
ألبير قصيري
من القصير الحمصية إلى القاهرة وباريس، كاتبٌ هزم السلطة بالسخرية
وُلد ألبير قصيري في القاهرة عام 1913 لأسرة شامية الجذور، وكان والده من بلدة القصير قرب حمص، في واحدة من هجرات الشوام التي أعادت تشكيل جانب مهم من الحياة الثقافية المصرية.
نشأ في حي الفجالة، وتعلّم في المدارس الفرنسية، فصارت الفرنسية لغة كتابته، بينما بقيت مصر بلهجتها وشوارعها وفقرائها ومقاهيها المادة الحقيقية التي صنعت عالمه الأدبي.
كان يقول عن نفسه إنه من «شوام مصر»، لكنه ظل متمسكاً بهويته المصرية، فلم تكن باريس بالنسبة إليه وطناً بديلاً بقدر ما كانت مكاناً يكتب منه القاهرة التي حملها معه أينما ذهب.
اقترب في شبابه من جماعة «الفن والحرية» والطليعة السريالية في مصر، وهناك تشكّل وعيه الرافض للفاشية والسلطة والامتثال، وبدأ يرى الأدب أداة لكشف عبث العالم لا لتجميله.
انتقل إلى باريس عام 1945، ثم جعل من فندق «لا لويزيان» في سان جيرمان دي بري منزلاً شبه دائم، مكتفياً بغرفة صغيرة وحياة قليلة الممتلكات، كأن حياته نفسها أصبحت امتداداً لفلسفته الأدبية.
كتب ببطء شديد، وقد تمر سنوات طويلة بين كتاب وآخر، لأنه كان يرى أن الكتابة ليست إنتاجاً متواصلاً، بل فعلاً لا يستحق أن يحدث إلا إذا كان لدى الكاتب ما يستحق أن يُقال.
من «رجال نسيهم الله» و«الكسالى في الوادي الخصيب» إلى «شحاذون ومعتزون» و«العنف والسخرية»، جعل قصيري المتسولين واللصوص والعاطلين والهامشيين أبطالاً يملكون من الحرية ما لا يملكه أصحاب المال والسلطة.
لم يكن «الكسل» عنده دعوة إلى الخمول، بل تمرّداً على عالم يحوّل الإنسان إلى آلة تعمل وتستهلك وتطارد المكانة، فيما رأى أن التأمل والبطء يمنحان الفرد فرصة لاكتشاف زيف هذا السباق.
أما السخرية فكانت سلاحه الأكثر حدة؛ فالمستبد في أدبه لا يُهزم دائماً بالرصاص، بل قد يسقط عندما يفقد هيبته ويتحول إلى مادة للضحك، لذلك لُقّب أحياناً بـ«فولتير النيل».
ظل الشرق حاضراً في كتبه حتى سنواته الأخيرة، ونجح في جعل الفرنسية تحمل إيقاع الشارع المصري وروحه ومفارقات لغته، فكتب أدباً فرنسياً في لغته، مصرياً في عالمه، وشامياً في جذوره.
نال الجائزة الكبرى للفرنكوفونية من الأكاديمية الفرنسية عام 1990 وعدداً من الجوائز الأدبية الأخرى، قبل أن يتوفى في باريس عام 2008 بعد مسيرة امتدت نحو سبعة عقود من الكتابة المتأنية والتمرد الهادئ.
……………………………….
المصادر: الأكاديمية الفرنسية – مكتبة الإسكندرية.
- المكتبة الوطنية الفرنسية BnF.
- حوارات ألبير قصيري في Le Monde وAl-Ahram Hebdo.
انفوغرافيك وتحرير #سوريات_Souriat
رابط المقال في موقع سوريات
https://backend.souriat.com/share/article/1491


