كتبت المغربية: سعاد ثقيف..عن أعمال سهام الأطرش بين إستنطاق الذاكرة وكشف أسرار الهوية.

بعنوان /أعمال سهام الاطرش بين استنطاق الذاكرة وكشف اسرار الهوية
بقلم الكاتبة المغربية/ سعاد ثقيف

هناك من الفن من يتعامل مع الماضي كجذر يغذي الحاضر ويرسم ملامح الغد. ويقرأ الرمز كلغة تحمل ذاكرة الجماعة فيخاطب الإنسان في كل زمان، فيتجاوز بذلك حدود الزخرفة والاستنساخ. وفي هذا الفن تتحول اللوحة إلى مرآة تتكسر فيها الوجوه إلى مساحات من الضوء والظل، فتنكشف الذات في تعددها وتعقدها، ويصير الحوار بين الإنسان وأرضه، وبين الأصالة والتجريب، جوهر العمل.هذا الفن هو الذي تعتمده الفنانة التشكيلية /سهام الاطرش.
في تجربة الفنانة التشكيلية الشابة سهام شاهين، تتقاطع المفاهيم الشمولية مع استنطاق الذاكرة الثقافية بحثا عن الذات والماهيات، بما تمليه دلالات الهوية المعاصرة. تجربة لا تقدم نفسها بصورة مجازية، بل كمشروع فني متكامل ينطلق من اكتشافات الذات ومن بحث سيكولوجي في الذاكرة والهوية وذات الإنسان.
تؤسس الفنانة لغتها التشكيلية على استحضار الرموز والألوان بوصفها عناصر محورية في خلق مساحات فكرية بصرية تفتح آفاق التأمل. وتنبع هذه اللغة من أسلوب وفلسفة وديناميكية تشكيلية خاصة، توازن بين ذاكرة التشكيل والرؤية البصرية المعاصرة، وتبلغ بماهيات الألوان ودلالاتها آفاقا جديدة للبراهين الفنية.
تنطلق تجربتها من بيئة إقليم الحوز والأطلس الكبير، برؤية جمالية ترى في التراث جذورا ممتدة لرسم المستقبل لا ماضيا للأرشفة،فلا تكتفي اللوحة بمحاكاة الواقع أو استنساخ الموروث زخرفيا، بل تعيد تفكيكه لتبني مساحة بصرية للتأمل والحوار بين الإنسان ومحيطه الثقافي.
تقوم تجربتها تلك على التأصيل واستنطاق الذاكرة الجماعية الثقافية، واستجلابها بصورها التعبيرية الجمالية الحاملة للمورثات، لتصنع دلالات جديدة تبحث في محيط الإنسان وبيئته. وهي محاولة لتخطي عوالم الخيال بحثا عن جذور تستنطق المكان والزمان.
يشكل الوجه الإنساني بؤرة التعبير في أعمالها، حيث يتحرر اللون من وظيفته المحاكية للبشرة، ويقطع السطح إلى مساحات لونية متجاورة تتقاطع فيها الظلال الدافئة والباردة، لتتشكل فسيفساء نفسية تعكس تعقد الذات وتعدد تجاربها.
تجمع أعمال الفنانة سهام بين الرموز التقليدية واللمسات المعاصرة، فتتجاور نظرة العين الثابتة، رمز الصمود والتجدد، مع عناصر حديثة، تأكيدا على أن الهوية بناء متجدد يتفاعل مع العصر دون أن يتنكر للجذور.
ويمثل التراث الأمازيغي مرجعيتها الأيقونية الأساسية، ففي لوحات مثل «ذاكرة من تراث الأطلس» و«زينة الأطلس» تعيد ترتيب مفردات الحياة اليومية والمناسباتية، كالحلي الفضية والنسيج، داخل تكوين ديناميكي يتسم بدفء الدرجات الترابية المكسورة بنغمات الأزرق والفضة. وتتعامل مع المصوغات الأمازيغية بوصفها رمزا للكرامة والانتماء، ومادة تكشف القيمة الجمالية التي أودعتها المرأة الأمازيغية فيها عبر التاريخ، فتصوغ بذلك صورا للذاكرة الثقافية المغربية، وتسهم في التأصيل لهويتها، في تجربة متحررة من قيود النمطية والتقليد.
ويتجلى الدور الاجتماعي والإنساني للفن في استجابتها للأحداث الفارقة، ومنها تجسيدها لغلاف رواية «كرز الحوز تحت أنقاض الزلزال». فرغم استيلاء فاجعة زلزال الحوز على الذاكرة الجماعية، تجنبت الفنانة التناول المباشر للمأساة، واعتمدت التكثيف الرمزي بجمع وجه المرأة الأمازيغية الصامدة بشجرة الكرز المزهرة، ليتحول العمل من مرثية للنزيف إلى وثيقة بصرية تفيض بإرادة الحياة. وينسجم ذلك مع حرصها على جعل الفن أداة للتواصل والترميم النفسي، وترسيخ قيم الذاكرة الوطنية عبر وسائط البحث الجمالي.
تضعنا سهام أمام حوار فني يفتح ماهيات الاكتشاف والبحث في الهوية والبيئة وذات الإنسان، بلغة بصرية شفيفة لها أبعادها الجمالية وأسلوبها التعبيري.
تجربة سهام شاهين تجربة فريدة ببنائها الاحترافي، وبمضامينها القوية ودلالاتها التي تؤكد عبقرية رؤية تشكيلية متجذرة في موهبة كامنة، تسعى لخلق آفاق مستقبلية أكثر رحابة ووعياً، وتقديم أنضج لسيميائيات التعبير المستنطق بجمال الصورة، وتحرير العمل التشكيلي من سلطوية النمطية.

أخر المقالات

منكم وإليكم