حين تتحوّل عدسة المصوّر: محمد المحتسب..إلى ذاكرةٍ للتراث السعودي وحكاية حرفة صناعة العقال تصل إلى العالم.- إعداد: فريد ظفور.


محمد المحتسب… حين تتحوّل عدسة المصوّر إلى ذاكرةٍ للتراث السعودي وحكايةٍ تصل إلى العالم
من مكة المكرمة إلى منصات التتويج الدولية… المصوّر السعودي الذي وثّق حرفة صناعة العقال، وحمل تفاصيل الهوية الشعبية إلى معرض جوائز التصوير الفوتوغرافي للحرف اليدوية العالمية 2026 في أنقرة
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: عدسة تحفظ ما قد ينساه الزمن
ليست الصورة الفوتوغرافية مجرد تسجيلٍ عابر لمشهدٍ مرئي، ولا تقتصر قيمتها على جمال التكوين أو براعة الإضاءة أو دقة التفاصيل؛ إنها في جوهرها وثيقة للذاكرة الإنسانية، ووسيلة لحفظ الملامح الثقافية التي تشكّل هوية الشعوب وتروي حكاياتها عبر الأجيال. وحين تتجه عدسة المصوّر نحو الحرف التقليدية، فإنها لا توثّق حركة اليد وأدوات العمل فحسب، بل تقترب من عالمٍ كامل تختزن فيه الذاكرة الشعبية خبرات الإنسان ومهاراته وعلاقته بالأرض والمجتمع.
وفي هذا السياق، يبرز اسم المصوّر السعودي محمد المحتسب، الذي استطاع أن يضع صورة من صميم التراث السعودي في دائرة الاهتمام الفوتوغرافي الدولي، بعد فوزه بجائزة ضمن مسابقة ومعرض جوائز التصوير الفوتوغرافي للحرف اليدوية العالمية لعام 2026، التي احتضنتها العاصمة التركية أنقرة، عن عمله المميز «صناعة العقال»، موثّقاً إحدى الحرف التقليدية المرتبطة بالزي السعودي والهوية الوطنية.
محمد المحتسب… المصوّر الذي جعل من التراث موضوعاً للصورة
تأتي تجربة المصوّر السعودي محمد المحتسب في إطار الاهتمام بالصورة بوصفها أداة للتوثيق الثقافي والحضاري، وليس مجرد ممارسة جمالية منفصلة عن محيطها الإنساني. فالتصوير الذي يتناول الحرف اليدوية يحتاج إلى عينٍ تمتلك حساسية خاصة تجاه التفاصيل، وتعرف كيف تلتقط العلاقة بين الإنسان ومهنته، وبين المادة الخام والمنتج النهائي، وبين الحركة اليومية والقيمة التاريخية الكامنة خلفها.
ومن هذا المنطلق، تكتسب مشاركته في المسابقة العالمية للحرف اليدوية أهمية تتجاوز حدود الفوز بجائزة؛ لأنها تقدم نموذجاً لدور المصوّر العربي في نقل الموروث المحلي إلى فضاء بصري عالمي، بلغة لا تحتاج إلى ترجمة كي يفهم المشاهد ما تحمله من جهدٍ وإتقان وانتماء.
«صناعة العقال»… صورة تختصر حكاية حرفة وهوية
في عام 2024، التقط محمد المحتسب في مكة المكرمة صورته الفوتوغرافية «صناعة العقال»، التي أصبحت لاحقاً العمل الفائز في المسابقة الدولية لعام 2026.
والعقال ليس مجرد قطعة تكمّل الزي التقليدي للرجل السعودي؛ إنه أحد الرموز البصرية المرتبطة بالهوية والوقار والأصالة في الجزيرة العربية، ويحمل في شكله واستخدامه امتداداً ثقافياً واجتماعياً متوارثاً.
ومن هنا، فإن تصوير حرفة صناعته يفتح نافذة على جانب مهم من التراث غير المادي، حيث تتجلى مهارة الحرفي في التعامل مع الخامات، ودقة اليد في تشكيل التفاصيل، وتراكم الخبرة التي تنتقل من جيل إلى آخر.
إن القيمة الفنية للصورة في مثل هذه الموضوعات لا تنحصر في تسجيل المنتج النهائي، بل في الاقتراب من العملية الحرفية ذاتها، ورصد الإنسان الذي يقف خلفها، وإظهار التفاصيل التي قد تمر أمام العين اليومية دون أن تحظى بالانتباه الكافي.
فكل حركة يد تحمل معرفة، وكل أداة تختزن تاريخاً من الاستخدام، وكل مرحلة من مراحل الصناعة تمثل جزءاً من حكاية مهنة قاومت تغيرات الزمن وحافظت على حضورها في المجتمع.
وهنا تتحول الكاميرا إلى شاهد بصري على العلاقة بين الإنسان وحرفته، وتصبح الصورة مساحة يلتقي فيها الفن بالتاريخ والأنثروبولوجيا والذاكرة الشعبية.
أنقرة 2026… إنجاز سعودي في منافسة دولية واسعة
شهدت مسابقة ومعرض جوائز التصوير الفوتوغرافي للحرف اليدوية العالمية لعام 2026، التي أقيمت في العاصمة التركية أنقرة، مشاركة دولية لافتة، إذ بلغ عدد الأعمال المقدمة 3756 صورة فوتوغرافية، بمشاركة 796 مصوراً من 74 دولة حول العالم.
وفي هذا المشهد التنافسي المتعدد الثقافات، حصد المصوّر السعودي محمد المحتسب جائزة عن صورته «صناعة العقال»، التي قدمت نموذجاً من الحرف التقليدية السعودية إلى جمهور دولي واسع.
وتكمن أهمية هذا التتويج في أن الصورة الفائزة لم تكتفِ بإظهار جانب جمالي من الحياة المحلية، بل حملت معها رسالة ثقافية عن المملكة العربية السعودية، وعن قيمة الحرف التقليدية بوصفها جزءاً من الهوية الوطنية والذاكرة الإنسانية المشتركة.
إن وصول صورة عن صناعة العقال السعودي إلى منصة دولية في أنقرة يبرهن على قدرة التصوير الفوتوغرافي على تجاوز الحدود الجغرافية واللغوية، وعلى تحويل التفاصيل المحلية إلى خطاب بصري عالمي، يستطيع المتلقي أن يتفاعل معه من خلال الإنسان والعمل والمهارة والجمال.
التصوير الفوتوغرافي والحرف اليدوية… من التوثيق إلى الذاكرة البصرية
تكتسب مسابقات التصوير المتخصصة بالحرف اليدوية أهمية متزايدة في زمن التحولات الرقمية والتكنولوجية المتسارعة؛ إذ باتت كثير من المهن التقليدية تواجه تحديات تتعلق باستمرارها وانتقال خبراتها إلى الأجيال الجديدة.
ومن هنا، يؤدي المصوّر دوراً يتجاوز حدود الإبداع الفردي، ليصبح شريكاً في حماية الذاكرة الثقافية وتوثيق الممارسات الإنسانية التي تشكل جزءاً من تاريخ المجتمعات.
وتتطلب فوتوغرافيا الحرف اليدوية وعياً بصرياً متعدد المستويات، يبدأ من اختيار زاوية التصوير المناسبة، ويمتد إلى فهم طبيعة الحرفة والإضاءة المحيطة بها، وتوظيف العمق الميداني، وانتقاء اللحظة التي تكشف عن جوهر العمل.
وقد تكون لقطة مقرّبة ليد الحرفي أكثر تعبيراً من صورة عامة للمكان، وقد تكشف تفاصيل الخامات والأدوات عن تاريخ المهنة أكثر مما تفعله الكلمات المطولة.
إنها فوتوغرافيا التفاصيل الإنسانية؛ حيث تتحول اليد إلى بطل للصورة، والحركة إلى إيقاع بصري، والخامة إلى ذاكرة، والمنتج التقليدي إلى وثيقة ثقافية قابلة للقراءة والتأمل.
من أنقرة إلى العالم… كتالوج يوثق ثقافات الحرف الإنسانية
ومن الجوانب المهمة المرتبطة بهذه المشاركة، العمل الجاري على إعداد وطباعة «كتالوج صور الحرف اليدوية العالمي»، باللغتين التركية والإنجليزية، تمهيداً لتوزيعه على المستوى الدولي.
ويمثل هذا المشروع امتداداً ثقافياً مهماً لفكرة المسابقة، لأنه يمنح الصور الفائزة والمشاركة فرصة جديدة للحياة خارج قاعات المعارض، ويتيح وصولها إلى جمهور أوسع من المهتمين بالفنون والتراث والتوثيق البصري.
كما أن جمع صور الحرف اليدوية من ثقافات وبلدان متعددة في إصدار واحد يتيح قراءة بصرية مقارنة لعلاقة الإنسان بالعمل والإنتاج والإبداع، ويكشف عن أوجه التشابه والاختلاف بين المجتمعات، رغم تنوع بيئاتها وتقاليدها وأدواتها.
وفي هذا الإطار، تكتسب مشاركة المحتسب قيمة إضافية، إذ تصبح صورة «صناعة العقال» جزءاً من مشهد عالمي تتجاور فيه الحرف والثقافات، وتتحاور فيه الصور باعتبارها لغة إنسانية مشتركة.
الصورة السعودية في المحافل الدولية… مسؤولية ثقافية وإبداعية
إن الإنجازات الفوتوغرافية التي تحقق حضوراً دولياً لا تقاس فقط بعدد الجوائز، بل بما تستطيع أن تقدمه من معرفة بصرية عن المجتمع الذي تنتمي إليه.
فالمصور الذي يوثق حرفة شعبية أو مظهراً من مظاهر الحياة التقليدية، يشارك بصورة مباشرة في تقديم ثقافة بلاده إلى العالم، ويمنح عناصرها المادية والإنسانية فرصة للظهور في سياقات فنية وثقافية مختلفة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة فوز محمد المحتسب باعتباره مساهمة في تعزيز حضور الصورة السعودية في المحافل الفوتوغرافية الدولية، وإبراز أهمية التوثيق البصري للتراث المحلي، ولا سيما الحرف التي تحمل في تفاصيلها خلاصة تجارب الأجيال.
كما يفتح هذا الإنجاز المجال أمام المصورين للاهتمام بموضوعات قد تبدو مألوفة في الحياة اليومية، لكنها تحمل قيمة فنية وتاريخية كبيرة حين تُعالج برؤية فوتوغرافية واعية.
فليس التراث دائماً في المباني الأثرية والقطع المتحفية؛ إنه أيضاً في ورشة الحرفي، وفي حركة أصابعه، وفي أدواته، وفي المنتج الذي يصنعه بصبر وإتقان.
خاتمة: حين تصبح الصورة سفيرة للذاكرة
إن فوز المصوّر السعودي محمد المحتسب بجائزة مسابقة ومعرض جوائز التصوير الفوتوغرافي للحرف اليدوية العالمية 2026 في أنقرة، عن صورته «صناعة العقال»، يمثل محطة مضيئة في مسار توظيف التصوير الفوتوغرافي لخدمة التراث والثقافة والهوية الوطنية.
لقد استطاعت صورة التُقطت في مكة المكرمة عام 2024 أن تعبر المسافات، وتصل إلى منصة دولية تنافست فيها آلاف الأعمال القادمة من عشرات الدول، لتؤكد أن الموضوع المحلي حين يُقدَّم برؤية فنية صادقة يستطيع أن يكتسب بعداً إنسانياً عالمياً.
وفي النهاية، تبقى الصورة الناجحة أكثر من لحظة مجمدة داخل إطار؛ إنها شهادة على إنسان ومهنة وذاكرة، ورسالة تعبر الزمن لتقول إن الحرف التي صنعت تاريخ الشعوب تستحق أن تُرى وتُوثّق وتُحفظ.
وهكذا، لا تكون عدسة محمد المحتسب قد التقطت مشهداً لصناعة العقال فحسب، بل ساهمت في تحويل حرفة سعودية أصيلة إلى حكاية بصرية وصلت إلى العالم، لتبقى الصورة سفيرة للتراث، وشاهدة على أن الإبداع الفوتوغرافي قادر على حماية الذاكرة الإنسانية من النسيان.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
Elite Photo Art Magazine

أخر المقالات

منكم وإليكم