قصيدة النثر العراقية..الشاعر محمد العتابي.

محمد العتّابي :/-قصيدة النثر العراقية:/-معجم شعراء العرب: ذاكرة القصيدة العربية من جيلٍ إلى جيل
فتاةٌ وحيدة.. أغنيةٌ واحدة
محمد العتّابي
محمد ماجد العتابي

وفي تلكَ اللَّيلةِ وأنتِ تعبرينَ الشَّارع
وترينَ العابرينَ بسهوِهِمْ
حاملةً أكياسَ التَّبضُّع
متجاهلةً -ولو قليلاً- إشعاراتِ الهاتفِ ورنينَ الذَّاكرة
ستقفُ اللَّحظةُ عندَ إشارةَ المرور
وتسمعُ فتاةٌ وحيدةٌ -كانت قبل خمسٍ وعشرينَ سنةً-
أغنيةً واحدةً طوالَ الطَّريقِ إلى البيت
أغنيةً واحدةً عندَ مدخلٍ جانبي

سيُغلقُ على الذِّكرياتِ بابُ السَّيارة
وعلى كلِّ عتبةٍ سترتدينَ ثياباً لا تألفينها منذُ الصَّباح
حينما كانَ “صدعٌ بدايتُهُ في عينيكِ نهايتُهُ في قلبكِ”
وبعدَ كلِّ عتبةٍ
ترتجفُ ابتسامةٌ على كتفِ دمعةٍ مُحاصَرة

ستمرُّ بكِ اللِّقاءاتُ الأُوَل
ورأسٌ اتَّكأَ على ظَهركِ فصارَ شَجرة
والمياهُ التي تجمعُ عاشقيْنِ
والصَّمتُ الأليفُ بينَ العيونِ عندَ المَغيب
سيزوركِ البَحرُ في بلادٍ كانَ فيها
ونسمةُ طينٍ تتسلَّلُ للرُّوح
وهديرٌ يضجُّ في المَدى..

تصعدين عتبةً،
السَّلالمُ لا تَنتهي
والبابُ يغيبُ نحوَ سَرابِ الجِدار

في العَتبةِ قبلَ الأخيرة
ستذكرينَ غياباً خافِتاً،
وحْشاً صَاخباً،
مُتفجِّراً، مُتوشِّحاً،
مُحتشِداً وَحيداً واحِداً
مثلَ فتاةٍ وحيدةٍ تسمعُ أغنيةً واحدةً
مثلَ تلكَ الأغنية
مثلَ قلبِ تلكَ الفتاة

وفي العَتبةِ الأخيرة
ستقبضُ كفُّكِ الصَّغيرة
على رائحةِ الغِيابِ الحاضرِالأبديِّ
تفتحينَ الباب
يُحاصركِ أبناءٌ وبناتٌ ورجل
ونصفُ الابتسامةِ دمع

ستُحضِّرينَ طاولةَ الطَّعام..
ولا طعمَ سِوى حلاوةِ أزمنةٍ خَلَتْ.
نصفُ ابتسامةٍ أُخرى..
وأحاديثُ كثيرةٌ وقلبٌ وحيد

وبعدَ أن تفكِّي أزرارَ يومِكِ
وتضعي رأساً غزاهُ البَياضُ المُر:
“لماذا لا يُسأل العُشَّاقُ عن أسبابِ محبَّتِهم؟”
وكيفَ أنَّ الإجابةَ تعتريكِ منذُ الصَّباح

حينما في هاتفِكِ
قفزتْ صورةٌ رماديةٌ بشريطٍ أسودَ
لذاكَ الذي كان يستمعُ مع فتاةٍ وحيدةٍ لأغنيةٍ واحدةٍ
قبلَ خمسةً وعشرينَ عاماً
قبلَ أن تعودَ وحيدةً مرَّةً أخرى..

ستمضغينَ الإجابة
وتشربينَ جُرعةَ ماءٍ كانتْ بينَ عاشقيْنِ
وفي حلمٍ أخيرٍ تنادينَ عليهِ:
“لأنَّهم لا يعرفون”
يا رأساً اتَّكأ على ظَهري فصارَ شَجرة

الشاعر والكاتب العراقي محمد العتابي، فهو شاعر عراقي من مواليد 1989، يعمل أيضا ككاتب وناشر وسيناريست، وهو من ومؤسسي منشورات تكوين.

من أبرز أعماله الشعرية:

١ «باب يحدّق في عيني» — 2015.
٢ «هروب الريح من مدن الحجارة» — 2018، وهو ديوان من 72 صفحة.
٣ «كل شيء سيكون على ما يرام» — عمل في أدب الطفل، 2018.
٤ سيزورك البحر _٢٠٢٦ ديوان شعري
كما شارك في أمسيات وملتقيات شعرية وثقافية في الكويت والعراق ولبنان وإيطاليا، وظهرت في شعره موضوعات مثل الترحال والاغتراب والواقع الإنساني

إليك نصا مكثفا في عشرين سطرا عن تجربته الأدبية والثقافية:

محمد ماجد العتابي شاعر عراقي تتقاطع في تجربته الشعرية أسئلة الإنسان والذاكرة والوطن والوجود.
لا تنحصر تجربته في كتابة القصيدة، بل تمتد إلى السيناريو والعمل الثقافي والنشر، وهو ما منح مشروعه تنوعا في الأدوات والرؤى.
ينتمي العتابي إلى جيل من الكتاب الذين تعاملوا مع الشعر بوصفه فضاء مفتوحا على الفلسفة والتاريخ والأسئلة الإنسانية.
وتحضر في تجربته صورة العراق لا باعتباره مكانا جغرافيا فحسب، بل باعتباره ذاكرة عميقة وجرحا وأسئلة لا تنتهي.
ويظهر المنفى والابتعاد عن المكان في كتابته بوصفهما وسيلة لإعادة النظر في الوطن والذات والذاكرة.
ومن أبرز أعماله الشعرية ديوان «باب يحدق في عيني»، الذي صدر سنة 2015 عن منشورات ضفاف.
يقدم الديوان تجربة تقوم على القصيدة الطويلة وعلى بناء شبكة من الرموز والصور والإحالات التاريخية والفلسفية.
ويستفيد العتابي من تقنية القناع الشعري، فيستدعي شخصيات تاريخية ودينية وفلسفية لتتعدد الأصوات داخل النص.
ولا تأتي هذه الشخصيات بوصفها زينة ثقافية، بل تتحول إلى أدوات لطرح أسئلة الإنسان المعاصر.
وتتكرر في شعره مفردات الروح والقدر والذاكرة والموت والكون والكلمات، وهي مفردات تكشف عن نزعة تأملية واضحة.
كما يحتل التاريخ موقعا مهما في تجربته، لكنه لا يعامله بوصفه ماضيا منتهيا، بل يعيد توظيفه في قراءة الحاضر.
وتبرز الكوفة والعراق في هذا السياق بوصفهما رمزين لذاكرة واسعة تتداخل فيها الثقافة والدين والسياسة والتجربة الإنسانية.
وتتميز صوره الشعرية بالمفارقة والانزياح، إذ يجمع بين عناصر متباعدة ليصنع منها علاقات جديدة قابلة للتأويل.
ويبدو البحر والبئر والباب والمرآة والذاكرة من أبرز الحقول الرمزية التي تتحرك داخل عالمه الشعري.
وتتجاور في لغته المفردة الحسية مع المفردة الفلسفية، فتتحول الفكرة المجردة إلى صورة ومشهد وحركة.
أما اشتغاله في السيناريو فيضيف إلى تجربته حساسية تجاه المشهد والشخصية وتعدد الأصوات والبناء الدرامي.
وفي مجال النشر والعمل الثقافي، يتجاوز العتابي دور الشاعر إلى المشاركة في صناعة المشهد الثقافي وتداول الكتاب.
وتكشف تجربته في مجموعها عن كاتب لا يفصل الإبداع عن الأسئلة الفكرية والثقافية المحيطة بالإنسان.
ومن هنا تبدو قصيدته محاولة مستمرة للانتقال من التجربة الشخصية إلى السؤال الإنساني الأوسع.
وتظل تجربته في النهاية قائمة على البحث عن الذات في مرايا الذاكرة والتاريخ والروح، وعلى تحويل القلق الإنساني إلى لغة شعرية مفتوحة على التأويل.

#منصة شعر شعراء#مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم