حين يصبح الإنجاز روايةً لغير صاحبه
قبل فترة، كتبت مقالاً بعنوان «الذي يُرى أكثر مما يجب»، تحدثت فيه عن أولئك الذين يتقنون الوقوف أمام الضوء، بينما يعمل خلفهم آخرون بصمت.
واليوم، أعود إلى الفكرة نفسها، لكن من زاوية أكثر خطورة.
فالمشكلة لا تتوقف عند من يحب الظهور، بل تبدأ فعلاً حين يتحول الظهور إلى استحواذ على جهد الآخرين، وحين يعاد سرد الحكاية بطريقة تمنح البطولة لمن لم يصنعها.
في بيئات العمل، قد يقضي شخص أشهراً، وربما سنوات، وهو يبني مشروعاً، يتحمل مسؤولياته، يواجه تحدياته، ويقود تفاصيله حتى يصل إلى النتيجة.
ثم يأتي النجاح.
وعندها، قد يظهر من يقدّم نفسه باعتباره صاحب الدور الأبرز، أو من قاد الإنجاز، أو من كان خلف النتيجة، رغم أن الوقائع تقول غير ذلك.
ومع تكرار الرواية، قد يصدقها من لم يكن موجوداً.
وهنا تكمن خطورة السرقة المهنية والفكرية داخل المؤسسات.
فهي ليست فقط أن يأخذ شخص فكرة كتبها آخر، أو يعرض مبادرة لم تكن له. أحياناً تكون السرقة أكثر تعقيداً: أن يعاد تشكيل الذاكرة المهنية نفسها، فيختفي أصحاب الجهد الحقيقيون، ويتقدم إلى الواجهة من يعرف كيف يروي القصة لصالحه.
قد تستطيع أن تستعير منصة، وقد تنجح في تقديم نفسك بصورة مختلفة، لكن هناك شيئاً يصعب تغييره:
الحقيقة التي يعرفها من كانوا حاضرين منذ البداية.
المؤسسات الناضجة تدرك أن الإنجاز لا يُقاس بمن ظهر عند النهاية، بل بمن حمل المسؤولية طوال الطريق.
والقيادات الواعية لا تسأل فقط: من كان موجوداً عند النجاح؟
بل تسأل: من بدأ؟ من استمر؟ من تحمل؟ من واجه الصعوبات؟ ومن صنع النتيجة فعلاً؟
لهذا، فإن العدالة في نسب الإنجاز ليست مسألة مجاملة، بل جزء من النزاهة المؤسسية.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في بيئة العمل ليس أن يُسرق جهد مرة واحدة، بل أن يشعر أصحاب الجهد بأن الحقيقة لم تعد كافية لحمايتهم.
كتبت سابقاً عن الذين يُرون أكثر مما يعملون.
واليوم أضيف:
الأخطر منهم من لا يكتفي بالظهور في المشهد، بل يعيد كتابة المشهد كله لصالحه.
وللحديث بقية…
#بوح_السحر


