عبد الله نسيم برقاوي… سيرة وطنٍ في حياة رجل.
بقلم: عماد خالد رحمة – برلين.
في تاريخ فلسطين رجال لا تقاس قيمتهم بما شغلوا من مناصب، بل بما تركوه من أثر في الوعي الوطني والضمير الجمعي. ومن بين هؤلاء يبرز اسم عبد الله نسيم برقاوي بوصفه واحداً من أبناء الجيل الفلسطيني الذي حمل الوطن في قلبه حيثما حلّ، وجعل من حياته سيرةً للنضال، ومن أسرته امتداداً لقيم العلم والكرامة والانتماء. إن توثيق هذه السيرة ليس مجرد استذكار لشخصية وطنية، بل هو حفظ لذاكرة فلسطين التي ما زالت، رغم النكبات والتهجير، تنجب الرجال والنساء الذين يصنعون التاريخ ويصونون الهوية.
ليست فلسطين مجرد رقعة جغرافية، بل هي حضارة ضاربة في عمق التاريخ، تبدأ من الإرث الكنعاني العريق، وتتجدد عبر أجيال حافظت على الأرض واللغة والعادات والتقاليد والثقافة، رغم كل محاولات الاقتلاع والطمس. وقد أثبت الشعب الفلسطيني أن الهوية ليست وثيقة رسمية، وإنما منظومة قيم تُورَّث كما تورث الأرض، وأن الرحم الفلسطيني ما زال ينجب الرجال الكبار الذين يحملون رسالة الوطن جيلاً بعد جيل.
ومن هذه النماذج الوطنية يبرز عبد الله نسيم برقاوي، الذي جمع في شخصيته بين الانتماء الوطني، والانضباط العسكري، والإيمان العميق بحق الشعب الفلسطيني في الحرية والعودة والاستقلال.
ولد عبد الله نسيم برقاوي عام 1945 في مدينة بيسان الفلسطينية، المدينة التي كانت وما تزال شاهداً على أصالة الحضور الفلسطيني في أرضه. وهو ابن المناضل نسيم عبد الله برقاوي، الذي شغل موقعاً مهماً في أحد الأحزاب القومية العربية، وكان من المؤمنين بوحدة الأمة وقضيتها المركزية، فلسطين.
أما والدته، بديعة محمد أديب الجغليط البسطامي، فقد كانت من رائدات التربية والتعليم، إذ تخرجت في دار المعلمات بالقدس عام 1939، قبل أن تعين عام 1951 مديرة لمدرسة البنات في مدينة نوى بمحافظة حوران السورية، حيث أسهمت في بناء أجيال من الطالبات، وغرست فيهن قيم العلم والانتماء.
بعد نكبة عام 1948، نزحت الأسرة من بيسان إلى دمشق، حيث بدأت رحلة اللجوء التي لم تنل من إيمانها بحق العودة، بل زادتها تمسكاً بفلسطين وذاكرتها الجمعية.
أقامت الأسرة سبعة عشر عاماً في مدينة نوى، وهناك تشكلت شخصية عبد الله برقاوي في بيئة جمعت بين التربية الوطنية والانضباط الأخلاقي والثقافة العربية الأصيلة.
وكانت عائلة برقاوي مثالاً للأسرة الفلسطينية المثقفة، التي آمنت بأن مقاومة الاحتلال لا تكون بالسلاح وحده، وإنما بالعلم والفكر والتربية أيضاً. فقد ضمت العائلة شخصيات بارزة في مجالات متعددة، من أبرزها المفكر والفيلسوف والشاعر أحمد برقاوي، إلى جانب شقيقة كبرى كرست حياتها لتربية الأجيال، وأخ عمل في التجارة وكان من المثقفين، وأخ طبيب أسنان، وأخت عملت في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، في صورة تعكس إيمان الأسرة بأن خدمة المجتمع تأخذ أشكالاً متعددة.
نال عبد الله برقاوي الشهادة الثانوية عام 1964، ثم التحق بالكلية الحربية السورية عام 1965، وتخرج برتبة ملازم، قبل أن يلتحق في الأول من كانون الثاني عام 1967 بجيش التحرير الفلسطيني.
شارك قائداً لسرية في حرب حزيران عام 1967، ثم، عقب معركة الكرامة عام 1968، تطوع مع أفراد سريته للالتحاق بقوات التحرير الشعبية، التنظيم الفدائي التابع لجيش التحرير الفلسطيني، دعماً للمقاومة الفلسطينية في منطقة الأغوار الأردنية.
لكن ما إن وصل إلى منطقة الأغوار حتى اعتقلته المخابرات الأردنية في منطقة الرمثا، قبل أن يعاد مع أفراد سريته إلى الأراضي السورية، حيث استأنف عمله العسكري، وتولى لاحقاً قيادة قوات التحرير الشعبية في سورية.
وفي عام 1970 انتقل إلى الأردن قائداً في الكفاح المسلح الفلسطيني، ثم عُيّن معاوناً لرئيس شعبة مخابرات جيش التحرير الفلسطيني. وبعد تولي العميد مصباح البديري رئاسة الأركان، أصبح عبد الله برقاوي رئيساً لشعبة المخابرات، التي حملت لاحقاً اسم شعبة الاستطلاع والأمن العسكري، وهو موقع تطلب كفاءة عالية، وحكمة، وإخلاصاً للمؤسسة الوطنية الفلسطينية.
غير أن الجانب العسكري لم يكن سوى وجه واحد من شخصيته؛ فقد آمن بأن بناء الأسرة لا يقل أهمية عن بناء المؤسسات الوطنية. لذلك أسس مع زوجته المربية الفاضلة سائدة عم علي أسرة فلسطينية متماسكة، غرسا في أبنائها وأحفادهما قيم الانتماء والكرامة والعلم، حتى غدت الأسرة امتداداً لرسالته الوطنية.
لقد جسد عبد الله نسيم برقاوي نموذج الفلسطيني الذي لم يفصل يوماً بين الوطن والأسرة، وبين البندقية والقلم، وبين الواجب العسكري والواجب الأخلاقي. وكان يؤمن بأن الدفاع عن فلسطين يبدأ بالدفاع عن الإنسان الفلسطيني، وعن ثقافته، وتراثه، وعاداته، ولهجته، وذاكرته الكنعانية والعربية والإسلامية والمسيحية التي شكلت معاً فسيفساء الهوية الفلسطينية.وكان عبد الله نسيم برقاوي قد قدم استقالته في العام ١٩٧٦.
إن سيرة عبد الله برقاوي تؤكد أن النكبة لم تكن نهاية التاريخ الفلسطيني، بل بداية مرحلة جديدة من الصمود. فقد استطاع الفلسطيني، أينما وجد، أن يحول اللجوء إلى رسالة، وأن يجعل من المنافي فضاءات للحفاظ على الهوية الوطنية، وأن يثبت أن الانتماء الحقيقي لا تحدده الحدود السياسية، بل تصنعه الذاكرة والوفاء.
واليوم، ونحن نوثق هذه السيرة، فإننا لا نؤرخ لحياة فرد فحسب، وإنما نكتب صفحة من صفحات التاريخ الفلسطيني الحديث؛ صفحة تؤكد أن فلسطين لا تزال تنجب الرجال الذين يحملونها في ضمائرهم قبل أن يحملوا السلاح في أيديهم، وأن العائلات الفلسطينية الأصيلة كانت وما تزال مدارس للوطنية، ومشاتل للقيم، وحصوناً للثقافة والهوية.
سيبقى اسم عبد الله نسيم برقاوي واحداً من الأسماء التي اقترنت بالعطاء الوطني، والإخلاص لفلسطين، والوفاء لقضيتها، والإيمان بأن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن الوطن يبقى حياً ما بقي في أبنائه رجال يورثون حب فلسطين للأجيال، جيلاً بعد جيل.
أرجو لك يا صديقي الأغلى عبد الله حياة سعيدة مديدة ملؤها التوفيق والنجاح والصحة والعافية.
Abdullah Nassim Barqawi
أحمد نسيم برقاوي


