عام على صالون مناة الخير الثقافي… حين يصبح الحوار وطنا صغيرا
حين راودتني فكرة إنشاء صالون ثقافي، لم تكن فكرة وليدة لحظة أو استجابة لظرف عابر، بل كانت حلما رافقني سنوات طويلة. كنت أقرأ عن الصالونات الادبية التي تركت أثرها في تاريخ الثقافة العربية، منذ مجالس سكينة بنت الحسين، مرورا بالصالونات الفكرية التي ازدهرت في عصور مختلفة، وصولا إلى صالون مي زيادة الذي جمع كبار الادباء والمفكرين، وكنت أتساءل دائما: لماذا لا يكون لنا، هنا، فضاء يشبه تلك المساحات التي تمنح الكلمة مكانتها، والحوار قيمته، والانسان فرصة لأن يفكر بصوت مسموع؟
ولعل التأمل في تلك الصالونات يكشف لنا ان لكل زمان ظروفه واهدافه التي تشكل طبيعة اللقاءات فيه. ففي زمن مي زيادة، كانت الصالونات نافذة نادرة للتواصل وتبادل الفكر، في وقت لم تكن فيه وسائل الاتصال متاحة كما هي اليوم. اما اليوم، فقد اصبح الانترنت قادرا على تحقيق ما كان صعبا في تلك الايام، حيث يمكن للناس ان يلتقوا ويتحاوروا عبر مسافات بعيدة. ومع ذلك، اكتشفنا من خلال جلساتنا اننا في زمن نحتاج فيه اكثر من اي وقت مضى الى فن الحوار، والى الاصغاء الحقيقي، والى تقبل الاختلاف دون ان يتحول الى خلاف. فالتقنية قربت المسافات، لكنها لم تغن عن الحاجة الى لقاء انساني صادق.
لم تكن الفكرة ان نقدم محاضرات، او ان نبحث عن اشخاص يتفقون في الرأي، بل ان نلتقي. ان نصنع مساحة آمنة للحوار، يتحدث فيها الجميع، ويستمع فيها الجميع، دون خوف من الاختلاف، ودون حاجة الى الانتصار في النقاش.
وعندما بدأت اللقاءات، اكتشفت، كما اكتشف الاصدقاء الذين حضروا، اننا لم نكن نعرف تماما ما الذي سيكون عليه هذا الصالون. جاء كثيرون بدافع الفضول، وآخرون بدافع حب الثقافة، لكن الجميع وجد شيئا ربما لم يكن يبحث عنه: صحبة فكرية، واسئلة جديدة، ومتعة الاصغاء الى وجهات نظر مختلفة.
بمرور الاشهر، اصبح واضحا ان قيمة الصالون لا تكمن في الوصول الى اجوبة نهائية، بل في طرح الاسئلة الصحيحة. فالثقافة ليست مجموعة من الحقائق الجاهزة، وانما هي قدرة دائمة على التساؤل، وعلى مراجعة الافكار، وعلى احترام حق الآخر في ان يرى العالم من زاوية مختلفة.
وخلال عام كامل، اثبت الاصدقاء ان ما يجمعهم اكبر من موعد شهري. كانوا يأتون رغم الانشغالات، ورغم ضغوط الحياة، ورغم الظروف الجوية الصعبة احيانا. كان هناك دائما من يقطع مسافة، ومن يؤجل موعدا، ومن يتعب لكنه يأتي، لان هذا اللقاء اصبح جزءا من حياته، وموعدا ينتظره.
لكل واحد منهم بصمته الخاصة. لكل صوت نبرة لا تشبه غيره، ولكل رأي اضافة تثري الحوار. حتى الغياب كان يترك فراغا نشعر به جميعا، لان الصالون لم يعد مجرد اجتماع، بل اصبح مجموعة من الاصدقاء الذين يتشاركون رحلة فكرية وانسانية مستمرة.
واعترف اليوم ان الرؤية لم تكن مكتملة عندما بدأنا. كنت املك الايمان بالفكرة، لكن الطريق كان يتشكل ونحن نسير فيه. الاستمرارية، والمواظبة، وصدق المشاركين، والروح المشتركة التي نشأت بين الجميع، هي التي بلورت هوية الصالون، وجعلته يتجاوز كونه لقاء ثقافيا الى تجربة انسانية حقيقية.
لا نزعم اننا غيرنا العالم، ولا اننا نملك حلولا لما يحيط بنا من تحديات. لكننا نؤمن ان اشعال شمعة واحدة خير من الاستسلام للعتمة. واذا كان هذا الصالون قد نجح في ان يدفع شخصا الى التفكير، او الى قراءة كتاب، او الى الاصغاء باحترام لرأي مختلف، او الى طرح سؤال لم يكن قد طرحه من قبل، فهذا في حد ذاته خطوة تستحق ان نستمر من اجلها.
وفي ختام هذا العام الاول، لا املك الا ان اتوجه بكل الامتنان الى كل من كان جزءا من هذه الرحلة. شكرا لكل من حضر، ولكل من ناقش، ولكل من اختلف باحترام، ولكل من اضاف فكرة، او ابتسامة، او لحظة صمت كان لها معناها.
هذا الصالون ليس ملكا لشخص، بل هو ثمرة روح جماعية آمنت بان الحوار لا يزال ممكنا، وان الثقافة لا تزال قادرة على ان تجمع الناس حول طاولة واحدة، وان الكلمة الصادقة، مهما بدت صغيرة، تستطيع ان تضيء شمعة… ولعل تلك الشمعة تكون بداية طريق اكثر نورا.


