتين: سورية و لبنان .
وهكذا أصبح على علي خليل ترك أسرته المقيمة في طرابلس للقيام بزيارات دورية إلى أراضيه في سورية .. كانت زياراته طويلة تبدأ من قضاء عكار اللبناني المتد من مجرى نهر البارد في الجنوب، حتى مجرى النهر الكبير في الشمال وصولا إلى سهل عكار السوري الذي في الجنوب، حتى مجرى النهر الكبير في الشمال وصولا إلى سهل عكار السوري الذي يشمل الاراضي الواقعة ضمن محافظتي طرطوس وحمص.
وكان في زياراته تلك يصحب ابنه الشاب إبراهيم علي خليل إلى قرى جبال الساحل السوري، التي أطلق عليها الانتداب الفرنسي اسم جبال العلويين لمحاولة تمزيقه عن الوطن الأم سورية، تلك المحاولات التي باءت بالفشل وبشكل نهائي في عام 1937 عندما وصل أول محافظ كممثل للدولة السورية إلى مدينة اللاذقية .
وفي إحدى تلك القرى التقى إبراهيم –الذي أصبح جدي بعد حوالي أربعين سنة من ذلك الزمن مع سكينة التي أصبحت جدتي، وارتبطا برباط حب لا فكاك منه . حيث للحب سحره وقدرته على جمع النقائض ليصهرها في بوتقة الشوق .. والترقب … و الأمل. وهكذا جمع الحب بين إبراهيم الليبرالي .. المتمرد و سكينة ابنة الأرض وربيبة بيت دين و مشيخة.
وفجأة … أصبحت الحدود بين سورية و لبنان واقعا وحقيقة أمام إبراهيم .. فهي التي تفصل بينه و بين قلبه …
تروي لنا جدتي سكينة … كيف استطاع حبهما تجاوز كل الصعوبات … و في ليالي الشتاء الباردة ….. يحلو لجدتي رواية الذكريات .. كيف عكف جدي على زيارة المحبوبة آتيا من طرابلس إلى سورية، على ظهر فرسه يعبر بها النهر الكبير الجنوبي . . و تحمر وجنتاها المتجعدتان و تلمع عيناها لتحكي عن جدي الذي كان يعتبر نفسه سوريا لبنانيا…و كيف كان في رحلاته إليها كالجسر على النهر يصل بين الضفتين فكانت تشعر من خلاله أنها تعيش معه في لبنان و أنه لم يغادر سورية قط
لم تكن قصة جدي استثناء، إذ كتب التاريخ العربي نماذج كثيرة لرجال عمالقة سوريين ولبنانين في آن واحد كانوا عروة وثقى بين البلدين .. ومن أبرزهم فارس الخوري الذي كان لبنانيا-سوريا انطلق من لبنان ليتسلّم أعلى المناصب السياسية في سورية . وفارس الخوري تاريخ طويل لايختصر بكلمات و لكن يكفي أن نذكر أنه كان يرى مصيرا واحدا يجمع الدولتين فهو القائل في إحدى قصائده :
مصيبة ضاق عنها طوق واصفها
عمَّ البلاءُ بها والويل والحَرَبُ
لئن تكن نابت الفيحاء ما سَلِِمَتْ
بيروتُ منها ولا حمصٌ ولا حَلَبُ
كما كان الأمير مصطفى الشهابي أحد الجسوراً بين سورية ولبنان إذ انطلق هو الأخر من لبنان إلى سورية ليصبح محافظاً لحلب مرتين ولللاذقية مرتين، ووزيراً للمالية والاقتصاد الوطني، ثم أصبح أميناً عاماً لرئاسة مجلس الوزراء، ثم وزيراً للعدل فسفيراً لسورية في مصر لعدة سنوات، عضواً عاملاً في المجمع العلمي العربي بدمشق، ثم رئيساً لمجمع دمشق.
وكان للنساء نصيب في حالة الاندماج هذه فكانت عادلة بيهم المولولدة في بيروت من أبرز النساء اللواتي لعبن دورا هاما في الحركة النسائية السورية اللبنانية. ففي بيروت أسست عادلة بيهم في (جمعية يقظة الفتاة العربية) لمساعدة الفتيات و ترأست خلال الحرب العالمية الأولى داراً للصناعة والعجزة تمولها الحكومة. أما في دمشق، فقد شاركت في المقاومة الوطنية ضد الفرنسيين، وألّفت إبان الثورة السورية مع عدد من السيدات لجنة الإغاثة والإسعاف كما أسهمت بتأسيس جمعية يقظة المرأة الشامية و ترأستها وعندما تمخَّضت هذه الجمعية وغيرها عن اتحاد الجمعيات النسائية عام 1933 انتخبت عادلة رئيسة لها حتى عام 1967، كما مثلت سورية في عدد من المؤتمرات النسائية العربية والدولية.
لم يستطع جدي يوما أن يستوعب صيرورة السياسة فعاش على الحدود بين سورية ولبنان .. في قرية صغيرة في سهل عكار، و أصبح لديه تسعة أطفال نصفهم يحمل الجنسية اللبنانية و نصفهم الآخر يحمل الجنسية السورية.
وبين هؤلاء، و في تلك القرية الصغيرة، عشت تاريخ لبنان . في طفولتي كنا نذهب إلى طرابلس دون الحاجة إلى أية بطاقة هوية، يكفي أن نعبر النهر الكبير لنصبح هناك، و مازلت أذكر البائع المتجول اللبناني “أبو علي نصر” الذي كان يجلب بضائع لنساء القرية من طرابلس على ظهر فرسه الأبيض.
ولطالما رأيت في طفولتي صور والدتي اللبنانية السورية في المسيرات التي عمت طرطوس في الستينات. كما رأيت الحرب اللبنانية في السبعينات تحرق البيوت من على سطح بيت جدي .. و قابلت اللبنانين الهاربين من ويلات الحرب إلى قريتنا … و يومها سمعت لأول مرة عن انفجارات تهز البيوت وتقتل الأطفال و النساء، بل إن الإنفجارات في طرابلس كانت تهز بيتنا في القرية كما هزته انفجارات نهر البارد منذ سنتين .
و بين وفود الأقارب القادمين من طرابلس لزيارة ابن العم إبراهيم، جدي، عرفت عن كثب الإنسان اللبناني .. فمازلت أذكر زيارات ابن عم و الدتي “أبو فواز” الذي كان يأتينا من الحرب القائمة في طرابلس ببدلة تزينها وردة حمراء .. ومعه عوده الذي كان يضرب عليه حتى ساعات الصباح الأولى . أدركت يومها أن اللبناني لا يموت ….. و انه سيبقى يبحث عن الحب في سورية.
تفرقت العائلة بين الولايات المتحدة الأمريكية و استراليا و فنزويلا و سافر الرجال ..
وذهب أخوة جدي إلى بلاد الله الواسعة، أما أخته فبقيت في طرابلس … ليصبح ابنها سفيرا للبنان في إحدى دول أوربا الشرقية . و تفرق أخوالي بين مدن أمريكية مختلفة … يرتدي أولادهم قمصانا عليها علما سورية و لبنان …. أما خالاتي فبقين رافضات فكرة السفر …. متشبثات بالأرض .. فالمرأة هي الوطن .
ومهما كانت السياسية و تصاريفها .. فإن التاريخ يخبرنا أن الغلبة في النهاية للحب: المنتصر الأكبر دائما و أبدا …


