تحت ظلال غابةٍ هادئة، نسج الزمان قصةً غير مرئية بين كائنين ينتميان لعالمين مختلفين: أرنبةٍ ثابتة الخطى تُقاس أوقاتها بعجلة الأيام وحساباتها، وعصفورٍ رقيق تُحسب حياته بالتنقل والغيابات..كان يأتيها كل صباح، بروي لها حكاياتٍ عن المدى البعيد وأعالي الأشجار، بينما تقتطع هي من عمرها سنواتٍ لتمنحه دفء الاستقرار وأسرار التفاصيل الصغيرة على الأرض. ومع مرور الأيام، صارت الأرنبة تُسكن حركتها الدائمة على إيقاع حضوره، وتؤجل ركضها كي لا تفوتها لحظة دافئة معه..وفي لحظة صفاء، قُطِع الوعد: سنذهب إلى البحر معاً!كانت الأرنبة تملك من خفتها وسرعة قدميها ما يجعلها تبلغ الشاطئ في أسرع مما تغيب الشمس، لكن العصفور طمأنها بشغفه المعتاد وهو يستعد لرحلاته: “انتظري انقضاء رحلة الهجرة الموسمية”.. فانتظرت..لكن الموعد أتى محتميًا بأعذار السفر والانشغال. مسارات طيران أتت غير متوقعة، قفصٌ بإنتظاره كل مساء، سربٌ تعوّد تغريده الحاني، ورياحٌ عاتية يحتاج إلى تجاوزها. وفي كل مرة كان يهمس لها بثقة وهو يحط على غصنٍ قريب: “في الربيع.. أعدك.. البحر لن يهرب”. وكانت هي تبتسم في كل مرة وتجيبه بذات الصبر واليقين: “أنا على ثقة”..مرت الأعوام، وظن العصفور أن الزمن يتعامل مع الأرنبة بنفس السرعة والنشاط اللذين يحفظان شغفه للطيران. لم يلاحظ أنها لم تعد تركض بين الأعشاب بمرونتها القديمة، بل صارت تجلس عند جذع الشجرة، تتنفس بجهد وتثقل خطوتها قبل أن ترد عليه تحية الصباح.وفجأة.. خفتت الحركة..في صباحٍ خالٍ من أثر قفزاتها، وجدها متخبطة عند مدخل جحرها، تصارع خطوة واحدة متعبة. حط إلى جوارها بقلقٍ فزِع، وقال لأول مرة دون تردّد: “سنذهب اليوم!”. فنظرت إليه بوهن متسائلة كأنها تخاف ألا تكون قد سمعت جد الصدق: “اليوم؟”ولأول مرة في تاريخه، ترك العصفور كل انشغالاته، قفصه، ومواعيد طيرانه.. ترك السرب وأنغامه غير المكتملة، وواجبات السفر التي أكلت زهرة العمر، ودنا منها يحث خطوها ويصنع بجناحيه ظلاً لخطواتها المتعبة، وسارا معاً نحو البحر بخطى أثقلها العجز وأسرعها الشغف المتأخر..وعند الغروب، حين تحول الشاطئ إلى لوحة من الذهب الذائب، التفت إليها بلهفة الشغف المتأخر: “انظري… لقد وصلنا أخيراً!”..لكن عينها الباهتة لم تطرف لشعاع الشمس الأخير، ولم تستدر للماء، بل مالت برأسها نحو الصوت وسألته بصوتٍ خافتٍ كأنه وهم: “هل نحن قريبان منه؟” ساد صمتٌ أثقل من الجبال، قبل أن تهمس: “لم أعد أرى منذ الشتاء الماضي”..انشطر قلب العصفور بالندم، وسألها بصوت مخنوق بالدموع: “لماذا لم تذهبي حين كنتِ تملكين القوة والأبصار؟ لماذا انتظرتِني كل هذا العمر؟”.. فردّت الأرنبة برقة أعمق من ألم العمى: “لأنك لم توعدني بأن أرى البحر.. بل وعدتَني أن نراه معاً”..رافقها بكسرةٍ في الروح إلى حافة الموج حتى لامست المياه قدميها الشاحبتين.. قالت له بكل تسليم: “صِفهُ لي”.. وبدأ يصف لها اتساع البحر ولون الغروب والماء الذي يمتد كأدمع ذهبية محتبسة، وكل كلمة تخرج من حنجرته كانت تنغرس في قلبه كالسكين.. لم يكن يصف البحر، بل كان يصف ثمن “التأجيل”، وثمن الظن المخطئ بأن الأحباء والأوقات ينتظروننا إلى الأبد..في تلك اللحظة، علم العصفور أن أشد أنواع الفقد ليس أن تفوتك الأشياء الجميلة، بل أن تصل إليها متأخرًا.. بعد أن يفقد من تحب القدرة على مشاركتك إياها..#رفقة_علم_الدين #الأرنبة_والعصفور #قصة_قصيرة# بالعربي# مجلة ايليت فوتو ارت.


