
غسان صليبا.. صوتٌ لبنانيّ يعبر من المسرح إلى ذاكرة الأغنية
حين يصبح الصوت حكايةً، ويغدو المسرح وطناً آخر للكلمة واللحن
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة
في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتتشابه فيه النبرات، يبقى لبعض الفنانين حضورٌ لا يُقاس بعدد الأغنيات أو الحفلات، بل بما يتركونه من أثرٍ في الذاكرة. ومن بين هؤلاء يبرز غسان صليبا بوصفه واحداً من الأصوات اللبنانية التي استطاعت أن تجمع بين قوة الأداء، وعمق الإحساس، والحضور المسرحي، وأن تجعل من الغناء مساحةً للحكاية والانتماء والجمال.
لم يكن غسان صليبا مجرد مطرب يقف أمام جمهور ليستمع إلى صوته؛ فقد ارتبط اسمه بصورة الفنان الذي يحمل الأغنية كما يحمل الممثل شخصيته على الخشبة، فيمنحها من روحه وملامحه وحضوره ما يجعلها تتجاوز حدود اللحن والكلمات. ولذلك ارتبطت تجربته بصورة خاصة بالمسرح الغنائي اللبناني، الذي كان أحد أهم الميادين التي كشفت طاقاته الفنية والتعبيرية.
من الصوت إلى الشخصية
ولد غسان صليبا في لبنان، ونشأ في بيئة ارتبطت بالفن والغناء والموسيقى، قبل أن يشق طريقه في عالم الاحتراف. وكان المسرح الغنائي أحد الأبواب المهمة التي قادته إلى الجمهور، فامتلك من خلاله خبرةً مختلفة عن تجربة المطرب التقليدي؛ إذ أصبح مطالباً بأن يغني، ويمثل، ويتحرك، ويتقمص الشخصية، ويتفاعل مع الموسيقى والديكور والإضاءة والجمهور في لحظة واحدة.
وهنا تكمن إحدى أهم خصوصيات تجربته؛ فالصوت عند غسان صليبا ليس منفصلاً عن الصورة. إنه صوتٌ له حضور بصري ومسرحي، يعرف كيف يتحول إلى شخصية، وكيف تصبح الأغنية مشهداً، وكيف يمكن للكلمة المغناة أن تحمل موقفاً وذاكرةً وانفعالاً.
المسرح الغنائي.. المساحة التي صنعت حضوره
شكّل المسرح الغنائي اللبناني مدرسةً حقيقية لعدد كبير من الفنانين، وكان لغسان صليبا حضور بارز في هذا المجال، حيث ارتبط اسمه بأعمال مسرحية وغنائية تركت أثراً في الذاكرة الفنية اللبنانية.
وفي المسرح، لا يكفي أن يكون الفنان صاحب صوت جميل؛ فالمسرح يختبر الفنان أمام الجمهور مباشرة. لا مجال لإخفاء الارتباك، ولا لإعادة المشهد، ولا لمعالجة الصوت بالصورة التي تسمح بها الاستوديوهات الحديثة. هناك الخشبة، والضوء، والجمهور، والكلمة، واللحن، وجسد الفنان.
وقد استطاع صليبا أن يثبت حضوره في هذه المساحة الصعبة، مستفيداً من قدرته على الجمع بين الغناء والأداء الدرامي، الأمر الذي جعل صوته مرتبطاً في أذهان كثيرين بالمشهد المسرحي اللبناني.
صوت يحمل ملامح لبنان
في التجربة الغنائية لغسان صليبا تلتقي عناصر متعددة من الشخصية الفنية اللبنانية: قوة العاطفة، ووضوح النبرة، والحنين إلى الأرض، والحضور الرومانسي، والقدرة على الانتقال بين الأغنية العاطفية والوطنية والمسرحية.
ولعل أجمل ما في صوته أنه لا يبحث عن الاستعراض لمجرد الاستعراض؛ فالقوة الصوتية لديه وسيلة للتعبير، وليست غايةً منفصلة عن المعنى.
إنه صوت يستطيع أن يقترب من الهمس حين تتطلب الأغنية ذلك، وأن يرتفع في اللحظة التي تحتاج فيها الكلمة إلى اتساع، وكأن المساحة الصوتية تتحول إلى مساحة شعورية.
الأغنية بين الكلمة واللحن
تحتاج الأغنية الناجحة إلى أكثر من صوت جميل. إنها تحتاج إلى كلمة تستطيع أن تعيش، ولحن يستطيع أن يفتح أمامها طريقاً إلى القلب، وأداء يمنحها شخصيتها الخاصة.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة غسان صليبا؛ فقد تعامل مع الأغنية باعتبارها عملاً فنياً متكاملاً، لا مجرد جملة لحنية يؤديها المطرب. لذلك بقيت بعض أعماله حاضرة في الذاكرة، لأنها ارتبطت بمراحل وأحاسيس وذكريات لدى جمهور واسع.
والأغنية التي تعيش ليست بالضرورة الأكثر انتشاراً في لحظة صدورها، وإنما تلك التي تستطيع أن تستعيد حضورها بعد سنوات، عندما يسمعها الإنسان فيشعر أن شيئاً من الماضي قد عاد إليه فجأة.
غسان صليبا.. الفنان الممثل
من الصعب فصل غسان صليبا المطرب عن غسان صليبا الفنان المسرحي. فالمسرح ترك بصمته الواضحة على طريقته في الأداء، وجعل منه نموذجاً للمطرب الذي يمتلك حساً تمثيلياً قادراً على تحويل الأغنية إلى موقف درامي.
وهذه الخاصية تمنح صوته بعداً إضافياً؛ فالمستمع لا يسمع الكلمات فقط، بل يشعر بها من خلال طريقة النطق، وتوزيع الانفعالات، وتغيير النبرة، ولغة الجسد، والتفاعل مع الموسيقى.
وهنا يصبح الفنان أشبه بعدسةٍ تلتقط لحظةً إنسانية؛ فهو لا ينقل الكلمات كما هي، بل يعيد تصويرها بصوته.
بين جيلين
ينتمي غسان صليبا إلى جيل فني شهد تحولات كبيرة في الأغنية العربية واللبنانية. فقد عاصر مرحلة كانت فيها الأغنية تعتمد بصورة أكبر على الملحن والشاعر والمطرب والفرقة الموسيقية، قبل أن تدخل صناعة الموسيقى تدريجياً في عصر الصورة التلفزيونية، ثم الفيديو كليب، ثم المنصات الرقمية.
ومع ذلك، ظل حضوره مرتبطاً بفكرة الفنان الذي يمتلك مشروعاً وصوتاً وهوية، وليس بمجرد اللحظة التجارية العابرة.
وهذه نقطة مهمة في قراءة تجربته؛ فالفنان الحقيقي لا يعيش فقط في زمنه، وإنما يستطيع أن يعبر إلى أزمنة أخرى عندما تكون لديه شخصية فنية واضحة.
صورة الفنان على الخشبة
إذا كانت الكاميرا الفوتوغرافية تحفظ لحظةً واحدة من الزمن، فإن المسرح يحفظ لحظاته في ذاكرة الجمهور.
وغسان صليبا من الفنانين الذين استفادوا من هذا الحضور المسرحي، حيث تتكامل الإضاءة والصوت والحركة والملابس والديكور لتصنع صورة الفنان أمام المشاهد.
ومن منظور بصري، تبدو تجربته مثالاً على العلاقة الوثيقة بين الصوت والصورة في الفنون الحديثة؛ فالمطرب المسرحي لا يقدم صوتاً فقط، وإنما يقدم صورةً متحركةً وشخصيةً ومشهداً.
وهنا تلتقي الموسيقى بالمسرح، ويلتقي المسرح بالسينوغرافيا، وتلتقي السينوغرافيا بفن الصورة، في منظومة واحدة تجعل من العرض الفني تجربةً بصرية وسمعية في آنٍ واحد.
إرث فني يتجاوز الأغنية:
تأتي أهمية غسان صليبا من كونه جزءاً من مسيرة الفن الغنائي والمسرحي اللبناني، ومن جيل حمل معه تقاليد الأداء الحي، واحترام الكلمة، والاشتغال على الشخصية الفنية.
وقد استطاع أن يحافظ على حضوره عبر عقود، وأن يبقى اسمه مرتبطاً بذاكرة المسرح والغناء اللبناني.
إنه نموذج للفنان الذي لا تُختصر تجربته في قائمة من الأغنيات، لأن مسيرته تتقاطع مع المسرح والتمثيل والموسيقى والثقافة الشعبية، وتكشف عن مرحلة مهمة من مراحل تطور الأغنية اللبنانية.
ولا بد أن نُظهر الخيط الذي جمع صوته بالمسرح الرحباني، وبعدد من أبرز الملحنين والشعراء اللبنانيين.
أشهر أعمال غسان صليبا:
من أبرز الأغنيات التي ارتبطت باسم غسان صليبا:
يا حلوة شعرك داري
وجه السعد
وطني بيعرفني
بعيد الشر
غريبين وليل
لو فيّي
عنيدي / عنيدة
دوبني الهوا
عيونك جرحوني
ما إلنا نصيب
يا أهل الأرض
كل الحلوين حرامية
لمعت أبواق الثورة
مش وقتك يا هوى
اشتقتله والله اشتقتله
طولوا علينا
بعدك بتقوليلي روق
مهما يتجرّح بلدنا
زينوا الساحة
وتشير مصادر صحفية وفنية إلى أن رصيده الغنائي يتجاوز 150 أغنية، بينما ظل المسرح الغنائي أحد أهم أعمدة تجربته الفنية.
مع من تعاون غسان صليبا؟
منصور الرحباني يحتل موقعاً استثنائياً في مسيرة غسان صليبا. فقد كانت مشاركته في «صيف 840» عام 1988 نقطة تحول كبرى، ومنها توالت البطولات في أعمال رحبانية مثل «الوصية» و«أبو الطيب المتنبي» و«ملوك الطوائف» و«زنوبيا» و«عودة الفينيق».
كما ارتبط اسمه بـ:
الأخوين رحباني: في بدايته المسرحية من خلال «بترا» عام 1977.
روميو لحود: في «حكاية أمل» عام 1981.
مروان نجار: في مسرحية «سولد» عام 1984.
غسان الرحباني: في «هانيبعل» عام 1996.
طلال حيدر وسعيد عقل: في «إمارة من هالزمان» عام 1999.
أما في الأغنية، فقد تعاون مع أسماء موسيقية بارزة، من بينها:
ملحم بركات، الذي لحّن له «يا مجاوزين»، وهي أغنية موثقة ببياناتها الموسيقية باسم ملحم بركات ملحناً وتوفيق بركات كاتباً.
كما تعاون مع فيلِمون وهبي في «كل الحلوين حرامية»، ومع نور الملاح في «وجه السعد»، ومع رفيق حبيقة، إضافة إلى أعمال مع إلياس الرحباني.
ومن التعاونات اللافتة أيضاً «يا أهل الأرض»، وهي من كلمات وألحان إيلي شويري، وقد اكتسبت الأغنية لاحقاً طابعاً قريباً من النشيد.
وتكشف تسجيلات أخرى عن تعاونات دقيقة في الأسماء؛ فمثلاً «دق باب الحب» من ألحان رفيق حبيقة وكلمات جورج قرديحي، بينما «حبيبي روق» من ألحان غسان صليبا نفسه وكلمات ميشال جحا.
غسان صليبا… حين يصبح الصوت امتداداً للمسرح
خصوصية غسان صليبا أنه لم يكن مطرباً بالمعنى التقليدي فقط؛ فقد جاء إلى الأغنية حاملاً معه خبرة الممثل المسرحي وحضور الشخصية الدرامية. ولهذا بدت أغنيته وكأنها مشهد مكتمل: صوت قوي، ونبرة لبنانية واضحة، وإحساس درامي، وقدرة على الانتقال من العاطفي إلى الوطني ومن الطربي إلى المسرحي.
ولعل هذا ما جعل أغنياته تعيش خارج زمن إصدارها؛ فـ**«يا حلوة شعرك داري» و«وجه السعد» و«وطني بيعرفني» و«غريبين وليل» و«دوبني الهوا» و«عيونك جرحوني»** ليست مجرد عناوين في أرشيف مطرب، بل محطات في ذاكرة الأغنية اللبنانية. وتؤكد منصات الاستماع الحديثة استمرار حضور عدد منها، ومنها «يا حلوة»، «دق باب الحب» و«دوبني الهوا».
والأجمل أن يُقدَّم غسان صليبا بوصفه «صوتاً عبر من المسرح إلى الأغنية، ثم من الأغنية إلى الذاكرة»؛ لأن علاقته بالرحابنة ومنصور الرحباني وملحم بركات وإيلي شويري وفيلِمون وهبي وإلياس الرحباني وغيرهم، تكشف جانباً مهماً من تاريخ الأغنية والمسرح الغنائي اللبناني
وختامها مسك وعنبر :
غسان صليبا ليس مجرد صوتٍ لبنانيّ قوي؛ إنه تجربة فنية ارتبطت بالمسرح، وبالكلمة، وباللحن، وبالصورة، وبذاكرة جمهور عاش مع الأغنية اللبنانية في مراحل مختلفة.
وفي زمن أصبحت فيه الأغنية أحياناً سريعة العبور، تبقى قيمة الفنان في قدرته على صناعة أثرٍ لا ينتهي بانتهاء اللحن. وهذا هو الامتحان الأصعب: أن يستطيع الصوت أن يتحول إلى ذاكرة.
لقد غنّى غسان صليبا، ومثّل، ووقف على الخشبة، وحمل الأغنية إلى جمهور واسع، لكنه في المحصلة ترك شيئاً أكبر من الأغنية نفسها: ترك صورة الفنان الذي آمن بأن الصوت يمكن أن يكون مسرحاً، وأن المسرح يمكن أن يكون أغنية، وأن الفن الحقيقي هو ذلك الذي يبقى في الذاكرة حتى بعد أن يخفت الضوء وتُسدل الستارة.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت


