لا تبحثوا عن ناعورة حمص… فلن تجدوها.
لم يبقَ منها حجر، ولا خشب، ولا ذلك الصوت الذي كان يمتزج بجريان مياه العاصي ويمنح المكان نبضه الخاص.
رحلت الناعورة، وبقي اسمها فقط… سوق الناعورة، شاهدًا على معلمٍ اندثر، وحكايةٍ لا ينبغي أن تُنسى.
في هذا الموضع كانت تقف آخر ناعورة في مدينة حمص، تدور على مياه العاصي، وترفعها عبر الساقية المجاهدية لتغذي الجامع النوري الكبير وحمام الباشا، مقابل التكية الكوجكية. لم تكن مجرد آلة لرفع المياه، بل كانت جزءًا من روح المدينة، وشاهدًا على عبقرية الإنسان في تسخير الطبيعة لخدمة العمران.
ومع تبدل الزمن، توقفت العجلة عن الدوران، واختفى صوتها، وتغيّرت ملامح المكان، حتى لم يبقَ من الناعورة سوى اسم السوق… وكأن حمص أرادت أن تحفظ لها مكانًا في الذاكرة بعدما فقدتها على الأرض.
الفيديو المرفق يوثق الموقع كما يبدو اليوم، في محاولة لإحياء ذاكرة المكان، وربط اسمه بما كان عليه قبل أن تطويه السنوات.
كم من أبناء حمص يمرون اليوم من سوق الناعورة، ولا يعلمون أن آخر ناعورة عرفتها المدينة كانت تدور هنا، في هذا المكان تمامًا؟
فالتراث لا يندثر عندما تهدمه الأيام…
بل يندثر عندما نتوقف عن رواية قصته.
استنادًا إلى الدراسات التاريخية والبحثية المتخصصة في تاريخ حمص القديمة ووثائقها العمرانية، وما ورد في المصادر التاريخية المحلية، فإن ناعورة حمص أُنشئت عام 1712م، واستمرت تؤدي دورها لأكثر من قرنين، قبل أن تُزال نهائيًا عام 1946م، ليبقى سوق الناعورة شاهدًا على ذاكرة المكان، واسمًا يروي ما غاب عن العين وبقي حاضرًا في تاريخ المدينة.


