«نهاية اللعبة» لصمويل بيكيت، وهي مسرحية من فصل واحد، وشخصياتها الأساسية أربع: هام، كلوف، ناج، ونيل. نهاية اللعبة
تجري المسرحية كلها تقريبًا في غرفة مغلقة، شبه خالية، لها نافذتان مرتفعتان. خارج الغرفة يبدو العالم وكأنه انتهى أو أصبح خاليًا من الحياة. لا نعرف على وجه اليقين ما الذي حدث؛ بيكيت لا يقدم كارثة محددة ولا تاريخًا واضحًا، وإنما يضعنا أمام عالم وصل إلى حالة من النفاد والانطفاء. منذ البداية يقول كلوف: «انتهت، لقد انتهت، ربما على وشك النهاية»، وكأن المسرحية تبدأ أصلًا من النقطة التي يفترض أن تنتهي عندها الأشياء.
في مركز هذا العالم يوجد هام، رجل أعمى عاجز عن الوقوف، يجلس على كرسي متحرك. يعتمد كليًا تقريبًا على خادمه كلوف، الذي يستطيع الحركة لكنه يعاني هو الآخر من عجز: لا يستطيع الجلوس. العلاقة بينهما غريبة وقاسية؛ هام يأمر كلوف ويهينه ويحتاج إليه في الوقت نفسه، بينما كلوف يكرر أنه سيتركه ويرحل، لكنه يظل موجودًا. ومن هنا يبدأ المحور الأساسي للمسرحية: لماذا يبقى الإنسان في علاقة يتمنى الخروج منها؟ ولماذا لا يستطيع الانفصال حتى حين لا يبقى من العلاقة إلا الألم والتكرار؟
هام نفسه يسأل كلوف لماذا يبقى معه، ويصل الحوار إلى اعتراف مباشر بالحاجة المتبادلة: كلوف يحتاج إلى هام، وهام يحتاج إلى كلوف. وفي الوقت نفسه يقول هام لكلوف إنه لا يحبه، بينما يجيبه كلوف بأن هذا كان في الماضي؛ أي إن الحب ربما كان موجودًا، لكن ما تبقى الآن هو الرابطة بعد موت الحب. نهاية اللعبة
وهناك شخصيتان أخريان: ناج ونيل، والدا هام. وهما عجوزان مبتورا الساقين يعيشان داخل صندوقي قمامة. يرفعان الغطاء أحيانًا، يتحدثان، يستعيدان ذكريات الماضي، يطلبان الطعام، ثم يعودان إلى الصندوقين. الصورة شديدة القسوة: الأب والأم، أي الأصل العائلي، أصبحا حرفيًا شيئًا محفوظًا في حاويتين؛ ماضيًا لا يموت تمامًا ولا يستطيع العودة إلى الحياة.
ومع ذلك، يحمل ناج ونيل بعض أكثر لحظات المسرحية إنسانية. يستعيدان شبابهما وعلاقتهما، ويتذكران حادث الدراجة الذي فقدا فيه ساقيهما. للحظة يظهر الحب والحنين والضحك، لكن حتى هذه الذكريات لا تستطيع إنقاذ الحاضر. نهاية اللعبة
أما كلوف فيؤدي يوميًا مجموعة من الطقوس العبثية: ينظر من النافذتين، يحرك هام، يحضر الأشياء، يبحث في الخارج، يراقب البحر والسماء، ويجيب عن أسئلة هام. لكن الخارج نفسه أصبح تقريبًا «صفرًا»؛ لا شيء يتغير. حتى الطبيعة تبدو وكأنها توقفت. حين يسأل هام عن البحر والشمس والعالم الخارجي، تأتي إجابات كلوف لتؤكد الانطفاء التدريجي لكل شيء. نهاية اللعبة
وهنا نفهم عنوان المسرحية: Endgame – نهاية اللعبة. المصطلح مأخوذ من الشطرنج؛ إنها المرحلة التي لم تنته فيها المباراة رسميًا بعد، لكن عدد القطع أصبح قليلًا، والاحتمالات تضيق، والنهاية باتت شبه محسومة.
وهذا بالضبط وضع الشخصيات.
لا أحد يعيش فعلًا، لكن لا أحد ينتهي.
هام ينتظر النهاية، لكنه يخافها.
كلوف يريد الرحيل، لكنه لا يرحل.
ناج ونيل يحتضران، لكن الماضي يستمر في الكلام من خلالهما.
والعالم الخارجي انتهى تقريبًا، ومع ذلك تستمر الطقوس اليومية داخله.
كل شيء قائم على التكرار. السؤال نفسه يعود، الأمر نفسه يتكرر، محاولة الرحيل تتكرر، والنظر من النافذة يتكرر. حتى هام يشعر بأن ما يحدث اليوم قد حدث من قبل. ولذلك لا تتحرك المسرحية بالطريقة التقليدية من بداية إلى أزمة إلى حل؛ إنها دائرة تحاول الوصول إلى النهاية ولا تستطيع.
ماذا يحدث في النهاية؟
تزداد رغبة كلوف في الرحيل. ويخبر هام في النهاية أنه سيتركه. ويبدو هذه المرة أن الأمر أكثر جدية. يرتدي ملابس الخروج ويستعد للمغادرة.
لكن بيكيت يقوم بحركة حاسمة: لا يرينا كلوف وهو يغادر بالفعل.
يظل واقفًا عند الباب، مستعدًا للرحيل، بينما لا يعرف هام أنه ما زال هناك. وهام، معتقدًا أنه أصبح وحيدًا، يبدأ طقس النهاية الخاص به.
وهنا يترك بيكيت السؤال مفتوحًا:
هل سيرحل كلوف فعلًا؟ أم سيبقى كما بقي دائمًا؟
وهذه ليست مجرد نهاية معلقة للحبكة؛ إنها جوهر المسرحية نفسها. فالمشكلة ليست أن الشخصيات لا تعرف أن العلاقة انتهت، بل أنها تعرف أنها انتهت ولا تستطيع إنهاءها.
وهذا واضح جدًا في علاقة هام بكلوف. في مرحلة متأخرة يقول هام إنه لا يستطيع ترك كلوف، بينما يجيبه كلوف بأنه لا يستطيع أن يتركه هو الآخر؛ وعندما يسأله هام كيف سيعرف إن تركه، تأتي الإجابة القاسية: «إذا تركتك ببساطة تصور لي دائمًا أني أمارس تجربة يعني أني تركتك.»
لذلك لا أرى أن «نهاية اللعبة» مسرحية عن نهاية العالم فقط. إنها مسرحية عن استحالة الوصول إلى النهاية.
الموت موجود في كل مكان، لكن الموت نفسه يتأخر.
الانفصال مطلوب، لكنه لا يحدث.
الحب انتهى، لكن العلاقة مستمرة.
العالم فرغ من المعنى، لكن الكلام مستمر.
وحتى هام وكلوف يبدوان كأن كل واحد منهما يحتفظ بالآخر كي يستطيع الاستمرار: السيد لا يكون سيدًا من دون الخادم، والخادم لا يعرف ذاته خارج علاقته بالسيد.
ولهذا فإن الجملة التي يمكن أن تلخص المسرحية هي:
لقد انتهى كل شيء، لكن النهاية نفسها لا تأتي
#د.سيناء جلال#محلة ايليت فوتو ارت.


