الفن السعودي في آرت بازل: من المشاركة إلى التأثير
د. عصام عسيري
إذا كانت المشاركة في آرت بازل تمثل في حد ذاتها إنجازاً فنياً ومؤسسياً، فإن الأهمية الحقيقية تكمن في طبيعة الحضور وما يحمله من قدرة على التأثير في الخطاب الفني العالمي. فخلال العقود الماضية كان حضور الفنان العربي عموماً، والسعودي خصوصاً، محدوداً ومتقطعاً، وغالباً ما يأتي عبر اجتهادات فردية أو مبادرات خارجية. أما اليوم فإن المشهد يبدو مختلفاً بصورة جذرية؛ إذ أصبح الفن السعودي جزءاً من الحراك الفني الدولي، مدعوماً ببنية ثقافية ومؤسساتية متنامية، وبجيل من الفنانين الذين يمتلكون لغة بصرية قادرة على مخاطبة العالم دون التخلي عن خصوصيتهم الثقافية.
وتأتي مشاركة قاليري أثر في آرت بازل 2026 امتداداً لدور لعبته الصالة منذ تأسيسها في دعم الفن السعودي المعاصر وتقديمه في المحافل الدولية الكبرى. وقد اختارت هذا العام تقديم أعمال د. زهرة الغامدي ومهند شونو ومشروع الفنان أيمن يسري ديدبان Treehouse، وهو عمل تركيبي واسع النطاق يندرج ضمن الاتجاهات المفاهيمية التي باتت تشكل أحد أبرز ملامح الفن المعاصر عالمياً.
ولا يمكن النظر إلى هذا العمل بوصفه تركيباً بصرياً فحسب، بل باعتباره تجربة مكانية كاملة. فالعمل لا يكتفي بأن يُرى، بل يُعاش ويُختبر. يدخل الزائر إلى فضائه ويتحرك بين عناصره الشفافة، لتتشكل تجربة إدراكية تتداخل فيها المادة بالضوء، والفراغ بالذاكرة، والحضور بالغياب. وهنا يتحول العمل الفني من موضوع للنظر إلى فضاء للتجربة.
ومنذ بداياته الفنية عُرف Ayman Daydban باهتمامه بقضايا الهوية والذاكرة والهامش الاجتماعي، وبقدرته على تحويل المواد اليومية والعناصر البصرية المألوفة إلى أدوات للتأمل النقدي. وفي Treehouse تتجلى هذه الاهتمامات بصورة أكثر نضجاً واتساعاً، حيث تصبح العمارة نفسها لغةً للتعبير عن أسئلة الانتماء والاستقرار والاقتلاع.
فالبيت، في المخيلة الإنسانية، ليس مجرد مأوى مادي، بل هو رمز للذاكرة والأمان والجذور. وقد تناول الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار هذه الفكرة في كتابه الشهير جماليات المكان، حين رأى أن البيت هو المستودع الأول للأحلام والذكريات والصور الحميمة التي تشكل وعينا بالعالم. ومن هذا المنظور يمكن قراءة Treehous» بوصفها محاولة لإعادة التفكير في معنى السكن والانتماء في عصر تتزايد فيه الهجرات والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
كما يمكن فهم العمل في ضوء الفلسفة الظاهراتية التي طورها الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو بونتي، والتي تؤكد أن المعرفة لا تنشأ من التأمل العقلي المجرد، بل من التجربة الحسية المباشرة. فالمتلقي هنا لا يكتسب معنى العمل عبر القراءة أو الشرح، وإنما من خلال حضوره الجسدي داخل فضائه. إن الجسد نفسه يصبح أداة للفهم، والحركة جزءاً من عملية التأويل.
وهذه السمة تحديداً تعكس أحد التحولات الكبرى في الفن السعودي المعاصر. فبعد عقود هيمنت فيها اللوحة التقليدية على المشهد التشكيلي، أخذ الفنانون السعوديون يتجهون نحو الوسائط الجديدة والأعمال التركيبية وفنون الفيديو والفنون المفاهيمية، منخرطين في الأسئلة ذاتها التي تشغل الفن العالمي اليوم، ولكن من خلال رؤى تنبع من بيئتهم الثقافية وتجاربهم المحلية.
الحضور العربي… من التمثيل إلى الشراكة:
لا تقتصر أهمية دورة آرت بازل الحالية على المشاركة السعودية وحدها، بل تكشف أيضاً عن تنامي الحضور العربي في المشهد الفني العالمي. فالفنانون العرب لم يعودوا يُقدَّمون بوصفهم ممثلين لثقافات هامشية أو إقليمية، بل أصبحوا جزءاً من الحوار العالمي حول قضايا الهوية والذاكرة والاستعمار والهجرة والبيئة والتكنولوجيا.
ويلاحظ المتابع للمعرض أن كثيراً من الأعمال القادمة من المنطقة العربية تتعامل مع قضايا إنسانية مشتركة، لكنها تفعل ذلك من خلال خبرات تاريخية وثقافية خاصة. وهذا ما يمنحها قيمتها الفنية؛ فهي لا تكرر الخطاب الغربي السائد، ولا تنغلق داخل خصوصيتها المحلية، بل تبني جسوراً بين التجربتين.
ومن هنا يمكن النظر إلى الحضور السعودي والعربي في آرت بازل باعتباره جزءاً من تحول أوسع يشهده النظام الفني العالمي نفسه. فالمراكز التقليدية للإنتاج الثقافي لم تعد وحدها صاحبة الصوت الأعلى، بل بدأت أصوات جديدة تظهر من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، حاملة رؤى مختلفة للعالم وتصورات جديدة للفن ووظيفته.
من الهامش إلى المركز:
ربما يكون الوصف الأدق لما يحدث اليوم هو انتقال الفن السعودي من الهامش إلى المركز. وليس المقصود بالمركز هنا الجغرافيا أو المكان، بل القدرة على المشاركة في إنتاج الأفكار والصور والأسئلة التي تشكل وعينا المعاصر.
فحين يعرض فنان سعودي عملاً تركيبياً في آرت بازل، وحين يناقش من خلاله قضايا الهوية والذاكرة والانتماء بلغة بصرية عالمية، فإن الأمر يتجاوز حدود النجاح الفردي أو الظهور الإعلامي. إنه إعلان عن مرحلة جديدة من النضج الثقافي، أصبح فيها الفن السعودي قادراً على أن يكون طرفاً فاعلاً في المشهد العالمي، لا مجرد متلقٍ له.
وهكذا تبدو مشاركة Ayman Dydban في آرت بازل 2026 أكثر من مجرد حدث فني عابر؛ إنها علامة ثقافية تكشف حجم التحول الذي شهدته الحركة التشكيلية السعودية خلال العقود الأخيرة، وتؤكد أن الفن السعودي بات يمتلك اليوم ما يكفي من الثقة والخبرة والخصوصية ليحجز مكانه في أهم المنصات الفنية الدولية.
تصوير جولة من المعرض🌹


