جديد..الفنان التشكيلي المقدسي شهاب قواسمي
شكرًا أبا الماهر ” الفنان التشكيلي المقدسي شهاب قواسمي “،ربما في توثيقك لهذه الحرفة الشريفة من خلال رسوماتك الرائعة قد منحت الحرف الأخرى المرتبطة مع حرفة الخط العربي المكانة الأرقى والأجمل…
شكرًا مجددًا لما قدمته وتقدمه لصونِ تراثنا الثقافي بشقيهِ الماديِّ وغير الماديِّ وما يرافق هذا التُّراث من معارفٍ ومهارات وتصورات وقيم جمالية لا يمكن أن نحصيها في هذهِ العُجالة …
صباحكم عاطر بالمحبة والتفاؤل والسعادة والهناء والحياة الكريمة الطيبة المباركة ، جمعة مباركة….



***&***
من كتاب مهن قديمة في فلسطين والعالم العربي (قيد التنفيذ)
باب: المهن الشريفة: الخط العربي.
كتاب جماعي: د. محمد فياض الفياض: سورية / المانيا
معمار هادف سالم: سورية / الجزائر
الأستاذة رحاب أنور: جمهورية مصر العربية
تصميم ومونتاج ورسم شهاب قواسمي : القدس
1) الرسمة الأولى: الخطاط المقدسي الشهير «عبد القادر الشهابي» واضع كراريس الخط لمناهج التدريس الفلسطينية وهو في مكتبه بالقدس عام 1927م.
2) الرسمة الثانية: الخطاط المقدسي “محمد صيام” شيخ الخطاطين.
كتب الدكتور محمد فياض الفياض:
ربما اليوم نتحدث عن حرفة هي الأجمل والأرقى مقارنة مع الفنون الحرفية المتعددة ، وهي من الحرف الشريفة التي تتداخل مع فنون كثيرة، إذْ نجد الخط العربي يتصدر هذه الفنون من خلال الهندسة الروحانية والتي تعطي الفنون كلها حالة من الترف الجمالي الذي يعج بالأصالة والتناغم ..
• الخط العربي ليس حالة عابرة : ترجح المصادر التاريخية انتشار الخط العربي بين العرب بسلوكه طريقين:
الأول من حوران موطن الأنباط، إلى وادي الفرات حيث الحيرة والأنبار فدومة الجندل فالمدينة فمكة والطائف..
أما الثاني فهو يبدأ من البتراء فالعلا، إلى مدائن صالح فالحجاز، فالمدينة، ومكة، وتمت رحلة الخط العربي بين منتصف القرن الثالث الميلادي ونهاية القرن السادس الميلادي.
وتدرج في استقلال تأثره بالخط النبطي وابتعاده عن صورته النبطية ليغدو ذا ملامح عربية مميزة انطلقت من الخصائص الثقافية والفلسفية لشخصية الإنسان العربي.
• الخط العربي يتربع على عرش الفنون كلها : تعددت أشكال الخطوط العربية وتنوعت أشكالها متجاوزة حصر النقاد والباحثين ولكنها في مجملها تندرج ضمن أسلوبين رئيسيين هما الأسلوب الجاف والأسلوب اللين.ـ
الأسلوب الجاف: ويسمى أيضاً بالأسلوب القاسي أو المزوي، وتتجلى صوره في رسم الحروف برزانة ووقار ، وتستخدم الأدوات الهندسية لرسم زواياه القائمة. وقدجرى استخدام خطوطه في كتابة المصاحف الأولى، وواجهات العمائر الضخمة والمساجد، وضرب النقود، وينضوي تحت هذا الأسلوب أنواع الخط العربي التي أطلق عليها فيما بعد أنواع الخط الكوفي نسبة إلى الكوفة التي أنشئت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب على ضفاف الفرات في العراق، ولعل أشهرها « الخط الكوفي الهندسي، والخط الكوفي المزخرف، والمضفور، والمورق، والمشجر، والمزهر، والخط الكوفي الأيوبي، والمملوكي…».ـ
الأسلوب اللين: وتبدو على حروفهِ الرشاقة الانسيابية في الرسم الذي يتحقق بقلم الخط أي (القصبة) .
• مسارات الخط العربي : يرى بعض الباحثين أن الخليفة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه هو أول الخطاطين، ثم خلفه الحسن البصري وبعده خالد بن أبي الهياج الذي كتب بالذهب على جدار القبلة في المسجد النبوي بالمدينة أربعاً وعشرين سورة ضمت ثلاثاً وتسعين آية من آيات القرآن الكريم.
ثم جاء الخطاط مالك بن دينار الذي كتب المصاحف بالأجرة، وتوفي سنة 131هـ، وتبعه الخطاط الفذ قطبة المحرر وهو أول من حمل لقب محرر وتوفي سنة 154هـ، ثم الضحاك بن عجلان وإسحاق بن حماد وكانا أستاذين بخط الجليل.ولعل رائد عصر النهضة في تطوير الخط العربي الخطاط المبدع أبو علي ابن مقلة (886-940م) الذي وضع منهجاً للخط وهو النقطة لطول الحرف وانحنائه وانخفاضه، فكان الفنان الذي رفع الخط إلى المستوى الفني، وينسب إليه إبداعه لخطوط الثلث والنسخ وقلم التوقيعات وقد كتب في حياته مصحفين، وعمل وزيراً للمقتدر القاهر بالله وللراضي بالله ثم وشي به فقطعت يده اليمنى فكتب باليسرى.
ومن الخطاطين في زمنه شقيقه عبد الله بن مقلة. ثم كان ابن البواب سنة 413هـ وهو تلميذ ابن مقلة، ومن الأقلام المنسوبة لطريقته (الثلث المعتاد – المنثور- جليل الثلث – المسلسل – الغبار ـ الريحان – الرياشي….). ومن آثاره «ديوان سلامة ابن جندل»، والقرآن المحفوظ في مكتبة شستربتي في دبلن ويظهر فيما بعد ياقوت المستعصمي علماً امتاز بجمال خطه وبراعته وإتقانه وهو القائل: الخط هندسة روحانية وإن ظهرت بآلة جسمانية. ويُعدّ الخطاطون الثلاثة ابن مقلة، ابن البواب، ياقوت المستعصمي نجوم عصر نهضة الخط العربي إذ دخل مرحلة القياس والوزن فصار فناً قائماً بذاته.
واستمر الإبداع والتطوير على يد كثير من الخطاطين في أرجاء العالم الإسلامي وأمصاره ، مثل مير علي الوزير والشاعر والموسيقي في هراة وبخارى في القرن الخامس عشر الميلادي، وعماد الحسني في إيران، وحامد الآمدي في تركية، وغيرهم كيوسف رسا ويوسف جلبي. وقد كانت الشام صاحبة مدرسة خاصة بها، وضع أسسها ممدوح الشريف (1885-1934م) الذي أبدع في عدد من الخطوط. ثم توج التطوير ورسم ملامح خط عربي دمشقي أصيل الخطاط الفنان محمد بدوي الديراني (1894-1967م) فكان خطه التعليق شامياً بإضافاته وتبسيطه، كما برع بخطوط الثلث والنسخ والرقعة، وعاصره الخطاط حلمي حباب (1909-2000م) الذي كتب بخطوط التعليق والثلث والنسخ والكوفي.
وكان في العراق الفنان الخطاط هاشم محمد البغدادي (1917-1973م) الذي خطا في تطوير الخط خطوات واسعة وغدت كراسته «قواعد الخط العربي» مرجعاً لتعليم أنواع الخطوط العربية.
مابرحت مسيرة الخط العربي ترفد العالم العربي والإسلامي كل يوم بمبدعين جدد حملوا الرسالة بصدق وأمانة، وبالرغم من صور الحداثة التي طغت على أسلوب الحرف ومشقه يدويًا إلى تدخل الآلة لتقتل روح الأصالة ، ولكن بالنهاية بقيت مدارس الخط راسخة الدعائم تنمو في النفوس والقلوب قبل الفنون.
وختامًا نستطيع القول : « الخط العربي منح الفنون كلها قيمة جمالية مضافة ، ولهذا أمتلك الخط العربي أعظم مدارس الفن، وهو يتغلب على الفن التشكيلي بقوة الحضور والحسابات الرياضية والروحانية الدقيقة».
إذًا الخط العربي ليس حالة عابرة كما ذكرنا في مقدمة كلامنا ، ولكنه الفن الأرقى الذي منح الفنون كلها عبق عطره لتعج بالأريج السرمدي …


