فينيسيا ــ خاص «سينماتوغراف» ثمة أفلام تتحدث عن التاريخ، وأخرى تستخدم التاريخ للكشف عن شيء لم يتغير كثيراً، وينتمي «امرأة مجهولة» إلى النوع الثاني. ففي أحدث أفلام المخرجة الدنماركية المصرية مي الطوخي، لا تبدو نهاية الحرب العالمية الثانية نهاية حقيقية للعنف، بل بداية لمرحلة أخرى تصبح فيها أجساد النساء وسيلة لمعاقبة المجتمع، وتتحول الذاكرة إلى محكمة، والنجاة نفسها إلى تهمة.تضع الطوخي قصتها في الدنمارك عام 1945، بعد التحرر من الاحتلال النازي، حيث تحاول الشابة ماري، التي تؤديها ماتيلد أرسيل، أن تبدأ حياة جديدة. تعمل مربية وخادمة لدى الأرمل الثري كريستيان، وتستعد للزواج منه، في محاولة للانتقال من موقع الخادمة إلى مكانة سيدة المنزل.لكن ماري تحمل سراً يمكن أن يهدم كل شيء، علاقة عاطفية سابقة بجندي ألماني خلال الاحتلال.من هذه النقطة، يبني الفيلم إثارة نفسية لا تعتمد على المطاردات بقدر اعتمادها على الخوف من انكشاف الماضي، والماضي هنا ليس ما فعلته ماري فقط، بل ما قرره المجتمع أن يعنيه فعلها.** المرأة في قفصتستند الطوخي إلى وقائع تاريخية تتعلق بما عُرف بالنساء المتهمات بـ«التعاون الأفقي» مع جنود الاحتلال، وهي ظاهرة تعرضت خلالها نساء كثيرات للتشهير العلني والعنف والإذلال بعد الحرب. وقد أوضحت المخرجة أن بحثها بدأ من قصص مطاردة الساحرات، قبل أن تقودها صور حقيقية لنساء تعرضن للإهانة بعد الحرب إلى هذه الحكاية.لكن الفيلم لا يحول ماري إلى ضحية تاريخية نمطية.إنها امرأة تعرف أن العالم لن يمنحها فرصة ثانية، ولذلك تتعلم كيف تختفي. تصمت حين يجب أن تتكلم، وتتحدث حين يصبح الصمت أكثر خطراً، وتراقب الآخرين قبل أن يراقبوها.حتى اسم الفيلم يصبح جزءاً من المأساة، امرأة بلا اسم تقريباً، بلا ماضٍ يمكن الاعتراف به، وبلا حق في رواية قصتها بنفسها.** الخوف لغة ماريأرسيل تحمل الفيلم على كتفيها بأداء يعتمد على الجسد أكثر من الحوار.ماري ليست شخصية كثيرة الكلام، ولذلك تصبح عيناها وسرعة حركتها وطريقة وقوفها وسائل التعبير الأساسية. في الشارع تبدو كأنها تتوقع الخطر في كل زاوية، وفي المنزل تحسب خطواتها بعناية، وكأنها تتحرك داخل رقعة شطرنج لا تعرف متى ستنقلب عليها.وهذا أحد أكثر خيارات الطوخي ذكاءً، بدلاً من أن تخبرنا بأن ماري خائفة، تجعل الخوف جزءاً من سلوكها اليومي.تراقب. تتردد. تخفي يديها. تختار كلماتها. وتبدو حتى في أكثر لحظاتها عادية كأنها تنتظر طرقاً على الباب.** بيت لا يحميهاتجري معظم أحداث الفيلم داخل منزل كريستيان، لكن المكان الذي يفترض أن يكون ملاذاً لماري يتحول تدريجياً إلى مساحة أخرى للمراقبة.الكاميرا كثيراً ما تراها من خلف الأبواب والنوافذ وفتحات المكان، فتبدو وكأن هناك عيناً مجهولة تتبعها باستمرار. ولا نعرف دائماً إن كانت هذه العين حقيقية أم أنها انعكاس لخوف ماري من انكشاف أمرها.بهذه الطريقة، يصبح المنزل امتداداً لحالتها النفسية.إنها تحاول أن تصنع لنفسها حياة جديدة، لكنها لا تستطيع أن تنسى أن هذه الحياة مبنية فوق سر قديم.** عدالة تتحول لوحشواحدة من أقوى أفكار الفيلم أن الطوخي ترفض تقديم المقاومة الدنماركية بوصفها قوة خير مطلقة.بعد سنوات الاحتلال والقمع، يظهر الغضب مفهوماً، لكن الفيلم يسأل ماذا يحدث عندما تتحول الرغبة في العدالة إلى رغبة في الانتقام.في أحد أكثر مشاهد الفيلم قسوة، نشاهد امرأة متهمة بالتعاون مع الألمان تتعرض للإذلال أمام حشد من الناس. يُقص شعرها، وتُهان، ويُرسم على جسدها رمز النازية.المشهد صادم ليس فقط بسبب عنفه، بل لأن المجتمع الذي يزعم أنه يستعيد حريته يمارس العنف على جسد امرأة.وهنا تتحول الحرب من صراع بين جيوش إلى صراع آخر على من يملك حق تحديد عار المرأة.** الجسد ساحة حربهذا هو المحور الأكثر قوة في «امرأة مجهولة».فالطوخي لا تتعامل مع جسد ماري بوصفه مجرد جزء من قصة حب أو فضيحة جنسية. الجسد يصبح ساحة تتصارع عليها السلطة والمجتمع والرغبة والسمعة.قالت المخرجة إن الفيلم يتناول «عدم مرئية النساء»، وكيف يمكن للمرأة أن تكون موضوعاً للنظر وفي الوقت نفسه محرومة من الصوت.وهذا التناقض حاضر في كل تفاصيل الفيلم.ماري مرئية لأنها امرأة، لكنها غير مرئية كإنسانة.** زواج بلا حبالعلاقة بين ماري وكريستيان من أكثر عناصر الفيلم دقة.كريستيان رجل ثري ومحترم، يمتلك المصنع والبيت والمكانة الاجتماعية. لكنه ليس شريراً تقليدياً. وهذه تحديداً نقطة قوة الشخصية.هو يريد زوجة تعرف موقعها، وماري تريد حياة توفر لها الأمان.كلاهما يدخل العلاقة وفق شروط غير مكتوبة.إنه يمنحها المكانة، وهي تمنحه الصورة الاجتماعية التي يحتاج إليها، وبينهما ينشأ نوع من الأدب البارد الذي يخفي تحته تفاوضاً دائماً على السلطة.حتى الصمت أثناء العشاء يصبح أكثر دلالة من الحوار.** السلطة خلف الأدبفي عالم كريستيان، لا تحتاج السلطة إلى الصراخ.تكفي نظرة، أو قاعدة اجتماعية، أو خوف من الفضيحة.وهذا يجعل الشخصية أكثر إثارة للاهتمام من صورة الرجل المستبد المعتادة. فهو لا يحتاج إلى إخبار ماري بما يجب أن تكون عليه، المجتمع كله يقوم بهذه المهمة نيابة عنه.إنها فكرة تتكرر في الفيلم، القمع الأكثر فاعلية هو الذي يجعل الضحية تراقب نفسها بنفسها.** إثارة بلا صراخلا تبني الطوخي توترها على الإيقاع السريع.تترك الخوف يتسلل ببطء، من تفاصيل صغيرة، شخص يعرف أكثر مما ينبغي، سؤال يبدو عابراً، نظرة طويلة، أو ظهور شخصية في مكان غير متوقع.هذا يجعل الفيلم أقرب إلى إثارة نفسية تاريخية منه إلى فيلم تاريخي تقليدي.وكلما اقترب الماضي من الحاضر، يصبح السؤال أقل ارتباطاً بما فعلته ماري وأكثر ارتباطاً بما يمكن للآخرين أن يفعلوه بها.** ثغرة في البناءرغم قوة الفيلم، لا يخلو من نقطة ضعف واضحة.شخصية كارل، التي يمكنها كشف سر ماري، تبدو في بعض اللحظات مكتوبة بوصفها أداة حبكة أكثر من كونها شخصية مكتملة. سلوكه المتهور واندفاعه في تهديدها لا ينسجمان دائماً مع الدقة التي يعالج بها الفيلم البيئة الاجتماعية المحيطة بها.ولهذا يبدو هذا الخط الدرامي أضعف من بقية الفيلم، خصوصاً عندما يبدأ في احتلال مساحة أكبر مما يحتمل.لكن هذه الثغرة لا تهدم البناء العام، لأن الفيلم يستعيد توازنه كلما عاد إلى ماري وعلاقتها بالبيت وكريستيان.** امرأة بلا اسمالعنوان ليس مجرد وصف للشخصية.«امرأة مجهولة» هو أيضاً تعليق على الطريقة التي كتب بها التاريخ كثيراً من النساء.نعرف الحروب والمعاهدات والقادة والجنود، لكن ماذا نعرف عن النساء اللواتي عاشرن الحرب داخل البيوت؟، ماذا نعرف عن خوفهن؟، علاقاتهن؟، خياراتهن المحدودة؟، والأثمان التي دفعنها بعد انتهاء المعارك؟.الطوخي لا تحاول كتابة التاريخ من جديد، وإنما تحاول فتح نافذة صغيرة عليه.ومن خلال ماري، تقول إن المرأة التي يقرر المجتمع محوها لا تختفي فعلاً؛ إنها تستمر في العيش، لكن تحت طبقات من الصمت والخوف والعار.** تاريخ لم ينتهِتكمن قوة «امرأة مجهولة» في أنه لا يبقى محصوراً في عام 1945.فالمخرجة تستخدم الماضي كي تتحدث عن آلية اجتماعية لا تزال حاضرة، تحميل المرأة مسؤولية ما يفعله الرجال، تحويل جسدها إلى دليل إدانة، ومطالبتها بأن تحمل وحدها تبعات الحروب والصراعات السياسية.ولهذا يبدو الفيلم أكثر من قصة امرأة تخفي علاقة قديمة.إنه فيلم عن الاختفاء القسري للنساء داخل الصور التي يصنعها المجتمع عنهن.** نجاة بطعم الخوف«امرأة مجهولة» فيلم عن النجاة، لكنه لا يقدم النجاة باعتبارها انتصاراً.فالنجاة بالنسبة إلى ماري تعني أن تخفي جزءاً من نفسها، وأن تتعلم كيف تعيش دون أن تُرى بالكامل.وهذه مفارقة الفيلم الأكثر إيلاماً، لكي تصبح ماري امرأة معترفاً بها، عليها أولاً أن تمحو المرأة التي كانتها.بفضل أداء ماتيلد أرسيل الدقيق، وإخراج مي الطوخي المحسوب، والكتابة التي تربط بين التاريخ والسلطة والجسد، يقدم الفيلم واحدة من أكثر حكايات فينيسيا هذا العام إثارة للقلق.إنه ليس فيلماً عن امرأة مجهولة فحسب، بل عن مجتمع يعرف اسمها جيداً، ثم يقرر ألا يسمع صوتها.
#مجلة سومر الثقافية#مجلة ايليت فوتو ارت.


