أحياناً تبدأ القصص الكبيرة من تفصيلة صغيرة جداً. وهذا ما حدث مع رسالة ألمانية مشفّرة بجهاز إنجما منذ عام 1941، بقيت بلا حل لأكثر من 80 عاماً قبل أن يعلن مطوّر في بلومبرغ أنه فكّها خلال نحو 10 ساعات بمساعدة نموذج GPT-6 Astra.
وهذا ما يجعل القصة أكبر من مجرد خبر طريف. فالحديث هنا ليس عن توليد نصوص فقط، بل عن استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة بحث وتحليل وبرمجة واختبار في وقت واحد.
الرسالة نفسها كانت قصيرة، لا تتجاوز 82 حرفاً، وأرسلها جندي ألماني يطلب تعليمات بشأن مسار تحرّكه مع طلب رد سريع. وهذا ما يضيف بعداً مثيراً للقصة، لأنها كانت ضمن رسائل غير محلولة في أرشيف عسكري رغم سنوات طويلة من الدراسة والاهتمام بشيفرة إنجما.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية للتجربة. فالذكاء الاصطناعي لم يخمّن الحل فقط، بل ساعد في البحث داخل الأرشيف، ومقارنة الأحرف غير الواضحة، وبناء محاكي للآلة، وكتابة أدوات للتحليل، ثم اختبار النتائج على رسائل أخرى من اليوم نفسه.
وهذا يوضح أن الإنجاز لم يكن في لحظة سحرية واحدة. بل في اختصار دورة بحث كانت قد تستغرق أسابيع أو شهوراً إلى ساعات قليلة فقط.
المهم أيضاً أن فك الشيفرة لم يعتمد على تجربة كل الاحتمالات بشكل عشوائي. بل استند إلى قرائن تاريخية ونقاط ضعف معروفة في إنجما، منها رسالة أخرى من اليوم نفسه ساعدت في تضييق الاحتمالات والوصول إلى قراءة منطقية للنص.
وهذا ما يجعل النتيجة تبدو مقنعة إلى حد بعيد. فالنص المفكوك احتوى حتى على أخطاء إملائية بشرية بسيطة، وهو ما يعزّز مصداقيته أكثر من نص مصقول بشكل كامل.
لكن مع كل هذا، تبقى هناك نقطة مهمة. فالنتيجة لم تخضع بعد لمراجعة مستقلة واسعة من خبراء التشفير والتاريخ العسكري، ما يعني أن الخبر قوي ومثير، لكنه لم يُحسم علمياً بشكل نهائي بعد.
وهذا يقودنا إلى المعنى الأوسع للقصة. فالذكاء الاصطناعي هنا لا يظهر كبديل كامل عن الخبير، بل كشريك عملي يسرّع البحث ويقرّب المسافة بين الفرضية والاختبارفي النهاية، الرسالة القديمة قد تكون سطراً صغيراً من زمن الحرب. لكن دلالتها اليوم أكبر بكثير، لأنها تفتح باباً جديداً لفهم كيف يمكن للأدوات الذكية أن تعيد قراءة التاريخ نفسه بعيون مختلفة.
#اراجيك#مجلة ايليت فوتو ارت.


