حين غنّى الطين: تراتيل أوغاريت الخارجة من ظلمة القرون
أصوات من معبد بعل
تراتيل النور الأوغاريتية..
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
حين كان الفجر يتسلل على مهلٍ من وراء جبل صفن وتبدأ أول خيوط النور بمسح الندى عن حجارة المعابد كانت أوغاريت تستيقظ على صوتٍ لا يشبه أصوات البشر العاديين صوتٍ خرج من أعماق الإيمان ومن رجفة القلوب وهي تقف بين الأرض والسماء.
هناك في رحاب معبد بعل لم تكن التراتيل مجرد كلماتٍ تُقال بل كانت جسوراً من النغم تصل الإنسان بالآلهة وتجعل الحجر يصغي والريح تتوقف لحظةً لتسمع. كان المنشدون الذين حفظت ألواح الطين أسماءهم رجالاً اختارتهم المعابد ليكونوا حرّاس الصوت المقدس يحملون الأناشيد كما يحمل الكهنة البخور ويرتلونها وفق إشارات وتعليمات دقيقة نقشتها الأقلام على الطين لكي لا يضيع اللحن في متاهات الزمن.
ولعل أعجب ما تركته لنا أوغاريت ليس القصور ولا الأسوار بل تلك الأصوات التي ما زالت حبيسة الألواح منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام غبرت تنتظر من ينصت إليها.
فكل رقيمٍ مكتشف يشبه نافذة صغيرة انفتحت على عالمٍ كان الناس فيه يعتقدون أن النور نفسه يستجيب للإنشاد.
وعندما نقرأ:
“عن الوجه الجميل للملك سيدي
أنا أبحث..
عندما نصعد إلى السماء
وعندما ننزل إلى الأرض
يكون رأسنا بين يديك..”
نشعر أن الكلمات لا تزال تتردد بين أعمدة المعبد وأن المنشد الأوغاريتي لم يغادر مكانه بعد بل ما زال واقفاً عند عتبة الفجر يرفع صوته نحو السماء فيما تتجمع الجموع حوله وتتصاعد رائحة البخور ممزوجة بملوحة البحر القريب.
أكاد أرى المشهد كما لو أنه يحدث الآن بوابات المعبد تُفتح مع أول الضوء والمشاعل تخبو أمام سلطان النهار والمنشدون يصطفون بملابسهم الطقسية بينما تتهادى التراتيل فوق رؤوس الحاضرين كأسراب حمامٍ أبيض عائدٍ إلى أعشاشه القديمة.
وحين يصل المنشد إلى قوله:
“أنا أنظر إلى الملك سيدي
والنور بدأ ينتشر..”
لا يعود النور مجرد شروقٍ للشمس بل يصبح ميلاداً جديداً للعالم وكأن الملك والضياء والخصب والحياة كلها خيوطٌ من نسيجٍ واحد تنسجه الآلهة فوق أرض أوغاريت.
وها أنا كلما قرأت تلك النصوص الخارجة من أعماق القرون أسمعها من جديد قادمةً من هناك.. من خلف جدران معبد بعل ومن بين الحجارة التي حفظت صدى الأصوات أكثر مما حفظت الأسماء. أسمعها ترتفع مع نسيم البحر وتعبر سهول رأس الشمرة ثم تصل إلينا محملةً بعبق الطين الدافئ الذي خرج لتوّه من يد الكاتب الأوغاريتي.
إنها ليست ألواحاً صامتة كما يظن البعض بل قلوبٌ من طين ما زالت تنبض وتراتيلُ فجرٍ أوغاريتية ما زالت تبحث عن آذانٍ قادرة على الإصغاء إلى الموسيقى القديمة المختبئة بين المسامير المسمارية حيث ما يزال النور يبدأ بالانتشار كلما ذُكرت أوغاريت..وما زلت أسمع تلك الأصوات القديمة وهي تتردد بين حجارة رأس الشمرة كلما أشرقت شمس جديدة.
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎
الصورة المرفقة بعدستي مدينة اوغاريت الاثرية عندما تشرق شمس الصباحات الجميلة


