درع الإبداع: حماية حقوق الملكية الفكرية للفنان التشكيلي
د. عصام عسيري
لا يمكن فصل القيمة الجمالية للعمل الفني عن كيانه القانوني؛ فالفن في جوهره مُلكيّة قبل أن يكون فُرجة. ومع تنامي سوق الفن السعودي والعالمي، أصبحت الحاجة ملحة للانتقال من التنظير الجمالي إلى التحصين القانوني، مستندين في ذلك إلى ترسانة من القوانين الدولية والمحلية التي وضعت لتمكين الفنان من حماية ذاته المعنوية وثمرته المادية.
أولاً: المرجعية الدولية اتفاقية برن
تعد اتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية 1886م وتعديلاتها، هي الدستور العالمي الأول الذي صان حق الفنان. وتنص المادة السادسة منها على مبدأ جوهري يتجاوز حدود البيع: “بغض النظر عن الحقوق المالية للمؤلف، وحتى بعد انتقال هذه الحقوق، يحتفظ المؤلف بالحق في المطالبة بنسبة المصنف إليه، وبالاعتراض على كل تشويه أو تزييف أو أي تعديل آخر للمصنف يكون ضاراً بشرفه أو بسمعته”.
هذا النص يكرس ما نسميه في النقد الحق الأبدي، حيث تظل الصلة الروحية بين الفنان وعمله غير قابلة للانفصام، حتى لو استقرت اللوحة في مقتنيات متحف عالمي أو مجموعة خاصة.
ثانياً: النظام السعودي، حماية شاملة
في المملكة العربية السعودية، جاء نظام حماية حقوق المؤلف الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/41) ليعزز هذه الحماية. فالمادة التاسعة من النظام تمنح الفنان التشكيلي حقوقاً معنوية لا تسقط أبداً، منها:
1.الحق في منع أي عبث بالعمل: وهذا يشمل الإضاءة الخاطئة، أو العرض في سياق يسيء لمكانة الفنان، أو الترميم غير العلمي الذي يغير من ملامح الأسلوب.
- الحق في سحب المصنف من التداول: وهو حق قانوني مكفول للفنان إذا وجد أن بقاء العمل يسيء لتجربته الحالية، مع تعويض المتضررين.
أما في الجانب المادي، فالمادة الخامسة عشرة حددت مدة حماية الحقوق المالية للفنان طوال حياته ولمدة خمسين سنة بعد وفاته، مما يجعل الفن استثماراً عابراً للأجيال لصالح الورثة.
ثالثاً: حق التتبع الإنصاف الغائب
من أهم المواد التي يجب أن يسلط عليها المقال الضوء هو (Droit de Suite) أو حق التتبع، والتي أقرتها اتفاقية برن في المادة (14). هذا القانون يمنح الفنان نسبة من فائض القيمة عند إعادة بيع لوحته في المزادات.
فكيف يعقل أن يبيع الفنان لوحته في بداياته بمبلغ زهيد، ثم تُباع بعد سنوات بملايين الريالات دون أن يناله أو ورثته نصيب من هذا الصعود؟ إن تفعيل هذا الحق محلياً هو الركيزة الأساسية لدعم اقتصاديات الفن.
رابعاً: الاستنساخ الرقمي والذكاء الاصطناعي
نحن اليوم أمام تحدٍ قانوني جديد؛ فالمادة السابعة من نظام حماية حقوق المؤلف السعودي تحظر نسخ المصنف بأي شكل من الأشكال، وهذا يشمل التصوير الرقمي عالي الجودة بهدف الطباعة التجارية “Giclée” دون تصريح كتابي. إن أي استخدام لمفردات الفنان التشكيلية في “برومبت” الذائقة الاصطناعية دون إذن، يعد انتهاكاً لملكيته الفكرية ولحرمة أسلوبه الخاص.
ختامًا، في نطاق الوعي القانوني كفعلٍ إبداعي، نطالب اليوم بضرورة وجود العقد الفني الموحد الذي يحكم العلاقة بين الفنان وصالات العرض (Galleries)، بحيث يتضمن شروط العرض، والتأمين، وحقوق إعادة الإنتاج، وضمان حقوق الفنان من التلاعب والاحتيال والضياع.
إن حماية حقوق الفنان ليست ترفاً، بل هي ضرورة لاستقرار السوق الفني وازدهاره. وكما قال الفقيه القانوني إدوارد مانسفيلد: (يجب أن نضع القوانين التي تحفز العقول المبدعة، لكي لا يضيع الشقاء في سبيل الإبداع سدى).
كرماً حدثونا عن انتهاك حقوقكم الفكرية؟


