نبيل نانو
مارادونا الكرة العربية وأحد أعظم نجوم سوريا
في تاريخ كرة القدم السورية أسماء كثيرة تركت بصمتها لكن هناك نجومًا تجاوز حضورهم حدود أنديتهم ومنتخب بلادهم وتحولوا إلى جزء من ذاكرة كرة القدم العربية. ومن بين هؤلاء يبرز اسم نبيل نانو
أحد ألمع المواهب التي عرفتها الملاعب السورية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي
كان نانو مهاجمًا مختلفًا عن أبناء جيله لاعبًا يمتلك المهارة والسرعة والقدرة على المراوغة ويجيد اللعب في المساحات الضيقة إلى جانب حس تهديفي مميز وتمركز جعله دائمًا قريبًا من المرمى
ولهذا لم يكن غريبًا أن تطلق عليه الصحافة العربية في تلك الفترة أوصافًا كبيرة، حتى وصل الأمر إلى تسميته «مارادونا الكرة العربية».
وُلد نبيل نانو عام 1951 ونشأ في الجزيرة السورية حيث بدأت موهبته الكروية بالظهور مبكرًا مع نادي الحسكة والكرة المحلية في المدينة
كانت الحسكة في تلك الفترة بيئة خصبة للمواهب وبرز فيها عدد من اللاعبين الذين أصبحوا لاحقًا من نجوم الكرة السورية
ولم يحتج نانو إلى سنوات طويلة حتى يلفت الأنظار خارج مدينته
إحدى المباريات التي شكلت نقطة تحول في مسيرته كانت أمام نادي بردى في دمشق حيث قدم عرضًا لافتًا وأظهر مهاراته في المراوغة والتلاعب بالمدافعين الأمر الذي جعل الأندية الكبيرة تضعه تحت أنظارها
في عام 1968 انتقل نانو إلى نادي الجيش وهو في سن صغيرة وهناك بدأت مرحلة جديدة في مسيرته
في صفوف الجيش لعب إلى جانب مجموعة كبيرة من أبرز نجوم الكرة السورية في ذلك العصر وأصبح أحد أهم عناصر الفريق والمنتخب العسكري والمنتخب الوطني
وكان لافتًا أن نانو لم يكن مجرد مهاجم يسجل الأهداف بل كان لاعبًا قادرًا على صناعة الفارق بنفسه
كان يمتلك الكرة، يراوغ، يخلق المساحة، ثم ينهي الهجمة بطريقة جعلته واحدًا من أكثر المهاجمين إثارة للجماهير في تلك الفترة
ومن الذكريات التي بقيت حاضرة في تاريخ مواجهات الجيش والوحدة أن نانو سجل هاتريك في مباراة ذهاب موسم 1972-1973، عندما فاز الجيش بخمسة أهداف دون رد ولا تزال هذه المباراة مسجلة ضمن الأرقام المميزة في تاريخ ديربي الفريقين
نانو مع المنتخب السوري
وصلت موهبة نبيل نانو إلى المنتخب الوطني وأصبح أحد أبرز نجوم الجيل السوري الذي كان يحاول تثبيت مكانته على الساحة الآسيوية
تذكر بعض المصادر أنه خاض حوالي 55 مباراة دولية ومكانته في المنتخب خلال تلك الحقبة لا خلاف عليها
• كان نانو أحد أفراد المنتخب السوري في تصفيات كأس العالم 1974 وهي واحدة من أهم المحطات في تاريخ الكرة السورية القديمة
• وفي 4 أيار/مايو 1973، سجل نانو هدفًا للمنتخب السوري أمام الكويت في المباراة التي انتهت بفوز سوريا 2-1 ضمن التصفيات المؤهلة إلى كأس العالم 1974
• وكان المنتخب السوري قريبًا جدًا من تحقيق حلم التأهل إلى مونديال 1974 قبل أن تحسم إيران التأهل في نهاية المطاف
بلغ نانو في بداية السبعينيات مستوى جعله يحظى بتقدير كبير خارج سوريا أيضاً
هذه المكانة لم تأتِ من فراغ فقد كان نانو يمتلك أسلوبًا فنيًا متقدمًا على عصره وخاصة في المراوغة والتحرك واللعب في المساحات الضيقة
ومن أهم المحطات في حياة نبيل نانو أنه أصبح بحسب المصادر التي تناولت سيرته، أول لاعب سوري يحترف كرة القدم خارج البلاد.
كانت وجهته الإمارات، حيث لعب مع نادي أبوظبي، الذي أصبح لاحقًا نادي الوحدة الإماراتي
وفي تلك المرحلة لم يكن الاحتراف الخارجي للاعب السوري أمرًا معتادًا كما هو الحال اليوم لذلك شكل انتقال نانو إلى الإمارات حدثًا مهمًا في تاريخ كرة القدم السورية
وفي أبوظبي واصل تقديم مستوياته المميزة ولعب إلى جانب عدد من اللاعبين المميزين وترك بصمة جعلت اسمه معروفًا لدى جمهور الكرة الإماراتية أيضًا.
عندما يتحدث من عاصروا نبيل نانو عن أسلوبه، تتكرر صفات معينة
المهارة، المراوغة، الذكاء، التمركز، والقدرة على صناعة الفرص
كان نانو من اللاعبين الذين يستطيعون تحويل الكرة العادية إلى فرصة خطرة
ولم يكن بحاجة إلى مساحة كبيرة حتى يظهر موهبته بالعكس كانت المساحات الضيقة من أكثر الأماكن التي يشعر فيها بالراحة
ولهذا السبب بقيت صورته في ذاكرة من شاهده لاعبًا مهاريًا يستطيع التخلص من أكثر من مدافع ثم الوصول إلى المرمى
ومن أجمل ذكرياته الكروية بحسب حديثه في مقابلات سابقة هدفه في مباراة أمام فريق فورفرتس برلين في ألمانيا وهي المباراة التي حظيت باهتمام الصحافة الألمانية في ذلك الوقت.
كما تحدث نانو عن الدور الذي لعبه زميله موسى شماس والمدرب البلغاري أرغيروف في تطوير مستواه خصوصًا من الناحية الفنية والتدريبية
تحدث نانو عن الصعوبات التي عاشها اللاعبون في تلك المرحلة، من الناحية المادية والنفسية والتنظيمية معتبرًا أن موهبة اللاعبين كانت العامل الأساسي الذي جعل ذلك الجيل قادرًا على المنافسة رغم قلة الإمكانيات.
في عام 1978 تعرض نبيل نانو لإصابة قوية بكسر في القدم خلال مباراة أمام المنتخب التونسي
وكانت الإصابة نقطة تحول قاسية في حياته الرياضية إذ لم يحصل على العلاج الطبي بالشكل الذي كان يحتاجه واضطر إلى الابتعاد عن الملاعب.
ولم تكن المشكلة جسدية فقط بل تركت الإصابة أثرًا نفسيًا كبيرًا عليه، حتى إنه تحدث عن الصدمة التي عاشها بعد الابتعاد عن كرة القدم وعن صعوبة دخوله الملاعب خلال الفترة التي تلت الإصابة
وهكذا انتهت مسيرة لاعب كان لا يزال قادرًا على العطاء لكن الإصابة والظروف المحيطة بها وضعا حدًا لمسيرته كلاعب
لم يبتعد نانو عن كرة القدم بعد الاعتزال
حيث انتقل إلى عالم التدريب وخضع لدورات تدريبية في سوريا ويوغوسلافيا ثم عاد إلى الإمارات ليعمل مدربًا للفئات العمرية في نادي الوحدة لمدة تقارب عشر سنوات
وهناك لم يكتفِ بتدريب اللاعبين، بل ساهم في صناعة أجيال جديدة من المواهب الإماراتية
ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت بتجربته التدريبية النجم الإماراتي إسماعيل مطرالذي تدرب تحت إشرافه في مراحل الفئات العمرية قبل أن يصبح لاحقًا أحد أبرز نجوم الكرة الإماراتية.
عاد نانو للعمل في سوريا، وتولى تدريب نادي الجزيرة عام 2008
ورغم الظروف الصعبة التي كان يعيشها النادي تمكن الفريق تحت قيادته من المنافسة على الصعود وأظهر نانو مرة أخرى قدرته على التعامل مع المواهب الشابة
وكان يحمل حلمًا أكبر من مجرد تدريب فريق حلم إنشاء أكاديمية متخصصة لاكتشاف وتطوير المواهب السورية
كان يرى أن سوريا تملك الكثير من المواهب لكنها تحتاج إلى نظام حقيقي لاكتشافها وتطويرها منذ الصغر
نجم لم ينل حقه من التكريم
ربما تكون أكثر الجوانب المؤلمة في قصة نبيل نانو أن لاعبًا حمل كل هذه الموهبة، ولعب للمنتخب واحترف خارج سوريا واختير ضمن أفضل لاعبي آسيا ثم تحول إلى مدرب ساهم في صناعة نجوم كبار لم يحصل دائمًا على المكانة التي يستحقها في ذاكرة الرياضة السورية الرسمية والشعبية
إرث نبيل نانو
عندما نتحدث اليوم عن نجوم الكرة السورية في الستينيات والسبعينيات فإن اسم نبيل نانو يجب أن يكون حاضرًا بقوة
إنه أحد رموز جيل كامل
جيل كان يلعب من أجل كرة القدم نفسها في ملاعب وإمكانيات تختلف كثيرًا عن عصرنا الحالي ومع ذلك استطاع أن يصل إلى المنافسة الآسيوية وأن يقترب من كأس العالم، وأن يخرج نجومًا تركوا بصمتهم خارج الحدود
نبيل نانو كان موهبة سورية استثنائية سبقت عصرها
كان لاعبًا يجمع بين المهارة والجرأة والذكاء والقدرة على التسجيل وكان واحدًا من أولئك اللاعبين الذين تجعل مشاهدة لقطاتهم القديمة المرء يتساءل: ماذا كان يمكن أن يفعل نانو لو ولد في عصر الاحتراف الحديث حيث الملاعب الحديثة والتدريب المتطور والطب الرياضي والإعلام ووسائل التواصل؟
ربما كان سيصبح نجمًا عربيًا معروفًا على نطاق أوسع بكثير.
لكن ذلك لا يغير الحقيقة الأهم:
نبيل نانو يبقى واحدًا من أعظم المواهب التي أنجبتها كرة القدم السورية وأحد الأسماء التي تستحق أن تستعيد مكانتها في ذاكرة الرياضة السورية
نبيل نانو… اسم من الزمن الجميل واحد ألمع نجوم سوريا الذين لا يجب أن ينساهم التاريخ
………………………..
مصادر الصور: صفحة الاستاذ علام رحمة – صفحة أرشيف كرة القدم
تحرير : أ. ميشيل معلوف
انفوغرافيك #سوريات_Souriat
رابط المقال في موقع سوريات
https://backend.souriat.com/share/article/1475


