المخرج والممثل الأردني: عبد الكريم الجراح.. حين يتحول المسرح إلى ذاكرة وطنية ودفتر لتوثيق التاريخ.- إعداد: فريد ظفور.


عبد الكريم الجراح.. حين يتحول المسرح إلى ذاكرة وطنية ودفتر لتوثيق التاريخ
المخرج والممثل الأردني يتحدث في «بيت للكل» عن توثيق التاريخ وبناء السردية الأردنية
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
هناك أعمال فنية تُشاهد وتنتهي، وهناك أعمال أخرى تتجاوز لحظة العرض لتصبح جزءاً من ذاكرة المكان والإنسان.
وعندما يتحدث المخرج والممثل الأردني عبد الكريم الجراح عن توثيق التاريخ وضرورة بناء «السردية الأردنية»، فإن الحديث لا يعود متعلقاً بالمسرح وحده، ولا بالدراما باعتبارها فناً للفرجة فحسب، بل يقترب من سؤال أوسع: كيف يستطيع الفن أن يحفظ ذاكرة وطن، وأن يحول الأحداث والشخصيات والأمكنة من وقائع عابرة إلى ذاكرة حية تتناقلها الأجيال؟
من هذه الزاوية جاءت إطلالته في برنامج «بيت للكل» على القناة الأردنية الأولى لتفتح نافذة على علاقة الفنان بالتاريخ، وعلى الدور الذي يمكن أن تؤديه الفنون الأدائية في إعادة قراءة الماضي وتقديمه للأجيال الجديدة بلغة الصورة والحركة والصوت والشخصية والمكان.
فالمسرح، في جوهره، ليس مجرد خشبة وستارة وممثل وجمهور؛ إنه أيضاً مختبر للذاكرة الإنسانية، يستطيع أن يستعيد الماضي ويعيد صياغته أمام العين، بحيث يصبح التاريخ تجربة محسوسة لا مجرد معلومات في كتاب.
عبد الكريم الجراح.. من التمثيل إلى صناعة المشهد المسرحي
ينتمي عبد الكريم الجراح إلى جيل من الفنانين الأردنيين الذين جمعوا بين أكثر من وظيفة داخل المجال المسرحي؛ فهو ممثل ومخرج، كما ارتبط اسمه بإدارة وتنظيم عدد من الفعاليات والمهرجانات المسرحية.
ولد الجراح في المزار الشمالي عام 1969، وحصل على درجة البكالوريوس في المسرح من جامعة اليرموك عام 1992. وأسّس فرقة «طقوس المسرحية» عام 2000، كما ارتبط بتأسيس مهرجان صيف الزرقاء المسرحي، وتولى إدارة مهرجان مسرح الهواة بين عامي 2001 و2004، ومهرجان مسرح الشباب بين عامي 2004 و2006.
وهذه السيرة تكشف أن علاقته بالمسرح لم تكن محصورة في الوقوف أمام الكاميرا أو على الخشبة، وإنما امتدت إلى صناعة الفعل المسرحي نفسه، وإدارة المهرجانات، والعمل على تطوير بيئة مسرحية قادرة على احتضان المواهب والتجارب الجديدة.
كما شارك في عدد من الأعمال التلفزيونية والمسرحية والسينمائية، ومن الأعمال التي ارتبط اسمه بها تمثيلاً أعمال درامية ذات صلة بالتاريخ والبيئة العربية والبدوية، ومنها «وضحة وابن عجلان»، و«عيون عليا»، و«رأس غليص»، إلى جانب أعمال أخرى.
المسرح حين يصبح وثيقة
السؤال الذي يفرض نفسه هنا:
هل يستطيع المسرح أن يكون وثيقة تاريخية؟
الإجابة تحتاج إلى شيء من الدقة.
المسرح ليس بديلاً عن الوثيقة التاريخية، ولا ينبغي أن يحل الخيال الدرامي محل البحث التاريخي. لكنه يستطيع أن يقوم بوظيفة أخرى شديدة الأهمية: تحويل المعرفة التاريخية إلى تجربة إنسانية قابلة للرؤية والتذكر.
فالمؤرخ يقرأ الوثيقة، والباحث يفكك الرواية، والمصور يحفظ المكان في صورة، والأرشيف يحتفظ بالمادة الأصلية، بينما يأتي المسرح ليمنح هذه المادة جسداً وصوتاً وحركة وزمناً درامياً.
الشخصية التاريخية التي نقرأ اسمها في كتاب يمكن أن تظهر على الخشبة.
والمكان الذي نراه في صورة قد يتحول إلى فضاء درامي.
والحدث الذي نعرفه من السجلات يمكن أن يصبح مشهداً.
والحكاية التي نقلها الآباء والأجداد يمكن أن تجد طريقها إلى جيل لم يعش زمنها.
وهنا تصبح الفنون الأدائية واحدة من أدوات حفظ الذاكرة الثقافية.
«السردية الأردنية».. من الحدث إلى الذاكرة
إن مفهوم «السردية الأردنية» الذي تحدث عنه الجراح يفتح باباً واسعاً أمام الثقافة والفن.
فالسردية ليست مجرد مجموعة أحداث تاريخية مرتبة زمنياً، بل هي أيضاً الطريقة التي يفهم بها المجتمع ماضيه، ويتذكر رموزه، ويقرأ تحولات مكانه، ويقدم قصصه للأجيال التالية.
وفي هذا السياق، يأتي المسرح بوصفه وسيلة قادرة على الجمع بين:
التاريخ + الإنسان + المكان + الذاكرة + الحكاية + الصورة.
وقد ظهر هذا التوجه بصورة واضحة في مشروعات ثقافية أردنية حديثة؛ ففي عام 2025 تحدث الجراح، بصفته مدير مديرية المسرح والفنون البصرية في وزارة الثقافة، عن مشروع «تفعيل الفنون الأدائية ومسرح الشباب الهواة»، مؤكداً أن من أهدافه توطين الفعل المسرحي في المحافظات، وإنتاج مسرحي وطني من خلال الهواة، والعمل على تعزيز السردية التاريخية الأردنية والخطاب الإيجابي من خلال المسرح.
وهنا تبدو الفكرة أكثر عمقاً من مجرد إنتاج عروض مسرحية.
إنها محاولة لنقل المسرح من مركز المدينة إلى المحافظات، ومن القاعات التقليدية إلى الأمكنة التي تحمل ذاكرتها الخاصة.
المكان الأردني.. عندما يتحول الجغرافيا إلى حكاية
الأردن ليس مجرد حدود جغرافية.
إنه مجموعة من الأمكنة التي تحمل طبقات متراكمة من التاريخ:
البتراء، جرش، أم قيس، الكرك، السلط، مادبا، عجلون، معان، الطفيلة، العقبة، إربد، الزرقاء، والمزار الشمالي…
لكل مكان حكاياته وشخصياته وذاكرته الشعبية والاجتماعية.
ومن هنا تأتي أهمية أن يغادر المسرح أحياناً فضاءه التقليدي ويتجه إلى المكان نفسه.
وقد شهد عام 2026 تجربة لافتة تمثلت في إقامة الدورة التاسعة عشرة من مهرجان «عشيات طقوس» في البترا، حيث ارتكزت الفكرة على استحضار التاريخ والذاكرة والهوية الأردنية، وتحويل الفضاءات الأثرية والحضارية إلى مساحات للفعل المسرحي والثقافي.
وهنا يصبح المكان نفسه ممثلاً صامتاً.
الصخرة تتكلم.
الطريق يتكلم.
المدينة القديمة تتكلم.
والآثار تتحول من حجر ساكن إلى شاهد بصري على زمن طويل.
من «طقوس» إلى التاريخ الحي
اسم «طقوس» في تجربة عبد الكريم الجراح ليس تفصيلاً عابراً.
فالجراح أسس فرقة «طقوس المسرحية» عام 2000، وارتبط اسمه بمجموعة من التجارب الإخراجية التي تظهر في مسيرته المسرحية، ومنها «الصابرون»، و«نقلة الفرس»، و«طقوس تاجر الصوف»، و«نشيد الصعاليك»، و«مرثية الذئب الأخيرة»، و«سدرا»، و«هانيبال»، و«ظلال القرى»، و«ميشع يبقى حياً».
وفي هذه الأعمال يمكن ملاحظة حضور واضح للبعد التاريخي والأسطوري والرمزي في بعض العناوين والمضامين.
ولذلك فإن الحديث عن «السردية» عند الجراح لا يأتي من فراغ، بل يرتبط بمسار فني طويل تعامل فيه مع المسرح بوصفه مساحة لإعادة قراءة الإنسان والتاريخ والرمز.
«ميشع».. التاريخ عندما يصعد إلى الخشبة
من أبرز العناوين في تجربة الجراح مسرحية «ميشع يبقى حياً»، التي أخرجها عام 2009، وحصل عنها على جائزة أفضل إخراج بحسب السجلات المنشورة عن مسيرته.
و«ميشع» نفسه اسم شديد الدلالة في الذاكرة التاريخية للمنطقة، لأن مسيلا/ميشع ملك مؤاب ارتبط اسمه بنقش ميشع، أحد أشهر الشواهد الأثرية المكتوبة في المنطقة.
وهنا يتضح كيف يمكن للفن أن يقترب من التاريخ بطريقة مختلفة.
فالتاريخ لا يبقى في المتحف.
ولا يظل النقش مجرد حجر.
ولا يبقى الاسم مجرد سطر في كتاب.
بل يمكن أن يتحول إلى شخصية درامية وأسئلة إنسانية وصراع مسرحي.
وهذه إحدى وظائف المسرح التاريخي: أن يسأل الإنسان المعاصر من خلال الماضي عن نفسه.
الفنان ليس مؤرخاً.. لكنه حارس للذاكرة
وهنا يجب التمييز بين مهمتين.
المؤرخ يبحث عن الحقيقة التاريخية وفق أدوات البحث والتحقيق والنقد والمقارنة.
أما الفنان فيبحث عن المعنى الإنساني والجمالي داخل الحدث.
لكن الفنان الذي يتعامل مع التاريخ يتحمل مسؤولية إضافية؛ لأن الصورة التي يقدمها قد تصبح في ذهن الجمهور جزءاً من ذاكرته عن الماضي.
ولهذا فإن الدراما التاريخية تحتاج إلى توازن حساس بين:
الحقيقة والخيال.
بين:
الوثيقة والتأويل.
وبين:
ما حدث فعلاً وما يحتاجه العمل الفني من بناء درامي.
ومن هنا تأتي أهمية التعاون بين الفنان والمؤرخ والباحث والأرشيفي والمصور والوثائقي.
فالتاريخ عندما يدخل المسرح لا يفقد أهميته العلمية، بل يحتاج إلى أن يحمل معه احترام الوثيقة.
من الذاكرة الشفوية إلى الأرشيف البصري
في كل مجتمع هناك تاريخ مكتوب، وهناك تاريخ شفوي.
هناك الوثائق الرسمية، وهناك الرسائل والصور والخرائط والصحف.
لكن هناك أيضاً ذاكرة الناس:
حكايات الأجداد، الأغاني الشعبية، أسماء الأماكن، المهن القديمة، الأزياء، الأعراس، العادات، اللهجات، الأدوات، البيوت، الأسواق، المقاهي، الحقول، الطرق، الرحلات، والهجرات.
وهذه التفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها عندما تتراكم تتحول إلى أرشيف اجتماعي هائل.
وهنا يمكن للمسرح أن يلعب دوراً مهماً في استعادة ما قد يختفي.
يمكنه أن يسأل:
من كان يعيش هنا؟
كيف كان الناس يعملون؟
كيف كانوا يحتفلون؟
ماذا كانوا يرتدون؟
كيف كانت المدن والقرى؟
كيف تغيرت العلاقات الاجتماعية؟
كيف كان الطفل يرى العالم؟
وكيف كانت المرأة والرجل والأسرة والمجتمع يعيشون تحولات الزمن؟
إنها أسئلة لا تظهر دائماً في الوثيقة السياسية، لكنها تظهر في ذاكرة المجتمع.
المسرح والتصوير.. عينان لذاكرة واحدة
ومن وجهة نظر بصرية، تلتقي تجربة المسرح مع التصوير الفوتوغرافي في منطقة شديدة الأهمية: حفظ الزمن.
المصور يضغط لحظة واحدة داخل إطار.
والمسرحي يضغط زمناً طويلاً داخل مشهد.
المصور يقول:
هكذا كان المكان.
والمسرح يقول:
هكذا كان الإنسان داخل المكان.
ولهذا فإن مشروع توثيق السردية الأردنية يمكن أن يستفيد من التكامل بين:
المسرح + السينما + التصوير الفوتوغرافي + الوثائقي + الأرشيف + الأدب + التاريخ الشفوي.
فالصور القديمة ليست مجرد صور.
إنها وثائق بصرية.
والأزياء ليست مجرد ملابس.
إنها وثائق اجتماعية.
والعمارة ليست مجرد مبانٍ.
إنها وثائق عمرانية.
والأغنية الشعبية ليست مجرد تراث سمعي.
إنها وثيقة عن الوجدان الجمعي.
لماذا المحافظات مهمة في صناعة السردية؟
من الأفكار اللافتة في مشروع الفنون الأدائية الذي ارتبط به الجراح توسيع النشاط المسرحي إلى المحافظات الأردنية.
وهذا يحمل أهمية كبيرة من منظور التوثيق الثقافي.
فالسردية الوطنية لا تُصنع في العاصمة وحدها.
لكل محافظة صوتها.
ولكل مدينة ذاكرتها.
ولكل قرية حكايتها.
ولذلك فإن إشراك الشباب في المحافظات في إنتاج المسرح يعني منحهم فرصة لأن يكونوا رواة لتاريخ أماكنهم.
وهذا ما يجعل المسرح وسيلة للتنمية الثقافية أيضاً، وليس مجرد نشاط فني.
وقد أشارت وزارة الثقافة الأردنية إلى أن المشروع يستهدف المحافظات، ويعتمد على التدريب العملي وحلقات النقاش والتطبيقات المسرحية، بهدف تمكين الشباب من إنتاج عروض تحمل رسائل إبداعية وتعكس قضايا المجتمع وتطلعات الشباب.
من الجمهور إلى الشاهد
في المسرح التقليدي يأتي الجمهور لكي يشاهد.
لكن في المسرح المرتبط بالذاكرة يمكن أن يصبح الجمهور شاهداً ومشاركاً وحاملاً للحكاية.
قد يرى أحدهم على الخشبة شخصية يعرفها من ذاكرة عائلته.
وقد يرى مكاناً عاش فيه.
وقد يسمع عبارة كان جده يرددها.
وقد يتعرف إلى حرفة اختفت.
وقد يستعيد صورة بيت قديم لم يعد موجوداً.
هنا يحدث شيء يتجاوز المتعة الفنية:
تبدأ الذاكرة الشخصية بالاتصال بالذاكرة العامة.
وهذا من أهم ما تستطيع الفنون فعله.
عبد الكريم الجراح.. الفنان بين الخشبة والمؤسسة
لا يمكن قراءة تجربة الجراح من خلال التمثيل والإخراج فقط.
فمسيرته ارتبطت أيضاً بالإدارة الثقافية والمهرجانات والعمل المؤسسي.
وقد تولى مديرية المسرح والفنون البصرية في وزارة الثقافة، وظهر في عدد من المشروعات والفعاليات الرسمية المتعلقة بالمسرح والفنون الأدائية. كما شارك في لجان وتحكيمات مسرحية، ومنها لجنة تحكيم مهرجان المونودراما المسرحي الرابع ضمن فعاليات مهرجان جرش عام 2026.
وفي هذا الجانب تتحول مهمة الفنان من إنتاج العمل إلى المساهمة في بناء البيئة التي تنتج الأعمال.
وهذا فرق مهم.
فالفنان المبدع يصنع عرضاً.
أما الفنان الذي يعمل في المجال الثقافي المؤسسي فيستطيع أيضاً أن يساعد في خلق الظروف التي تسمح لعشرات الفنانين بإنتاج عروضهم.
الممثل الذي يعرف التاريخ
هناك ميزة خاصة للممثل الذي يتعامل مع الشخصيات التاريخية.
إنه لا يؤدي الكلمات فقط.
بل يحتاج إلى البحث في:
لغة الشخصية.
جسدها.
ملابسها.
عاداتها.
زمنها.
بيئتها.
علاقاتها.
ومخاوفها وأحلامها.
ثم يحاول أن يعيد خلقها أمام الجمهور.
وهنا يتحول الممثل إلى نوع من المترجم الزمني.
إنه يأخذ شخصية جاءت من زمن آخر ويعيد تقديمها إلى إنسان يعيش في القرن الحادي والعشرين.
وهذا يجعل التمثيل التاريخي واحداً من أكثر أشكال الأداء حساسية.
التاريخ ليس ماضياً فقط
ربما تكون الفكرة الأهم في مفهوم السردية أن التاريخ لا يعيش في الماضي وحده.
إنه يعيش في الحاضر أيضاً.
نحن نستخدم أسماء المدن التي ورثناها.
نسكن بيوتاً بُنيت قبلنا.
نحمل عادات لم نخترعها.
نستعمل كلمات جاءت من أجيال سابقة.
نروي قصصاً لم نعش أحداثها.
ونحتفظ بصور لأشخاص رحلوا، لكنهم ما زالوا يعيشون في الذاكرة.
ولهذا فإن توثيق التاريخ هو في جانب منه توثيق للحاضر أيضاً.
لأن الحاضر نفسه سيصبح غداً تاريخاً.
الصورة والمسرح.. مقاومة النسيان
وهنا تلتقي الفنون جميعاً في مواجهة واحدة:
مقاومة النسيان.
المصور يقاوم النسيان بالصورة.
المخرج يقاومه بالمشهد.
الممثل يقاومه بالجسد والصوت.
الكاتب يقاومه بالكلمة.
المؤرخ يقاومه بالوثيقة.
والأرشيف يقاومه بحفظ المادة.
لكن عندما تتكامل هذه الأدوات، يصبح المجتمع أكثر قدرة على حماية ذاكرته.
وهنا يمكن أن نقرأ تجربة عبد الكريم الجراح ضمن هذا الأفق الأوسع: الفن ليس مجرد إعادة تمثيل للماضي، بل وسيلة لجعل الماضي قابلاً للحوار مع الحاضر.
من «السردية» إلى «الموسوعة البصرية»
ولعل الخطوة التالية التي يمكن أن يفتحها هذا التفكير هي الانتقال من العروض المنفردة إلى مشروع ثقافي أوسع:
موسوعة بصرية للسردية الأردنية.
موسوعة تجمع:
الصور التاريخية.
الوثائق.
المقابلات مع كبار السن.
شهادات الفنانين.
تسجيلات الأماكن.
المسرحيات.
الأفلام الوثائقية.
الخرائط.
الأزياء الشعبية.
الحرف التقليدية.
الأغاني والموروث الشفهي.
الصحافة القديمة.
الملصقات المسرحية.
أرشيف الفنانين.
شهادات المخرجين والممثلين.
الصور العائلية.
أرشيف المدن والقرى.
عندها لا يعود التاريخ كتاباً واحداً.
بل يصبح شبكة من الصور والأصوات والحكايات والوثائق.
وهذه هي طبيعة الذاكرة الحديثة في عصر الوسائط الرقمية.
«بيت للكل».. حين تصبح الشاشة بيتاً للذاكرة
ومن هنا تكتسب البرامج الثقافية التلفزيونية أهمية خاصة.
فالحديث الذي يجري داخل الاستوديو لا يبقى بالضرورة محصوراً في لحظته.
إنه يتحول إلى مادة يمكن الرجوع إليها.
وحين تستضيف الشاشة فناناً يتحدث عن تجربته ورؤيته للتاريخ والمسرح، فإنها تقوم بصورة غير مباشرة بعملية توثيق.
المقابلة نفسها تصبح وثيقة.
صوت الفنان يصبح وثيقة.
صورته تصبح وثيقة.
وشهادته عن زمنه تصبح جزءاً من أرشيف المرحلة.
وهكذا يصبح الإعلام الثقافي أحد جسور الذاكرة بين الماضي والحاضر والمستقبل.
الخاتمة: حين يصبح الفنان شاهداً على زمنه
في النهاية، يمكن النظر إلى تجربة عبد الكريم الجراح من زاوية تتجاوز تصنيفه مخرجاً أو ممثلاً.
إنها تجربة فنان عاش داخل المسرح، ثم اتسعت علاقته به إلى التعليم والمهرجانات والإدارة الثقافية والفنون الأدائية، وصولاً إلى سؤال التاريخ والهوية والذاكرة.
وفي حديثه عن توثيق التاريخ والسردية الأردنية، يبرز سؤال أكبر من المسرح نفسه:
من يكتب ذاكرة المكان؟
هل يكتبها المؤرخ وحده؟
أم أن الفنان شريك فيها؟
والجواب ربما يكون أن الذاكرة الأكثر اكتمالاً هي التي تتعاون فيها الوثيقة مع الصورة، والتاريخ مع الفن، والبحث مع الشهادة، والمسرح مع السينما، والمصور مع المخرج، والكلمة مع المشهد.
فالتاريخ لا يعيش في الكتب فقط.
إنه يعيش في الوجوه والأمكنة والصور والأصوات والطقوس والحكايات.
وحين يفتح الفنان نافذة على الماضي، فهو لا يعيد الزمن إلى الوراء، وإنما يمنح الحاضر فرصة لأن يرى نفسه في مرآة التاريخ.
ومن هنا يمكن أن يصبح المسرح الأردني أكثر من خشبة للعرض:
يمكن أن يصبح ذاكرة حية للأردن.
ويمكن للفنان أن يكون أكثر من ممثل لشخصية:
يمكن أن يكون شاهداً على عصره، وحارساً لذاكرة المكان، ووسيطاً بين ما كان وما سيكون.
أما «السردية الأردنية» فليست مجرد رواية للماضي، بل مشروع مستمر لإعادة اكتشاف الإنسان والمكان والتاريخ، بحيث لا تتحول الذاكرة إلى ماضٍ مغلق، وإنما تبقى حواراً مفتوحاً بين الأجيال.
وهنا تحديداً يلتقي المسرح مع التصوير الفوتوغرافي والسينما والأرشيف:
كلها فنون تقول للزمن: مررت من هنا، لكنني لن أتركك تمحو الأثر.
هذه الصياغة تصلح للنشر في مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت، ويمكن في نسخة لاحقة توسيعها إلى ملف موسوعي عن عبد الكريم الجراح يتضمن كرونولوجيا حياته، أعماله المسرحية والدرامية، جوائزه، مشروع «طقوس»، وعلاقته بالمسرح التاريخي والسردية الأردنية، مع خط زمني موثق.

أخر المقالات

منكم وإليكم