سؤال الصدقِ الفني، عن أخلاقية الصورة الفوتوغرافية- مشاركة: عبدالرحيم الشافعي

أخلاقية الصورة الفوتوغرافية وسؤال الصدقِ الفني

عبدالرحيم الشافعي

صور الكساد العظيم جعلت دوروثيا لانج واحدة من أشهر مصوري العالم

ثمة لحظة نادرة يتوقف فيها الزمن عن الجري، فيتحول الغبار المتراكم على صندوق خشبي قديم إلى بوابة نعبر منها إلى وجوه لم نعرفها إلا عبر حكايات الأمهات والجدات. صورة فوتوغرافية بالأسود والأبيض، حوافها متآكلة، وجه جد لم نلقه أو جدة رحلت قبل أن تحملنا ذراعاها، أم في شرخ صباها، أب في عنفوان شبابه يقف متصلبًا أمام عدسة كانت في زمنها طقسًا. هذه الصور هي كما يذهب الناقد رولان بارت في تأمله الشهير حول الفوتوغرافيا أثر حقيقي للحظة غابرة، لحظة “كان هنا” لا تقبل الجدل، شاهدة لا تكذب على وجود عابر تحول إلى غياب دائم.

من هنا تنبع سلطة هذه الصور العاطفية الطاغية؛ فهي تحيي فينا حنينًا مركّبًا إلى زمن بأكمله، إلى نسيج اجتماعي وأخلاقي واقتصادي تبدد ولم يبق منه إلا هذه الشذرات الرمادية المحفوظة في ألبوم عائلي أو أرشيف متحف.

لكن العقل الناقد للصورة لا يستطيع أن ينساق كليًا وراء سحر هذه اللحظة الجمالية والعاطفية، دون أن يوقظ في نفسه سؤالا أعمق وأكثر إزعاجًا: هل كل هذا الجمال الذي نتغنى به بريئا أخلاقيًا؟ هل الصورة التي أسرتنا بجمالها وصدقها وقفت، في لحظة ولادتها، على أرض أخلاقية صلبة؟ هل صاحب الوجه المحفور في الفوتوغرافيا كان راضيًا عن هذا التجميد الأبدي للحظته، أم أن العدسة سرقت منه شيئًا لم يمنحه طواعية؟ وإذا كانت هذه الصورة، التي نعتبرها اليوم كنزًا جماليًا وإنسانيًا، قد أصبحت سلعة تُباع وتُعرض وتُدرَج في كتب ومعارض وموسوعات فنية، فمن يجني ثمار هذا التداول؟ هل لأولئك الذين ظهرت وجوههم وأجسادهم وفقرهم وضعفهم أمام العدسة، دون أن يُستأذنوا غالبًا، نصيب من هذا المجد أو من هذا المال؟

حين تتحول صورة لإنسان فقير أو ضعيف إلى سلعة فنية تُباع في المزادات بآلاف أو ملايين الدولارات، أو تُنشر في كتب فوتوغرافية تحقق أرباحًا للمصور ودار النشر، يُطرح سؤال العدالة التوزيعية بكل ثقله

لا بد أولًا من الإقرار بأن هذا الحب الذي نشعر به تجاه الصور القديمة ليس سذاجة عابرة، وإنما هو استجابة عميقة لخصوصية الوسيط الفوتوغرافي نفسه. الصورة الفوتوغرافية تحمل في بنيتها شهادة حضور فعلي؛ فالضوء الذي انعكس عن وجه الجد الراحل هو الضوء نفسه الذي سجلته المادة الحساسة على الفيلم. هذه العلاقة الفيزيائية المباشرة بين الصورة والمرجع الذي صورته هي التي تجعل الفوتوغرافيا، كما يصفها رولان بارت، أقرب إلى أثر أو بقعة شمس ملموسة. من هنا تأتي قدرتها الفريدة على اختراق حاجز الزمن وإيقاظ عاطفة لا تشبه عاطفة النظر إلى رسم أو نص مكتوب.

ثم إن الصورة العائلية القديمة تحمل وظيفة اجتماعية قوية: فهي تشكل ذاكرة بصرية مشتركة تربط الأجيال، وتمنح الأحفاد إحساسًا بالانتماء إلى سلالة وتاريخ يتجاوز حياتهم الفردية القصيرة. حين نرى صورة الجدة في شبابها، فإننا لا نراها فقط كامرأة عاشت، وإنما نرى فيها انعكاسًا محتملًا لملامحنا، صدى لصوتها في صوت أمنا، استمرارية جسدية ورمزية تمنحنا طمأنينة وجودية أمام رعب الفناء والنسيان. هذا الجانب الوجودي العميق يفسر لماذا تحظى هذه الصور، حتى حين تكون بسيطة تقنيًا أو غير محترفة، بقيمة عاطفية تفوق أحيانًا أعمالًا فنية بالغة التعقيد.

لكن هذا الحب العاطفي المشروع بالنسبة إلى الصور العائلية الخاصة يواجه تحديًا مختلفًا كليًا حين ننتقل إلى الصور “الفوتوغرافية الوثائقية” التي التُقطت لأشخاص غرباء، فلاحين، عمال، متسولين، نساء في الأسواق، أطفال في الأحياء الفقيرة، من قبل مصورين محترفين لم تربطهم بهم أي علاقة أسرية أو حتى معرفة سابقة. هنا يتحول السؤال الجمالي البريء إلى سؤال سلطوي ملتبس: من يملك الحق في تجميد لحظة حياة إنسان آخر وتحويلها إلى موضوع للتأمل الجمالي أو للاستهلاك الثقافي؟

يكمن جوهر المعضلة الأخلاقية في أن التصوير الفوتوغرافي، بخلاف أشكال التعبير الفني الأخرى، يعتمد بالضرورة على وجود جسد حقيقي، ووجه حقيقي، وحياة حقيقية أمام العدسة. فالرسام يمكنه أن يتخيل وجهًا، لكن المصور لا يستطيع أن يتخيل فقرًا أو شيخوخة أو تعبًا؛ عليه أن يجد إنسانًا حقيقيًا يحمل هذه الصفات ويوجه عدسته نحوه. هذا الاعتماد البنيوي على الآخر الحقيقي يضع على عاتق المصور مسؤولية أخلاقية لا يتحملها الفنان في وسائط أخرى بالدرجة نفسها.

والمفارقة أن الكثير من أشهر الصور الفوتوغرافية في تاريخ هذا الفن، من صور المصورة الأميركية دوروثيا لانج لعمال الكساد الكبير إلى صور مصوري الحقبة الاستعمارية للشعوب الأخرى، إلى صور محلية وعربية لا حصر لها لفلاحين ونساء ريفيات وأطفال في أزقة فقيرة، لم تُلتقط دائمًا بإذن مسبق وواضح وكامل الوعي بمصير الصورة. الكثير من هؤلاء الأشخاص وقفوا أو جلسوا أمام العدسة في لحظة عرضية، دون أن يخطر ببالهم أن صورتهم ستُطبع في كتب، وتُعرض في متاحف في مدن لم يسمعوا بها، وتُباع بأثمان باهظة في مزادات فنية، وتصبح أيقونة في تاريخ التصوير.

وهنا يصبح السؤال أكثر حدة: هل الموافقة الضمنية على الوقوف أمام الكاميرا تعني بالضرورة موافقة على كل الاستخدامات اللاحقة لتلك الصورة؟ الفارق شاسع بين أن يسمح شخص فقير بأن يُصوَّر لحظيًا، وبين أن يوافق بمعرفة كاملة على أن تتحول صورته إلى سلعة ثقافية تُستهلك جماليًا من قبل طبقات اجتماعية بعيدة كل البعد عن واقعه، وربما أيضًا تُستخدم لتمويل مسيرة المصور الفنية والمادية بالكامل. وهذا هو الأمر الذي يسميه بعض منظّري الأخلاقيات البصرية “الموافقة المنقوصة” أو “شبه الموافقة” وهي حالة وسطى مريبة بين الاغتصاب البصري الصريح والموافقة الكاملة المستنيرة.

ويزداد هذا الإشكال تعقيدًا حين يتعلق الأمر بتصوير الفقر والضعف والمرض. فحين تُصوَّر امرأة عجوز محنية الظهر وهي تحمل حزمة حطب، أو طفل حافي القدمين وسط الوحل، أو رجل نائم على قارعة الطريق، فإن الصورة بصرف النظر عن نية المصور تحمل في ذاتها إمكانية جمالية خطيرة: إمكانية تحويل الألم الإنساني إلى موضوع جميل، وتحويل الحرمان إلى قيمة تشكيلية تُقاس بالتكوين والإضاءة والتباين. وهذه هي بالضبط النقطة التي وضعت سوزان سونتاغ يدها عليها في نقدها للفوتوغرافيا: أن الكاميرا، حتى وهي توثق المعاناة بنية التعاطف والفضح، تُجمّل بالضرورة موضوعها بمجرد تأطيره وإخراجه جماليًا، وبذلك تُبعد المتفرج بطريقة خفية عن الفعل الأخلاقي المباشر (المساعدة، الاحتجاج، التغيير) وتستبدله بمتعة تأمّلية جمالية مطمئنة.

الصورة العائلية القديمة تحمل وظيفة اجتماعية قوية: فهي تشكل ذاكرة بصرية مشتركة تربط الأجيال، وتمنح الأحفاد إحساسًا بالانتماء إلى سلالة وتاريخ يتجاوز حياتهم الفردية القصيرة

والأخطر من ذلك أن هذا النوع من الصور يمنح المتفرج، خاصة إذا كان من طبقة أو ثقافة مختلفة عن موضوع الصورة، إحساسًا زائفًا بالفهم والقرب من واقع لم يعشه فعلًا، بينما يبقى الشخص المصوَّر ذاته غائبًا تمامًا عن أي دور في تأطير قصته أو التحكم في الصورة التي ستمثله أمام العالم.

جون بيرجر في تحليله لعلاقات النظر والسلطة، يذكّرنا بأن من ينظر يملك سلطة على من يُنظر إليه، وأن هذه العلاقة ليست متكافئة أبدا؛ فمن يُصوَّر في حالة ضعف أو فقر قلما يملك القدرة على أن يصوّر بدوره من صوّره، أو أن يعرض صورة ذاك المصور وهو في لحظة ضعفه الخاصة. وهذه اللاتماثلية في السلطة البصرية هي جوهر الأمر الذي ينبغي أن يشغل الناقد الأخلاقي للفوتوغرافيا.

وقد يجادل مدافعو “الفوتوغرافيا الإنسانية” بأن توثيق الفقر والمعاناة ضروري لفضحهما وتحريك الوعي الجماعي نحو العدالة الاجتماعية، وأن حجب هذه الصور أو منع تصويرها يخدمان في النهاية من يريد إخفاء الفقر لا معالجته. وهذه الحجة لها وزنها التاريخي؛ فصور المصورين الوثائقيين في القرن العشرين ساهمت فعلا في تغيير سياسات اجتماعية وقوانين عمل. لكن هذا المبرر النفعي لا ينفي بالضرورة السؤال الأخلاقي الفردي: أن يخدم عمل معين قضية عامة لا يجعل بالضرورة كل وسيلة لتحقيقه مبررة أخلاقيًا تجاه الفرد المصوَّر بعينه، الذي قد لا تهمه القضية العامة بقدر اهتمامه بألا تُعرض صورته في حالة إهانة أو ضعف أمام الملايين دون علمه أو رضاه.

وحين تتحول صورة لإنسان فقير أو ضعيف إلى سلعة فنية تُباع في المزادات بآلاف أو ملايين الدولارات، أو تُنشر في كتب فوتوغرافية تحقق أرباحًا للمصور ودار النشر، يُطرح سؤال العدالة التوزيعية بكل ثقله.

وتحسم معظم الأنظمة القضائية هذا الجدل لصالح المصور بوصفه صاحب الحق الفكري على الصورة، بغض النظر عمن ظهر فيها، إلا في حالات استخدام تجاري مباشر كالدعاية إذ يُطلب عادة إذن خطي. لكن هذا الحسم القانوني لا يعني بالضرورة عدالة أخلاقية؛ فالقانون هنا يحمي الإبداع بوصفه فعلًا فرديًا للمصور متجاهلا أن هذا الإبداع بأكمله كان مستحيلًا دون مساهمة ولو غير مقصودة أو غير واعية من الشخص المصوَّر.

وهنا، النقد الجمالي الرصين لا يهدف إلى إبطال المتعة الجمالية أو العاطفية، وإنما إلى تعقيدها وتعميقها، بحيث لا تبقى استجابة ساذجة وغير متفحصة. يمكننا أن نستمر في الانبهار بصورة جدتنا أو بصورة فلاح تعبت يداه في حقل قديم، وأن نستشعر في الوقت نفسه ثقل السؤال الأخلاقي الذي يحوم حول شروط ولادة تلك الصورة ومصيرها بعد ذلك. والمطلوب هو وعي نقدي مزدوج: وعي يقدّر جمالية اللحظة المجمدة وقوتها الوجدانية والذاكراتية، ووعي مواز يسائل بلا هوادة سياقات الإنتاج والتداول.

عبد الرحيم الشافعي

ناقد سينمائي مغربي

أخر المقالات

منكم وإليكم