عندما يدحض العلم مقولة الطبع غلب التطبع
لطالما رُدّدت مقولة “الطبع غلب التطبع” كأنها قانون أزليّ، وكأن الإنسان يحمل في أعماقه نواةً ثابتةً لا تقبل المساومة، مهما جاهد أو تدرّب أو تعلّم. غير أنّ هذا اليقين الشعبي، الذي تسلّل إلينا عبر الأجيال، يجد اليوم في مختبرات الأعصاب وعيادات علم النفس ما يزلزله من أساسه. فالدماغ البشري، ذلك العضو الذي طالما صوّرناه حجرًا منقوشًا لا يُمحى، هو في حقيقته نسيج حيّ، قابل لإعادة التشكيل، يكتب نفسه من جديد مع كل خبرة، وكل تكرار، وكل محاولة واعية للتغيير.
الدماغ الذي يكتب نفسه
في منتصف القرن العشرين، صاغ دونالد هيب مبدأً بدا بسيطًا لكنه غيّر مسار علم الأعصاب: “الخلايا العصبية التي تشتعل معًا، تتشابك معًا”. بمعنى أنّ كلّ مرة تُفعَّل فيها دائرة عصبية معينة، تزداد كفاءتها، وتصبح أكثر جاهزية للتفعيل في المرات التالية. وإذا تكرّر هذا التفعيل، تتحوّل المشابك العصبية من مجرد نقاط عبور عابرة إلى جسور متينة، تقوى وتستقر. وقد أثبتت تجارب بليس ولومو على حصين الأرانب أنّ التنبيه الكهربائي المتكرر يولّد ما يُعرف بـ”التقوية طويلة الأمد” (Long-Term Potentiation)، وهي زيادة مستدامة في قوة التواصل بين الخلايا العصبية، تُعدّ اليوم الأساس الجزيئي للتعلم والذاكرة. بعبارة أخرى، ما نسمّيه “طبعًا” ليس سوى أثرٍ لتكرارٍ سابق نُحت في المشابك العصبية؛ وما نسمّيه “تطبعًا” ليس سوى تكرارٍ جديد يسعى إلى نقش مسار بديل.
… العادة حين تصبح .. (( طبعاً ))
لكن أين تُخزَّن هذه .. الطباع .. المكتسبة؟ تُشير أبحاث حديثة نُشرت في دورية PNAS إلى أنّ العادات الحركية والسلوكية تُخزَّن في الجزء الحسي الحركي من المخطط الظهري الجانبي (Dorsolateral Striatum)، وهو بنية تقع في قلب العقد القاعدية. والمثير أنّ القشرة الدماغية، التي تكون ضرورية في مرحلة تعلّم السلوك، يصبح بالإمكان تعطيلها بعد اكتمال التعلّم، بينما يستمر الأداء السلوكي بسلاسة تامة. هذا يعني أنّ السلوك المتكرر لا يبقى رهينًا للنية الواعية أو للإرادة اللحظية، بل يتحوّل إلى برنامج عصبي مستقل، يعمل تلقائيًا كلما توفّرت الإشارة السياقية المناسبة. وهكذا يبدو السلوك وكأنه “طبع” أصيل، مع أنّه في حقيقته تطبّع تراكمي غُرس عبر التكرار والتعزيز.
من العصاب إلى السلوك: صورةٌ لا تكتمل إلا بالجانب النفسي
لا تكتمل الصورة العصبية دون نظيرها النفسي السلوكي. فقد أظهرت مراجعات علم النفس أنّ العادة تنشأ من تفاعل بين التكرار والتعزيز: تكرار السلوك في سياق ثابت يبني ارتباطات قوية بين الإشارات البيئية والاستجابات، والمكافأة تجعل هذا التكرار أكثر احتمالًا في المستقبل، حتى يصبح الفعل تلقائيًا لا يحتاج إلى تفكير أو deliberation. وهنا تحديدًا ينهار التصوّر الحتمي للطبع. فإذا كانت الشخصية نفسها، كما أظهر تحليل تلويّ كبير نُشر عام 2006 في Psychological Bulletin، قابلة للتغيّر عبر مسار الحياة، ولو بوتيرة تدريجية، فما بالك بالسلوكيات المكتسبة التي تتشكّل بالتكرار؟. لقد بيّنت هذه المراجعة أنّ سمات مثل القلق أو الانبساط ليست ثابتة بشكل مطلق، بل تتغيّر استجابةً للبيئة والخبرة والنضج. وإذا كان هذا شأن السمات الأكثر رسوخًا، فإنّ العادات اليومية والأنماط السلوكية هي بطبيعتها أكثر قابلية لإعادة التشكيل.
… حين يُعيد العلاج كتابة الدوائر
الدليل الأكثر إثارةً للإعجاب يأتي من عيادات العلاج النفسي. فالعلاج المعرفي السلوكي (CBT)، الذي يقوم على تمارين معرفية وسلوكية متكررة، لا يغيّر الأفكار والسلوك فحسب، بل يُحدث تغيّرات قابلة للقياس في نشاط الدماغ واتصاله الوظيفي، لا سيّما في الدوائر الجبهية واللوزية المسؤولة عن تنظيم الانفعال. وكما لاحظ إريك كاندل، الحائز على نوبل في الطب، فإنّ التغيّرات النفسية الدائمة تستلزم بالضرورة تغيّرات في الدوائر العصبية. بعبارة أخرى، كلّ جلسة علاج، وكل تمرين سلوكي متكرر، هو في جوهره عملية إعادة تشكيل مشبكية؛ إنه “تطبع” جديد يزاحم “الطبع” القديم، لا ليمحوه من الوجود، بل ليُنشئ مسارًا عصبيًا بديلًا أكثر كفاءةً وأكثر تكرارًا.
… لماذا تبدو المقولة صحيحة أحيانًا؟
قد يعترض معترض: “لكني أعرف أناسًا حاولوا التغيير ثم عادوا إلى طباعهم الأولى”. وهذا صحيح، لكنه لا يُثبت حتمية الطبع، بل يُثبت قوة التكرار القديم. فالدوائر العصبية التي تشكّلت عبر سنوات من التكرار لا تُمحى بجرة قلم؛ إنها تبقى كطرقٍ سالكة في الغابة العصبية، تنتظر فقط لحظة انخفاض التعزيز الجديد أو ارتفاع الضغط لتُستدعى من جديد. والمقولة الشعبية نفسها، كما يوضح علماء النفس، كثيرًا ما تُستخدم لتبرير الاستسلام أو لتفسير العودة إلى سلوك قديم، لا لأنّ الطبع قدر محتوم، بل لأنّ التطبع الجديد لم يحظَ بعد بالتكرار الكافي والتعزيز المستمر والوعي الذاتي الذي يثبّته. إنّ العودة إلى الطبع القديم ليست دليلًا على استحالة التغيير، بل هي دعوة إلى فهم شروط التثبيت العصبي: التكرار، والسياق المستقر، والمكافأة، والانتباه الواعي.
في نهاية المقال : الطبع ليس قيداً ،،، بل أثراً
وهكذا يدحض العلم، بهدوء الأدلة وصرامة المنهج، مقولة “الطبع غلب التطبع”. . الطبع وهم، بل الطبع نفسه ليس إلا تطبعاً قديماً تجمّد بفعل التكرار. والدماغ الذي نقش تلك الطباع قادر، بالتكرار ذاته، على نقش غيرها. المرونة العصبية لا تعني أنّ التغيير سهل أو سريع؛ إنها تعني أنه ممكن، وأنّ كل تكرار واعٍ هو ضربة إزميل في نسيج حيّ، وكل سلوك جديد نتقنه هو طريق عصبي جديد يفتح أمامنا. وإذا كانت المقولة الشعبية قد حكمت على الإنسان بالثبات، فإنّ العلم يمنحه ما هو أغلى: مسؤولية أن يكون ما يختار أن يتكرر … RAMI ..
#المثقفون السوريون#مجلة ايليت فوتو ارت.


