سفينة البادية وزمردة التراث: حكاية الجمل السوري عبر العصورفي قلب البادية السورية الممتدة بين تدمر ودير الزور، حيث تلتقي السماء بكثبان الرمل الفسيحة، تبدأ قصة أحد أقدم رفاق الإنسان في تاريخ الشرق الأوسط: الجمل السوري. لا تبدأ هذه الحكاية من فراغ، بل من عمق سحيق؛ إذ غيّرت الاكتشافات الأثرية السورية-السويسرية في حوض الكوم عام 2006 النظريات العالمية تماماً، بعد العثور على عظام “الجمل السوري العملاق” (كاميلوس موريلي)، وهو جمل وحيد السنام عاش قبل 80 ألف عام، وكان بحجم الفيل الأفريقي، مما يثبت أن سوريا هي المهد التاريخي الأول للإبل.الجدّ دحام وحكاية “الخوارة” على وقع نغمات “الهجيني” (الغناء البدوي التراثي لراكبي الإبل)، يجلس الشيخ “أبو دحام” أمام خيمته في ريف الرقة، يراقب قطيعه وهو يسير بوقار نحو الغروب. يلتفت إلى حفيده قائلاً: “يا ولدي، الجمل في باديتنا ليس حيواناً نملكه، بل هو شريك الوجود وسند العيش”.يشرح الجد لحفيده أن البادية السورية تشتهر بسلالتين رئيسيتين من الإبل:• إبل الخوار (الخوارة): السلالة الأكثر شهرة في الجزيرة السورية وبادية الشام. تتميز برأسها الصغير، أطرافها الرفيعة المرتفعة، ولونها الفاتح، وهي بارعة في إنتاج الحليب الوفير.• الإبل الجودية (أو الشامية): وهي إبل قوية وبنية اللون، عُرفت بصلابتها وقدرتها الخارقة على حمل الأثقال لمسافات طويلة عبر طرق التجارة التاريخية.الأهمية الاقتصادية: عصب التجارة وغذاء الصحراءتاريخياً، كان الجمل السوري بمثابة “الناقل الوطني” على طريق الحرير ؛ فكانت قوافل الجمال التدمرية تقطع الفيافي محملة بالتوابل، والحرير، والزجاج السوري إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط.أما في العصر الحديث، وعلى الرغم من دخول الآليات، لا يزال الجمل يمثل ثروة استراتيجية لأهل البادية. حليب النوق (المعروف بـ “الرسل”) هو الغذاء اليومي المعزز للمناعة، ووبر الجمال يُغزل يدوياً لصناعة ” العباءة الوبرية” الشامية الفاخرة و”بيت الشعر” (الخيمة البدوية) التي تقاوم أصعب الظروف الجوية. كما تعد تجارة لحوم الإبل مصدراً رئيسياً لرزق المئات من عائلات المربين.الأهمية الاجتماعية: رمز العزّ والصلح العشائريفي الموروث الاجتماعي السوري، لا يُقاس غنى البدوي أو مكانته بالمال، بل بما يملك من “حلال” وعلى رأسها الإبل. فالجمل هو مهر العروس الفاخرة في الأعراس البدوية التقليدية، وهو المعتمد الأساسي في “الدّية” وقطع النزاعات وحقن الدماء بين العشائر في مجالس الصلح العشائري.وفي السلم، كان “الهودج” المزين بالأقمشة الملونة يوضع فوق الجمل المخصص لحمل العروس (الزّفة) في عرس بدوي مهيب تتناقله الأجيال كلوحة فنية حية.الموروث الشعبي: أمثال وقصص الوفاء والحقديمتلئ الوجدان الشعبي السوري بقصص مذهلة عن ذكاء الجمل ووفائه. ويُقال في المأثورات الشعبية أن الجمل يدعو لراكبه بالسلامة عند السقوط ولا يؤذيه بفطرته، لكنه في المقابل يملك “ذاكرة حديدية”؛ فإذا تعرض للظلم أو الإساءة، يخزن “الحقد” في قلبه ويثأر لنفسه ولو بعد سنوات طويلة، ومن هنا جاء المثل السوري الشهير: “حقد الجمل” كرمز لعدم نسيان الإساءة.كما تزدحم اللهجة السورية بالأمثال المستوحاة من طباعه، مثل:• “الجمل لو شاف حردبته كان وقع وفك رقبته”: ويُضرب للشخص الذي يرى عيوب الناس ولا يرى عيوبه (والحردبة هي السنام).• “يا جبل ما يهزك ريح.. ويا جمل ما يهدك حمل”: دليل على الصبر والصلابة الشديدة.اليوم، ورغم عوائق الجفاف وانتشار الألغام في بعض مناطق البادية، يقاتل المربون السوريون في شمال وشرق سوريا للحفاظ على هذا الإرث الحي، لتبقى قطعان الإبل تسرح في الآفاق، مذكرةً الجميع بأن منبت “سفينة الصحراء” بدأ من هنا.. من قلب سوريا. المصدر : البعثة الأثرية السورية السويسرية (2006): تقارير البروفيسور السويسري جان ماري لوفيه (Jean-Marie Le Tensorer) بالتعاون مع المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا، والتي وثقت اكتشاف عظام جمل وحيد السنام يعود لـ 80-100 ألف عام (تسميته العلمية Camelus more كتاب “البدو” للمؤرخ أحمد وصفي زكريا، الذي وثق الحياة الاقتصادية والاجتماعية وأمثال البادية السورية المتعلقة بالإبل.بحوث جامعة بازل (University of Basel): الدراسات الأنثروبولوجية المنشورة حول تاريخ استئناس الإبل في منطقة الشرق الأوسط وانطلاقها من بادية الشام.#سوريات_souriatفادي الناقولا#مجلة ايليت فوتو ارت.


