كتب د غسان القيم عن اوغاريت، حيث الالواح الطينية ،موسوعة توثيق عن الالهة واللغات المعروفة والحياة

أوغاريت.. حين تحوّلت الألواح الطينية إلى موسوعةٍ للآلهة واللغات والمعرفة الإنسانية””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””حين نتصفح سجل الحضارات القديمة ونقلب صفحات الزمن المخبأة بين طبقات التراب نجد مدناً كثيرة تركت آثاراً عظيمة وشواهد خالدة غير أن القليل منها استطاع أن يقدّم للإنسانية كنوزاً معرفية جعلت منه مدرسة قائمة بذاتها في الفكر واللغة والأسطورة. ومن بين تلك المدن تبرز أوغاريت المدينة التي لم تكن مجرد مرفأ تجاري مزدهر على شاطئ البحر المتوسط بل كانت مركزاً فكرياً وثقافياً وإنسانياً سبق عصره بقرون طويلة.لقد كشفت مواسم التنقيب الأثري المتعاقبة في أوغاريت عن عدد كبير من الرقم الفخارية ذات الطابع الموسوعي وهي مكتشفات فريدة تدفع الباحث إلى التساؤل: هل عُثر في أي موقع أثري آخر على هذا التنوع المعرفي الذي جمع بين الدين والأسطورة واللغة والفكر المقارن بهذا الشكل المدهش؟صحيح أن الاكتشافات الأثرية في مدينة إبلا العريقة في تل مرديخ جنوب حلب أهدت العالم أكثر من سبعة عشر ألف رقيم فخاري ..أعادت رسم ملامح تاريخ سورية في الألف الثالث قبل الميلاد وكشفت جوانب كانت مجهولة تماماً قبل العثور عليها. ولا شك أن أرشيف إبلا يُعد من أعظم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين لما قدّمه من معلومات سياسية واقتصادية وإدارية ولغوية بالغة الأهمية.إلا أن أوغاريت سلكت درباً مختلفاً في عالم المعرفة. فبين ألواحها الطينية لا نجد سجلات إدارية أو وثائق اقتصادية فحسب بل نعثر على نصوص ميثولوجية وأدبية ودينية بلغت درجة عالية من الرقي الفكري والتنظيم المعرفي. ففيها ظهرت قوائم موسوعية تعدّد آلهة أوغاريت وتورد أسماءها ثم تقابلها بترجمتها الأكادية على اللوح نفسه في مشهد يكشف عن وعي علمي ولغوي متقدم سبق كثيراً من محاولات التصنيف اللاحقة.وفي ألواح أخرى نجد قوائم للآلهة الحورية بينما تبرز أمامنا تلك اللوحة الفريدة متعددة اللغات التي تُعد بحق واحدة من أقدم وثائق الديانات المقارنة في التاريخ الإنساني إذ يَرِد فيها اسم الإله السومري وإلى جانبه ما يقابله من آلهة أوغاريتية وكأن كاتبها كان يسعى إلى بناء جسر معرفي بين معتقدات الشعوب وثقافاتها المختلفة. إنها محاولة مبكرة لفهم الآخر وتصنيف الموروث الديني للشعوب وإيجاد القواسم المشتركة بين الحضارات قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.إن هذه النصوص لا تكشف لنا عن أسماء الآلهة فحسب بل تفتح نافذة واسعة على عقل الإنسان السوري القديم وعلى قدرته الفائقة في التنظيم والتصنيف والترجمة والمقارنة. فهي تشهد على مجتمع لم يكن منشغلاً بالتجارة والسياسة فقط بل كان يسعى أيضاً إلى فهم الكون والإنسان والآلهة واللغات من حوله.وهكذا تقف أوغاريت اليوم شامخة بين مدن العالم القديم لا بوصفها مملكة ازدهرت ثم اندثرت بل باعتبارها مركزاً حضارياً أنتج معرفة موسوعية متقدمة وأسهم في صياغة جانب مهم من التراث الفكري للإنسانية. وما زالت ألواحها الطينية رغم ما علق بها من غبار القرون تنطق بلغة العلم والعقل والإبداع وتخبرنا أن هذه الأرض كانت يوماً منارة للفكر والحضارة.أوغاريت ليست مجرد موقع أثري ندرسه في الكتب بل حكاية عشق بدأت مع أول رقيم خرج من بين أنقاضها وما زالت فصولها تتجدد مع كل قراءة جديدة لنصوصها الخالدة. وكلما أضاء الباحثين الأثريين وقارئي الرقم الفخارية سطراً من ألواحها أشرقت أمامهم صفحة أخرى من تاريخ الإنسان السوري . وكأن المدينة ما زالت تهمس من أعماق الزمن:”هنا كُتبت الحكاية.. وهنا ما زالت المعرفة ترفض أن تموت.”عاشق أوغاريت..غسّان القيّم..𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎الصورة المرفقة بعدستي منظر عام لمدينة اوغاريت الأثرية مع إشراقات شمس الصباحات الأولى#من صفحة الدكتور غسان القيم #مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم