فن العجمي يفقد 40 بالمئة من حرفيّيه.. التدريب وارتفاع التكاليف يعوقان المواهب الشابة
صحيفة الثورة السورية
عبير علي
”تُثْبِتُ الغرفة الأثرية في حي مئذنة الشحم بدمشق القديمة، والتي تعود إلى عام 640 هجري، عمق الهوية السورية لفن العجمي كأقدم أثرٍ مؤرّخ ينطق بخصوصية هذه الحِرفة، ما يَدحض كل المراجع المعمارية التي حاولت اختزال التراث الدمشقي أو تغييب جذوره المحلية”، هذا ما أكده الباحث والحرفي في الفن العجمي محمد حاج قاب في حديث لـ “الثورة السورية” موضحاً أن العجمي صاغته أيادٍ برعت في توارث أسرار “الكار” جيلاً بعد آخر.
ويوضح أن الفن العجمي امتلك مكانة جيدة في الفترة المملوكية، وهناك شواهد حية عاينها بنفسه وتوقف عندها مطولاً، أبرزها الزخارف المنفذة في “بيت الخطيب” الكائن في منطقة القلمون وتحديداً في بلدة دير عطية، واصفاً زخارف هذا البيت الأثري بأنها “رائعة جداً لشدة إتقانها وتعبيرها عن الهوية البصرية المملوكية”.
#دلالات التسمية اللغوية
أكد قاب أن إدراج الفن العجمي في الكتب الفنية الحديثة تحت مسمى “الدهان الدمشقي” يُعد إجحافاً في توصيف حقيقته البنيوية والتاريخية، مشيراً إلى أن العودة لفقه اللغة ومعجم “لسان العرب” تظهر أن كلمة “الدهان” تعني في أصلها اللغوي الرسم والتلوين.
وبيّن أن المفهوم اللغوي الصحيح لتسمية “العجمي” في فقه اللغة العربية لا يرتبط بحدود جغرافية، فالقاعدة اللغوية تنص “أعجمَ الشيء أي ما ليس له أصل واحد محدد أو سلالة نقية مستقلة”، فكل ما هو غير عربي عند العرب يُسمى عجمياً.
شرح قاب الفرق بين استخدام لفظ “العربي “و”العجمي “في الموروث التراثي، فالعربي يدل على نقاء السلالة الكلي والوضوح والنسل المعروف الجذور، أما “العجمي “فيعبر عن عدم نقاء المادة واختلاطها، وهو الوصف الأدق للزخرفة العجمية الدمشقية لأنها لا تتبع قاعدة هندسية ثابتة أو سلالة زخرفية نقية واحدة، بل هي فن عبقري منفتح ومنفرد يأخذ من كل بستان زهرة، فيستعير الحرفي وردة من إسبانيا “النيوفا”، وزهرة من شرق آسيا في “كتايلاند”، ويصهر هذه العناصر المتعددة من الشرق والغرب في بوتقة الذوق الشامي، لتنتج لوحة متكاملة الأركان بهوية محلية.
وذكر أن الفن العجمي لا يمكن حصر فكرته في إطار “الفنون الإسلامية” فحسب، هو فن ينتمي إلى مظلة الفنون الدمشقية الإنسانية العامة، مؤكداً أن جذوره وتطبيقاته موجودة في الفنون الدمشقية قبل دخول الإسلام إليها، وتوجد شواهد وتأكيدات تاريخية لبعض الكنائس والأماكن المسيحية القديمة في مدينة دمشق التي بُنيت وزُينت بالكامل باستخدام هذا الفن الزخرفي العريق.
وعزا تحول بلاد الشام إلى الحاضنة الأساسية والوحيدة لتطور هذا الفن وتفرده عن بقية الفنون إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط بين الشرق والغرب، مما خلق حالة من الوعي الثقافي اللاشعوري لدى أبناء هذه المنطقة، وجعل عيونهم تنظر إلى الجمال وتتحسسه وتقوم بتحليله وفهمه بالشكل الصحيح، مبيناً أن الشعوب لا تُسمى حضارية إلا إذا امتلكت القدرة على النظر إلى الجمال وصناعته وتحليله كنسيج متكامل.
#أسرار الصنعة
كشف قاب عن التفاصيل التقنية والفنية الدقيقة لعملية التصنيع، مبيناً أن المعادلة البصرية تقوم على ما يُعرف بـ “النباتي” وليس النباتة، وحمل هذا الاسم لغوياً اشتقاقاً من فعل الإنبات، لأن الزخرفة تنبت وترتفع وتبرز عن مستوى سطح الخشب أو الأرضية الأساسية للعمل المعماري.
وفصّل المكونات العضوية والتقليدية الخمسة التي تتكون منها “معجونة النباتي”، مؤكداً أنها مادة تقوم بالأساس على غذاء حيواني ولم يتغير في تركيبتها شيء منذ 1400 عام وحتى هذه اللحظة، وتشتمل على: ”الغراء الحيواني” وهو المادة الرابطة الحيوية والتي يطلق عليها البعض أيضاً اسم الغراء الأحمر أو الصمغ العربي بناءً على التسمية المحلية لكل مرجع، ونترات الصوديوم، ومادة الزنك.
وفنّد الادعاءات الشائعات الرائجة التي تتحدث عن دخول “زيت الكتان” في خلطة معجون النباتي الأساسية، واصفاً إياها بكلام يروجه من لا يريد تعليم أسرار المهنة للآخرين، وموضحاً أن زيت الكتان يستعمل في مرحلة تقنية مختلفة تماماً تقع “خلف العمل”، حيث يُدهن الخشب به بعد الانتهاء من اللوحة أو الحائط كعملية حماية وصيانة خارجية، لحماية الخشب من الرطوبة والعفن والمحافظة على رونقه وديمومته لتعيش مئات السنين.
وأكد قاب أن توزيع المساحات اللونية والتذهيب في الفن العجمي أصبح محكوماً بظاهرة التبدل المناخي العالمي وبيئة الزبون الجغرافية، وليس بالقواعد اللونية الكلاسيكية الصارمة، موضحاً أن التناغم اللوني واللعب بالألوان الحارة والباردة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمتغيرات الطقس.
وأضاف أن المنازل القديمة كقصر العظم بُنيت في ظل مناخ قديم يتطلب ألواناً دافئة وحارة لتعويض محيطها، بينما يفرض التغير المناخي اليوم قواعد مغايرة، فمن يطلب سقفاً عجمياً لتركيبه في دولة الإمارات العربية المتحدة “وهي بيئة حارة جداً” لا يمكن تزويده بألوان حارة كالأخضر الغامق أو الأحمر الخمري، بل يتم اللجوء إلى الألوان الباردة كالأزرق والأخضر الفاتح والأبيض لكسر حرارة المحيط، وبالمقابل عند تنفيذ مشروع لقصر في روسيا قبل نحو ثلاث سنوات طُلِب إلغاء الألوان الباردة واختيار الألوان الحارة والغامقة والداكنة لتعويض برودة الطقس والمحيط الخارجي في البلد، ما يؤكد أن حركة الألوان “بما فيها اللون اللازوردي الواقع بين الكحلي والأزرق والذي يصنف لوناً حاراً” تخضع للبيئة وللمكان الجغرافي.
#اللوحات المصغرة
أوضح قاب أن الفن العجمي يُصنف اليوم في سوق الديكور والعمارة ضمن “العمارات الفارهة” التي تتطلب قدرة مالية كبيرة إذا ما نُفذت في الأسقف والجدران، نظراً لارتفاع تكلفة المواد والزمن الطويل الذي يستغرقه الإنتاج، ما تسبب في تراجع وجوده بالمنازل العادية وانحصاره في ترميم البيوت العربية القديمة والقصور والفنادق التراثية.
وذكّر أنه منذ دخوله المهنة عام 1989 عندما كان طالباً في الصف السادس الابتدائي، عاصر مراحل تطورها ودخول العجمي في عالم صناعة الموبيليا والأثاث، ولمواجهة انحسار الحرفة في قطاع الأثرياء والقصور، قام قاب بخطوة تطويرية غير مسبوقة في مرسمه تمثلت في تحويل الفن العجمي إلى لوحات فيزيائية صغيرة الحجم تصل أبعاد قطر بعضها إلى 10 سنتيمترات فقط ومشغولة بالزخارف الدقيقة، ليكون الحرفي الوحيد الذي ينجز هذه المصغرات.
وبيّن أن هذه الفكرة حققت هدفين، أولهما إتاحة الفرصة لأصحاب الدخل المحدود لاقتناء قطعة من هذا الفن التراثي، وثانيهما تقديم قطع تراثية فريدة يمكن للسوريين والمغتربين إهداؤها للشعوب الغربية، لإثبات أنهم قادمون من بلاد حضارية عريقة ولديها فنون حقيقية.
وفيما يتعلق بدخول التكنولوجيا الرقمية والقص الآلي (CNC) فقد جزم أن هذه التقنيات والفن العجمي خطان متوازيان لا يلتقيان ولا يمكن للآلة أن تحل مكان الحرفي، لأن طريقة الزخرفة العجمية وبنيتها البارزة لا توجد في أي تقنية أخرى، وحتى لو استُخدمت الآلة في قص الخطوط والتناظرات الأساسية الصعبة لتوفير الوقت (كأن تنجز في ساعتين ما يتطلب يوماً كاملاً وبدقة مئة بالمئة)، فإنها تظل عاجزة كلياً عن محاكاة وصب معجونة “النباتي” اليدوية، ما يحفظ للمنتج اليدوي روحه وقيمته الإبداعية.
#حماية الهوية البصرية
دق قاب ناقوس الخطر بالإعلان عن تراجع أعداد أهل الكار بنسبة 40 بالمئة خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث انخفض عدد الحرفيين الفعليين من 100 إلى أقل من 60 حرفياً اليوم، كما طرح رؤية استراتيجية واضحة المعالم لنقل المعرفة الفنية للأجيال الشابة وحمايتها من الاندثار، داعياً إلى بناء جسر تواصل حقيقي بين وزارة التربية وأهل الحرف لتعديل المناهج التعليمية وتضمينها تخصصات للتعريف بالفنون المحلية منذ المراحل الابتدائية، مبدياً استعداد محترفه الكامل لاستقبال الرحلات المدرسية والطلاب من مختلف المناطق وتنظيم دروس تفاعلية على أرض الواقع لشرح الفن الذي يعيشون في محيطه “كالجامع الأموي وقصر العظم”.
وعزا عزوف الشباب والطلاب في الثانويات المهنية عن تعلم الحرفة إلى غياب العائد المادي الفوري، فالعجمي يتطلب سنوات طويلة من التعلم، ويرى نفسه بعد 35 سنة في المهنة لا يزال يتعلم ويطلع على فنون العالم لتطوير منتجه.
كما أكد على أهمية التوثيق على المنصات الرقمية، مشيراً إلى أن غياب التوثيق فتح المجال لبعض الحرفيين من بلدان أخرى لشن هجوم رقمي وادعاء ملكية الفن العجمي السوري ونسبه لأنفسهم.
واختتم قاب حديثه بصياغة تفرق بين مستويات العمل قائلاً: “أي إنسان يعمل بيده فقط فهو صانع، ومن يعمل بيده وقلبه فهو فنان، أما من يعمل بيده وقلبه وعقله وفكره فهو مبدع، ونحن اليوم بحاجة لمبدعين يقدمون نتاجاً حضارياً ليكون لنا حاضراً نفتخر به أمام المجتمعات كما نفتخر بماضينا”، مؤكداً أن الحفاظ على هذه الحرفة يبدأ من تعليم الجيل الجديد كيف يحافظ على قيمتها.


