شخصية كريون بين مسرحية أوديب ملكا لسوفوكليس ومسرحية عودة الغائب لفوزي فهمي


(١)
على الرغم من كثرة المعارضات التي تمت من قبل كثير من الكتاب المسرحيين لمسرحية أوديب ملكا لسوفوكليس قديما وحديثا فإن معارضة الدكتور فوزي فهمي لهذه المسرحية في مسرحيته عودة الغائب فيها تفكيك كبير لمسرحية أوديب ملكا – ولأسطورة أوديب بشكل عام – وإعادة ترتيب للأحداث بشكل جديد.
ولا شك أن الدكتور فوزي فهمي قد أراد من وراء ذلك في مسرحية عودة الغائب أن تكون معارضته لمسرحية أوديب ملكا مختلفا كثيرا عن الأصل الذي يعارضه، ومختلفة أيضا عن كثير من المعارضات لها.
وكذلك أعتقد أنه قد قصد بهذه المعارضة بتلك التغييرات الكثيرة فيها في ترتيب الأحداث فيها عن مسرحية أوديب ملكا أن يبث أفكاره عن أساليب الحكم، وموقف الشعب منها، كما برز هذا بوضوح في هذه المسرحية، مما يعد إسقاطا على بعض الأحداث المعاصرة.
وكان من ضمن الأمور التي اختلف فيها الدكتور فوزي فهمي عن سوفوكليس في مسرحية أوديب ملكا تصويره لشخصية كريون فيها، كما سوف نرى ذلك في السطور التالية في هذا المقال.
(٢)
أما عن كريون في مسرحية أوديب ملكا لسوفوكليس فإنه شخص نبيل عالي الخلق، وبارع في الحوار؛ ولهذا لم يشأ أوديب أن يسمح له بحواره حين اتهمه أوديب بأنه متآمر مع الكاهن تريزياس لسلب ملك طيبة منه، وقد اتضح لأوديب بعد ذلك خطأه في اتهامه هذا الاتهام لكريون.
وأيضا من صفات كريون أنه شديد التقدير لقيمة الصداقة وشديد الإخلاص لأصدقائه؛ ولهذا استغرب من تسرع أوديب باتهامه له بالتآمر عليه مع الكاهن تريزياس لمجرد ظنون ساورته في ذلك، وعرفه أنه صديق حميم له، وقال له: إن من ينبذ صديقا عزيزا عليه فكأنما نبذ جزءا من نفسه.
ويضاف لما قلته عن صفات كريون في مسرحية أوديب ملكا لسوفوكليس أنه كان شديد التسامح لمن أساء له؛ ولهذا لم يضمر لأوديب أي كراهية حين انقلبت الأمور عليه، واكتشف براءة كريون من التهمة التي نسبها له بالتآمر عليه، واكتشف أيضا أنه سبب الوباء الذي انتشر في طيبة؛ لأنه قتل أباه لايوس وتزوج من امه جوكاستا – وأنجب منها – دون ان يدري أنهما أبواه، وترفق بأوديب عند ذلك، كما يظهر كريون في هذه المسرحية حريصا على خدمة أهل طيبة بحل مشاكلهم من خلال وساطاته لهم عند الملك أوديب.
وأهم صفة نتحدث عنها هنا عن كريون في مسرحية أوديب ملكا لسوفوكليس أنه كان مترفعا عن الحكم، وجهر بذلك لأويب حين تسرع باتهامه له بالتآمر عليه مع الكاهن تريزياس، وقال له: إنني أشد تمسكا بحالي في أن أكون صديق الملك – أي أوديب – من أن أكون أنا نفسي الملك؛ لأنني بوضعي هذا أحظى بكل التجلة من الناس، ويتقربون مني لأعرض مشاكلهم عندك، فتقوم بحلها، أما لو كنت أنا نفسي الملك فسوف أعاني من شدائد الحكم، وقد لا يرضى عني كثير من الناس.
هذه هي صورة كريون في مسرحية أوديب ملكا لسوفوكليس، وكما رأينا فإنها صورة مشرقة عن شخص نبيل الخلق، وله كثير من السجايا الطيبة، وكان زاهدا في الحكم.
(٣)
أما عن صورة كريون في مسرحية عودة الغائب للدكتور فوزي فهمي فإنها مختلفة كثيرا عن صورته في مسرحية أوديب ملكا لسوفوكليس، فكريون في مسرحية عودة الغائب شخص متآمر، ولا تعنيه القيم، بل إنه يدوس عليها بأقدامه،ويلفظها بكلامه وأفعاله في سبيل تحقيق مأربه في التخلص من أوديب؛ حتى يتسنى له أن يكون هو حاكم طيبة.
ولم يكن غريبا وقد ظهر كريون بهذه الصورة أن نرى كثيرا من الأحداث تركز عليه في مسرحية عودة الغائب، كما أننا نراه في بداية أحداث هذه المسرحية مع الكاهن الأعمى تريزياس، وهو يحاول أن يغريه باغتيال أوديب؛ ليصبح هو ملكا مكانه، ولكن تريزياس يطلب إليه التروي في هذا الأمر، واختيار الوقت المناسب للتخلص من أوديب، لا سيما أن الشعب يحبه؛ لاهتماه به، ولأنه جعله شريكا له في الحكم بمشاورته له في كل الأمور.
ونعرف أيضا من هذا الحوار بين كريون وتريزياس أنهما قد حاولا في الماضي التخلص من لايوس الحاكم السابق لطيبة، ولكنهما فشلا في ذلك، وتصادف في ذلك الوقت أن ظهر في مدخل طيبة وحش رهيب، واستطاع أوديب القضاء عليه، فكانت مكافأته حكم طيبة والزواج من الملة جوكاستا التي مات زوجها لايوس خلال تلك الأثناء في وجود ذلك الوحش المخيف الذي كان يهدد كل داخل أو خارج من طيبة بالقضا عليه.
وعندما يتحاور أوديب مع كريون يعرف من خلال عرضه لكيفية مقتل لايوس أنه هو الذي قتله، ولكنه آثر أن يخفي هذه المعلومة هن كريون؛ حتى بعالج الاضطرابات السياسية التي في طيبة، والتي نتجت عن فساد الحكم قبله.
وكذلك يكتشف أوديب من خلال حواره من جوكاستا وعرضها بعض الأمور أن لايوس الذي قتله هو أبوه، وأن جوكاستا هي أمه، ويطلب أوديب إلى جوكاستا أن تتحمل هذه الصدمة الشديدة معه، ولا تصرح بما اكتشفاه في ذلك؛ حتى يتسنى لأوديب ضبط الأمور في طيبة، ومعالجة الاضطرابات التي فيها.
ولا تستطيع جوكاستا أن تكتم ما عرفته من تلك الاكتشافات في قتل أوديب والده لايوس وزواجه من أمه دون أن يعرف حقيقتهما بالنسبة إليه، فتذكرها لأخيها كريون، وحين يعرف تررزياس من كريون هذه المعلومات يخبره أن اللحظة المرتقبة لتخلصهما من أوديب قد حانت.
ويتصادف في هذا الوقت أن ينتشر طاعون في مدينة طيبة، ويشيع تريزياس مع كريون أن سبب هذا الطاعون – كما أنبأته الآلهة – أن قاتل لايوس لم يقتص منه بعد، ويجب نفيه عن طيبة أو قتله.
ويواجه تريزياس أوديب باتهامه له بقتل لايوس وزواجه من أمه أمام جموع الشعب، فيضطر للاعتراف بذلك، ويحاول أن يبرر للشعب سبب إخفائه هذه الحقائق عنه بأنه كان يرغب في القضاء على الاضطرابات التي في البلاد، وأن ينشر فيها الأمان، ولا يقتنع أهل طيبة بمبرراته، ويرفضون حكمه.
كما أن أهل طيبة لا يقتنعون بمبررات كريون وتريزياس في أن الآلهة قد تراجعت عن القضاء على الطاعون بعد معرفة قاتل لايوس والاستعداد لعقابه، وقالا: إن الآلهة قد رأت أن تجعل القضاء على هذا الطاعون من خلال ما يقدمه حكماء طيبة من نصائح في ذلك.
وبهذا فإن أهل طيبة قد رفضو أن يحكمهم كل من أوديب وكريون، وتطلعوا لحاكم آخر؛ مما يدل على زيادة وعيهم بعد الأحداث الكثيرة المتعاقبة التي مرت عليهم.
(٤)
وهكذا رأينا أن صورة كريون في مسرحية عودة الغائب للدكتور فوزي فهمي مختلفة كثيرا عن صورته في مسرحية أوديب ملكا، فبينما رأيناه شخصا نبيلا نزيها جامعا لصفات حسن الخلق في مسرحية أوديب ملكا رأيناه في مسرحية عودة الغائب على خلاف ذلك، فهو في هذه المسرحية شخص لا تعنيه الأخلاق الحميدة، بل إنه في سبيل تحقيق مآربه لا يستنكف عن عمل أي فعل خسيس، كالتآمر للقتل.
وكذلك ظهر كريون في مسرحية أوديب ملكا لسوفوكليس مترفعا عن الوصول لملك طيبة، وكان سعيدا بمكانته كصديق وصهر لكريون، ولا يسعى لما فوق ذلك، بأن يكون هو نفسه حاكم طيبة من دون أوديب، بخلاف شخصية كريون في مسرحية عودة الغائب للدكتور فوزي فهمي فكريون فيها شخص متهافت على الوصول لحكم طيبة، ولديه استعداد للقيام بأي عمل خسيس، كقتل أوديب غيلة لتحقيق هذا المأرب له.

بقلم د علي خليفة

أخر المقالات

منكم وإليكم