لماذا نجحت إثيوبيا بيطريًا رغم الفقر؟ وما الذي ينقص دولًا أغنى منها؟
قراءة في تجربة تستحق التأمل لا التقليد الأعمى
مقالة بقلم الدكتور نهلان جوير حسن
عندما يُذكر اسم إثيوبيا، يتبادر إلى أذهان كثير من الناس الفقر، والمجاعة، والحروب، وشح الموارد. ونادرًا ما يتخيل أحد أن هذا البلد استطاع أن ينتج دليلًا وطنيًا موحدًا للعلاج البيطري، وأن يبني منظومة مهنية تحظى باحترام العاملين فيها، وأن يخرج أطباء بيطريين يعملون في أصعب البيئات بروح مهنية عالية.
ليس المقصود من هذه المقالة تمجيد دولة أو التقليل من شأن دولة أخرى، وإنما طرح سؤال علمي بسيط:
كيف استطاع بلد محدود الإمكانات أن يحقق هذا المستوى من التنظيم البيطري، بينما تعاني دول تمتلك موارد مالية أكبر من غياب أبسط مقومات التنظيم المهني؟
الدليل الوطني… علامة على وجود مؤسسة
من خلال مراجعة الدليل الوطني الإثيوبي للعلاج البيطري (Standard Veterinary Treatment Guidelines) يتبين أنه ليس مجرد كتاب للأدوية، بل مشروع وطني متكامل يهدف إلى توحيد الممارسة البيطرية، ويعرض لكل مرض من خلال: الوبائيات، والأعراض، والتشخيص، والعلاج، والوقاية، مع الاهتمام بالاستخدام الرشيد للأدوية وفترات سحبها.
العلاج-البيطري-للامراض-الباطني.pdf
قد يكون هذا الدليل قد صدر عام 2006، وبعض تفاصيله تحتاج اليوم إلى تحديث، لكن وجوده أصلًا يدل على أن هناك مؤسسة فكرت في سؤال مهم:
كيف نوحد العلاج البيطري في بلد كامل؟
وهذا السؤال في حد ذاته هو بداية النهضة.
لم يصنعهم الفقر… بل لم يمنعهم الفقر
قد يظن البعض أن الحديث هو تمجيد للفقر، وهذا غير صحيح.
الفقر لا يصنع العلماء، ولا يصنع الأطباء، ولا يصنع الحضارة.
لكن الفقر لم يمنع الإثيوبيين من تنظيم عملهم، ولم يمنعهم من كتابة دليل وطني، ولم يمنع الطبيب البيطري من الاعتزاز بمهنته.
إن الفارق الحقيقي ليس حجم المال، بل طريقة توظيف ما هو متاح.
احترام الحيوان… احترام الاقتصاد
في إثيوبيا لا يُنظر إلى علاج الحمار على أنه أمر يدعو للسخرية. بل هو حيوان يعتمد عليه ملايين الناس في النقل والزراعة وكسب الرزق. لذلك تجد الطبيب البيطري يعالجه بكل جدية.
إن احترام الحيوان هناك ليس قضية عاطفية، بل قضية اقتصادية وتنموية. فالطبيب البيطري لا يعالج الحيوان فقط، وإنما يحافظ على مصدر رزق الأسرة. وهذه النظرة الواقعية جعلت المجتمع يحترم الطبيب، لأن الطبيب أصبح جزءًا من التنمية.
المشكلة ليست في الأموال وحدها
تمتلك بعض الدول العربية، ومنها العراق، إمكانات مالية تفوق ما تملكه إثيوبيا بأضعاف كثيرة.
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس:
كم نملك؟
بل: ماذا صنعنا بما نملك؟
يمكن شراء أحدث الأجهزة، ويمكن بناء أجمل المباني، لكن لا يمكن شراء ثقافة العمل المؤسسي.
ولا يمكن شراء الالتزام المهني.
ولا يمكن شراء الرؤية العلمية.
هذه تُبنى عبر سنوات من الإدارة الرشيدة.
أين يبدأ الإصلاح؟
إذا أرادت أي دولة أن تنهض بالطب البيطري، فلا تبدأ بالمباني.
ولا تبدأ بشراء الأجهزة.
بل تبدأ بخمس خطوات:
١- إعداد دليل وطني موحد للعلاج البيطري يُراجع بصورة دورية.
٢- إلزام المؤسسات التعليمية بتدريس الممارسة المبنية على الدليل.
٣- ربط البحث العلمي بمشكلات الثروة الحيوانية الحقيقية.
٤- رفع مكانة الطبيب البيطري في المجتمع باعتباره شريكًا في الأمن الغذائي.
٥- اعتماد نظام تقييم مهني مستمر يضمن بقاء الطبيب مواكبًا للتطور العلمي.
الدرس الذي تعلمته من إثيوبيا
بعد الاطلاع على الدليل الوطني الإثيوبي، لم تكن المفاجأة في أسماء الأدوية، ولا في البروتوكولات العلاجية وحدها.
كانت المفاجأة أن دولة تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة استطاعت أن تقول: (لدينا مشكلة… فلننظم عملنا).
بينما ما زالت بعض المؤسسات في دول أكثر ثراءً تنشغل بالنقاشات، وتؤجل التنفيذ، وتنتج لجانًا أكثر مما تنتج حلولًا.
إن النهضة لا تبدأ عندما تصبح الدولة غنية. بل تبدأ عندما يصبح العلم أولوية، والعمل المؤسسي ثقافة، والمسؤولية قيمة.
وربما يكون هذا هو أهم درس يمكن أن نتعلمه من التجربة الإثيوبية: ليست الموارد وحدها هي التي تصنع التقدم، بل حسن إدارتها، ووضوح الهدف، واحترام المهنة، والالتزام بخدمة المجتمع.


