جزء من روايةورثة الصمت للمبدعة عبير اسبر.

ورثة الصمت..
طلع الصباح باعتياديّةٍ بليدة. ضوءٌ ساطعٌ اخترق زجاج النافذة بينما هدرت شاحناتٌ هائلة الحجم، مطلقةً دون توقّفٍ صفّاراتها المحذّرة، فعاصفة البارحة أغرقت مونتريال بالثلج وتركت شوارع المدينة متخمة. على ارتجاج الصوت الهادر استفقت نافضًا جنون الليلة السابقة عن جسدي، منهكًا من الأرق، تذكّرت أنّ ما حصل البارحة لم يكن منامًا، فابنتي، دون حقائب، ولا خطابات وداع، حاولت الذهاب إلى الموت بطواعية. ابنتي العشرينيّة تشرّبت سموم معارف لم تقوَ على حملها، فقرّرت أنّها لن تكمل. قفزتُ عن السرير كمن لُسع بذكرى حفلة تعذيبٍ مليئةٍ بعقاربَ وخونة. كان عليَّ مواجهة الصباح، وفرد وجهي كاملًا أمام الحقيقة بابتذالها، بفجور أحداثها الصاخبة أكثر من عرس مجانين. خائفًا من ظلام الليل، خائفًا من ضوء النهار، وضعت رأسي تحت الماء، متخبّطًا كأعمى في لزوجة النوم، حتى توقّف الكون عن التنفّس، دهَمَني صمتٌ مميت، وبحثت عن الضجيج.

على غير عادتها في شهر نوفمبر، سجّلت مونتريال أرقامها دون حياء (-22). رقمٌ قد لا يبدو إنسانيًّا عند تخيّله، لكنّي كما الكلّ في المنافي، علمتُ أنّ البرد لا يأتي من الثلوج وحدها، فالرجفة تسكن روحي. ارتعدت كجبانٍ، فكلّ ما في هذا النهار أخافني، بينما لم تترك لي نوافذ البيت، والزجاج المغشّى ببخار الماء، سوى شعورٍ بالغمّ كجنديٍّ يراقب طبخ حساء الملفوف في المعتقلات السيبيريّة. فنوافذ بيتي الذي تكرهه جانو لا تطلّ على الحياة، بل على عمق الأبنية المعتم. وكأفلام الرعب الرديئة الصنع، يصعد جيراني محمّلين بأكياسٍ سوداءَ جديرةٍ بحمل الجثث لا الفاكهة والخضار، لا يلقون تحيّة المساء، ولا يشبكون أيديهم بأيدي طفلٍ كي يؤكّدوا إنسانيّتهم. جيراني الغرباء يقطنون مثلي بيوتًا بشعةً بمطابخ قزمة، تفصل بينها جدران من الورق المقوّى، وترشح روائحها من نوافذ التهوية السيّئة السمعة، تلك التي تحمل أصوات الحزانى وهم يبكون في عمق العتمة، تمامًا كما فعلت ماريّا، جدّتي العمياء بعد هجرها لبيتها في الضيعة. فكلّ هذا النشيج الذي يدوّي في رأسي يأتي كالمعتاد من الذاكرة، لا من حديث الغرباء. إنّه ذات الصرير التوراتيّ لقَتَلةٍ نسوا ضحاياهم لكثرتها.

بتردّد رجلٍ ذاهبٍ إلى جنازته، ارتديت ملابسي، بأناةٍ لا تناسب اقتراب العاصفة التي اشتممت رائحة ثلوجها. شربت قهوةً بلا طعم، وضعت عطرًا رخيصًا، وخرجت لمواجهة الريح التي لم أعتد مرورها في هذا الوقت من شتاء مونتريال. بيدين متجمّدتين، نظّفت تلال البياض المتراكمة عن سيّارتي التعسة، جرفت الجليد بصبر راهبٍ بينه وبين الكفر بضعة سنتمتراتٍ أُخرى من الثلج، حفرتُ لسيّارتي طريقًا، ظللت أدوسه بعجلاتي المهترئة حتى لانَ قليلًا، وهُرس تحت ثقل السيّارة. وكرجلٍ أبلهَ يخاف ضوء النهار، تمنّيت لو لم تفعل الغربة بروحي ما فعلته تلك العجلات بالثلج للتوّ.

هكذا في صباحٍ لم يرتّبه سوى الطقس ورغبة ابنةٍ في الانتحار، نظرت إلى الرصيف المثقل بالثلج، متواطئًا مع آخرين أراهم يفعلون ما أفعل، ناظرين صوبي بضحكةٍ قافزةٍ من أعينهم، ترشح السخرية المُرّة من بشراتهم غير البيضاء، وجنسيّاتهم المقمّرة بشموسٍ حارقةٍ لطالما اختبروها في بلدانهم المتموضعة فوق خرائط غرائبيّة، يضحكون من التناقض، يلتقطون خيط الملهاة، ويضحكون ذاك الضحك المتواطئ مع غرباء آخرين. يقارنون الحرارة الناضحة من ألوان ملابسهم، من فقرهم، من اسمرار أرواحهم، محمّلين مثلي بذكرياتٍ كاويةٍ كما الجليد، بينما لا يعيشون سوى غربةٍ لا شفاء منها، حيث بعد عمرٍ مضى، لم يبقَ لهم سوى الضحك من اسوداد أفريقيا في بشرتهم، واصفرار آسيا في حدقات أعينهم. كمن يخاف الكسر تحرّك الغرباء مثلي متجمّدين، بينما يضرب الهواء وجوههم بلا شفقة، ويجرح نثار الجليد جفونهم كالزجاج المتكسّر. كمفاصلي، تتيبّس مفاصل أيديهم، وتُسمع قرقعتها وهم يجرفون كتل الثلج المرصوصة التي جعلها برد الليل أصلب من الفولاذ.

في مقبرة السيّارات تلك، كنّا نبتسم بلومٍ وبعتبٍ لإلهٍ غائب. لا نقوى على البكاء أمامه، ولا نجرؤ على شتيمته، فهذه تحتاج إلى عصبٍ لا يملكه المهاجرون أمثالنا. فقد قال صباح العاصفة أشياءَ لم تقلها سنواتٌ من تعزيز الاندماج في النشرات الدعائيّة، قال الثلج أكثر ممّا كان سيقوله وزراء الهجرة، ومدرّبو برامج تعليم اللغات وتطوير مهارات التواصل، وكوتشات التنمية الذاتيّة. فمن عمق البياض أطللنا على حيوات بعضنا، كتلةً بشريّةً غير متّسقةٍ حملنا مصيرًا رسمه الثلج. ها أنا كالآخرين أحمل مجرفةً عملاقة، وها أنا مثلهم، أحفر مخرجًا لسيّارتي نحو طريقٍ أقلّ اختناقًا، مزيحًا عبئي عن مقبرة السيّارات، لأصبح فردًا من جماعةٍ قرّرتُ الخروج نحو النهار لأواجه كأيّ شخصٍ بائسٍ، مطلّقٍ، مفلسٍ، ووحيدٍ ما فعلت ابنتي بي وبنفسها.

أعلم ما يدور في رأسها، أعلم أنّ غضبًا عاصفًا يمور تحت جلد النَمِرة التي كانتها، فقد اختارت ابنتي أن تغادر الحياة كمن يهرب من معسكر اعتقال، فكيف بها وهي تُحبس بين جدرانٍ بيضاء، محاطةً بعنايةٍ قسريّةٍ من طاقم أطبّاء وممرّضاتٍ لا يتوقّفون عن طرح أسئلةٍ بلهاء. وصلتُ إلى غرفتها مدركًا أنّ أعصابها على حافة الانفجار، حيث لم تتحمّل فكرة أن ينقذها أحد، ووبّخت صديقها الذي امتلأ بالدموع كمن يوبّخ طفلًا في الثالثة. فقرّرتْ بسرعة أن تتركه على قارعة طريق حياتها.

لم أعتقد مرّةً أنّ باستطاعة ابنتي أن تُحبَّ، أظنّها ادّعت أنّها تفعل، لعلّنا نتوقّف عن خنقها بالأسئلة. فعندما مرّرت جانو ما تعرف في مصفاة وعيها، أدركتْ حجم الخديعة، فلم تتمرّد كما فعلنا، بل صمتت منتظرةً أن تنهي ما سيأتي بعدما عجزت عن التحمّل. فقد تحمّلت لسنوات، لا فقط مرضي وفضيحة طلاقي ويتمها المبكر، بل تفهّمت أيضًا انتحار عمّتها، لأنّها علمت أنّ تلك العمّة التي حصلت عليها على كبرٍ لا تستحقّ سوى ذلك الموت، لعلّه يحفظ كرامتها من لعنة الغربة، وعبثيّة الحبّ، وجنون الجغرافيا، وقسوة الدين، ولعنة الطوائف.

#عبير داغر اسبر #مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم